هل مازالت”حركة 20 فبراير” قادرة على العودة إلى الشارع بقوة؟

على مدى أربع سنوات، وكلما لاحت في الأفق تباشير فجر أول أيام شهر فبراير، أجدني مشدودا إلى شريط ذكريات الماضي القريب، أسترجع بإمعان شديد صورا رائعة، تحكي عن تلاحم شعبي مبهر في وقفات احتجاجية منتظمة، ومسيرات سلمية تجوب شوارع المدن المغربية، انطلقت ذات ربيع عربي على وقع أصوات حناجر تردد بلا كلل ولا ملل شعارات تلهب العواطف، تحت قيادة حركة شبابية متحمسة للتغيير، اختارت التمرد على الواقع المزري، والخروج للتعبير عن آلام وأحزان المواطنين، بدل الاستمرار في التواري إلى الخلف. إنها “حركة 20 فبراير” المباركة…

  ففي ظل ترهل القيادات السياسية والنقابية، وفقدان الأحزاب التقليدية بريقها، والمنظمات النقابية قوتها، وتفكك الحركة اليسارية، والعزوف السياسي لدى فئات واسعة من المواطنين، خاصة الشباب من الجنسين، جراء انعدام تجانس الخطاب السياسي مع التحولات المجتمعية، غياب الجدوى والفعالية في تحسين الأحوال العامة، وفي سياق الحراك الإقليمي وانتفاضة الشعب التونسي الشقيق، كان طبيعيا انتهاز شبابنا فرصة تأسيس حركته في شهر فبراير 2011، جاعلا من مواقع الاتصال الاجتماعي والشارع أفضل وسائط التواصل والاستقطاب.

  وبتلقائية اندفع هؤلاء “المناضلون” آملين تحقيق حلمهم، قبل أن تنضم إليهم جمعية العدل والإحسان كقوة إسلامية منظمة، جمعيات من المجتمع المدني، أعداد غفيرة من شبيبات أحزاب وطنية وشخصيات وازنة من كافة الاتجاهات والمشارب، وخرجوا جميعا يوم 20  فبراير 2011، محدثين رجة سياسية واجتماعية، يوحدهم إيمانهم القوي بعدالة مطالبهم، ورغبتهم الجامحة في تطهير البلاد من دنس العابثين. وبشجاعة نادرة نادوا بتصحيح الأوضاع القائمة، إسقاط الفساد والاستبداد، الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، تسريع وتيرة الإصلاحات الجوهرية، عبر دستور جديد وملكية برلمانية… وبتفهم ملك البلاد محمد السادس حجم معاناة شعبه وليقينه التام بمشروعية قضاياه، لم يتأخر في التجاوب معه والاستجابة لتطلعاته من خلال خطاب 9 مارس 2011 التاريخي، الذي تم بموجبه التوافق على دستور فاتح يوليوز 2011، وتنظيم انتخابات تشريعية سابقة لأوانها في 25 نونبر 2011، بوأت فيها صناديق الاقتراع الصدارة لحزب “العدالة والتنمية” ذي المرجعية الإسلامية، الذي كان معرضا للحل سابقا. وفي إطار المنهجية الدستورية، كلف الملك أمينه العام السيد بنكيران بتشكيل الحكومة، التي رأت النور يوم 3 يناير 2012، لتعرف تصدعا فيما بعد، بانسحاب الحليف الأكبر حزب الاستقلال في 9 يوليوز 2013.

  وبتخليدنا الذكرى الرابعة لحركة 20 فبراير، نتساءل بمرارة إلى أي حد تحقق ما أنشئت من أجله؟ من المعلوم أنها شكلت قوة ضاغطة على المسؤولين، واستطاعت خلخلة موازين القوى لفائدة المسحوقين، والتعجيل بمراجعة عديد القوانين، وتمكنت من تكسير جدار الخوف لدى المواطنين، الذين أصبحوا أكثر جرأة في المطالبة بحقوقهم وحماية مكتسباتهم. بيد أن الحكومة بقيادة السيد بنكيران لم تكن أبدا في مستوى طموحات الشعب، بعد أن استبدلت الفرح بالقرح والأمل بالألم. انكشف زيف الحزب الحاكم، الذي انخدع المغاربة بما يدعيه من صدق وطهرانية، فإذا الواقع يفند مزاعمه وتحول برنامجه الانتخابي إلى سراب. اتضحت انتهازيته باستغلاله شعارات الحركة، وجعلها مطية للعبور نحو تحقيق مخططاته الخفية وأهدافه الذاتية، المتمثلة في تقلد مناصب المسؤولية والاستيلاء على مفاصل الإدارة. وفي ذات الوقت، تصفية حساباته الضيقة مع خصومه لاسيما حزب “الأصالة والمعاصرة”.

  وبافتقاد رئيس الحكومة القدرة على الابتكار وإنتاج الثروة، عبر تشجيع الاستثمار وتوفير الظروف المواتية لإنعاش الاقتصاد الوطني، وبدل وضع حلول كفيلة بتجاوز الأزمة الاقتصادية الخانقة، لم يجد غضاضة في التنكر لوعوده والتزاماته، الإذعان إلى شروط المؤسسات الدولية، والهجوم على القدرة الشرائية للطبقات الشعبية، بتحرير أسعار المحروقات وإلهاب أثمان المواد الأساسية، تجميد الترقيات وأجور الموظفين في الوظيفة العمومية، تقليص مناصب الشغل وإغراق البلاد في مستنقعات المديونية…

     لقد أبانت الحكومة عن ضعفها في تدبير الشأن العام، وبدا خطابها أكثر ضعفا وهي تستند إلى تبرير فشلها بالمظلومية والمؤامرة، بعدما أخفقت في الإصلاحات الكبرى من تعليم وصحة وعدل وسكن وتقاعد وتنزيل قانون الإضراب… وبلورة سياسة تقطع مع رواسب الماضي، وتهتم بالتوزيع العادل للثروات، الحد من الفوارق الطبقية وإنصاف المرأة… غابت عنها الحنكة والإرادة السياسية في وضع استراتيجيات متكاملة، وعجزت عن: إرساء قواعد حكامة جيدة، ربط المسؤولية بالمحاسبة وتخليق الحياة العامة. ولم تقو على محاربة: الفساد، تهريب الأموال، التهرب الضريبي، اقتصاد الريع والرشوة، والتصدي لأباطرة المخدرات ولوبيات المضاربات العقارية. ويرى خبراء الاقتصاد أنها أسوأ الحكومات المتعاقبة في معالجة ملف التشغيل، الذي يعد من المعايير الحاسمة في تحديد مستوى النمو، كما أنها أعادت الاستبداد عبر ممارساتها القمعية ومصادرة حرية الرأي والتعبير، الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الصورية، الاقتطاع من رواتب المضربين، التضييق الممنهج على الجمعيات الحقوقية…

  وفي عهدها تفاقمت الأوضاع، ارتفع منسوب الاحتقان الاجتماعي وساد الاستياء جميع فئات الشعب، وبلغ السخط مداه إثر فيضانات الأقاليم الجنوبية قبيل متم سنة 2014، وما خلفته من قتلى وخسائر فادحة في البنيات التحتية: انهيار القناطر والمنازل وإلحاق أضرار بليغة بالأشخاص والممتلكات، فضلا عن نقل الجثث في شاحنات الأزبال، وفضائح الوزراء المستفزة للمشاعر من “الشكلاطة” إلى “الكراطة”، دون أن يزعج دويها رئيس الحكومة ويبادر إلى توظيف صلاحياته الدستورية الواسعة. فإلى متى سيظل جلالة الملك يلعب دور المنقذ بتدخلاته الحكيمة؟

  وعلى مداهني الحزب الأغلبي، أن يدركوا جيدا ألا مجال لاستبلاد المواطنين، وذر الرماد في العيون بتخصيص “صدقة” لفائدة: الطلبة، الأرامل… واعتبارها إنجازا خارقا لم يأت به الأولون، إذا ما علمنا أنها تقتطع باليمنى من أرزاق فئات لا تقل عنهم تضررا ليعاد تسليمها باليسرى، ولا يجوز التباهي بانخفاض أسعار النفط، وتساقط الأمطار، مادامت تشكل عوامل متقلبة. أما بخصوص استرجاع 27,8 مليار درهم من الأموال المهربة، فإنها ليست سوى مكافأة عن التطبيع مع الفساد، ومجرد أرباح السكن الاقتصادي الممنوحة أراضيه لبعض المحظوظين، بثمن رمزي لا يتجاوز عشرة دراهم للمتر المربع.

  من الجائر القول بأن عهد “حركة 20 فبراير” ذهب إلى غير رجعة. إنها رمز خالد يجسد إرادة جيل شهم ولا يقهر، مهما اشتدت المحن واستمر سيف القمع مسلطا على الرقاب، أو الاعتقاد بأن السياق السياسي أصبح مغايرا لما كان عليه في عام 2011، فمازالت نفس الأسباب المساهمة في نشأتها قائمة، إن لم تكن الأوضاع ازدادت تدهورا، وبات مؤكدا أن عودة الحركة إلى الشارع بقوة مسألة وقت، قد تندلع شرارتها في أي لحظة، وربما بحلة حديثة ولاعبين جدد بأساليب متطورة، ما لم يتم تدارك الأمور والتخلي عن التمثيليات الهزلية، واختلاق الصراعات الهامشية لإلهاء المواطنين عن قضاياهم الحقيقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.