هل سيتحول “بويا عمر” الى الشجرة التي تخفي واقع قطاع الصحة

أن ينجح الوزير الحسين الوردي في تفكيك “معتقل بويا عمر” هو عمل جيد يسجّل له، وهو عمل يدخل في صميم اختصاصاته، الرجل قام بما يجب القيام به في موضوع تحت مسؤوليته المباشرة، وهكذا يفترض أن يكون أي مسؤول حكومي رفعته وعوده الى كرسي المسؤولية، لكن لأننا نفتقد شيء اسمه العمل الحكومي، والعمل السياسي المسؤول، ولأن ليلة المتنبي الضلماء تغشانا، صرنا نرى في الوردي ذاك البدر المفتقد، رغم انه لم يقم الاّ بما يجب ان يقوم به.

المواطن المغربي يعيش على ايقاع فقدان الثقة في كل شيء، يرى أن السياسة هي فقط وعود، لذلك ألف الوعود الطنانة مقابل الواقع المدقع الفقر في ترجمة هذه الوعود، ومن الطبيعي حين يرى ولو بصيصا من الأمل في عمل ما أن يصفق له، لكن غير الطبيعي هو أن يتحول هذا التصفيق الى ما يشبه نوعا من التوقيع على بياض، لاستصدار شيك ابراء الذمة، كما فعل وفعلت العديد من المقالات الصحافية التي تناولت موضوع تفكيك “بويا عمر”..
جيد ما أقدم عليه الوردي في هذا الموضوع، لكن ليس مطلوباً منا أن نصبح مداحين نلهج باسمه في كل حين لنعلن في القوم أننا لسنا عدميين وأننا نقدر كل عمل جيد وجدي، ولا يعقل أن يحجب عنا هذا القرار الجيد، واقع قطاع الصحة الذي يسهر عليه نفس الوزير…

تم تفكيك “بويا عمر”، لكن هل تتبعنا مآل نزلاء هذا المركز وأين تم ترحيلهم، هل تفكيك بويا عمر جاء في سياق بحث جدي عن حل للمشكل أم كان فقط فقاعة اعلامية انفجرت، فتداعت لها أصابع الناقرين على الكيبورد مدحاً وتغزلاً في خصال السيد الوزير الذي ما رفع يوما شعارا؟ ولا هدّد يوما بالاستقالة كما فعل العديد من زملائه؟؟

صحيح، الحسين الوردي قليل الكلام، لا يتقن كثيراً اسطوانات البروباغندا الحملات الانتخابية، لكن أيضا، صحيح، أن هذه القطاع الذي يشرف عليه غارق في مشاكله حتى أذنيه، وبل ثمة قرارات أفتت بها مراكز المال العالمي للتخلص من قطاع الصحة العمومية، يعزم السيد الوزير على الاقدام عليها ستزيد الوضع سوءاً، السيد الوزير عوض أن يبحث عن حل حقيقي لمعاناة ساكنة المناطق النائية، اختار الحائط القصير بتوصية من خبراء البنك الدولي، اختار تصريف ذلك على كاهل طلبة معاهد التمريض وكليات الطب، أراد فرض سنتين من الخدمة الاجبارية على الخريجين في المناطق النائية، بتعويض هزيل لا يتجاوز ألفين درهم، بدون عقود عمل، ولا تحتسب هذه الخدمة في مسارهم المهني ولا يستفيدون منها في التقادم أو التقاعد وبعد الانتهاء من الخدمة عليهم ان يبدأوا مشوارهم من جديد للبحث عن العمل؟؟؟ يعني، الوزارة لتخفف عبء معاناة ساكنة المناطق النائية تريد أن تجعل من خريجي كليات الطب ومعاهد التمريض عبيداً يعملون دون أدنى شروط العمل..

طيب، لو كانت الحكومة ومعها وزارة الصحة تريد فعلا أن تفك العزلة صحيا على المناطق النائية، التي بالمناسبة تقول الأرقام حولها أن أزيد من ربع سكان المغرب هم ملزمون بقطع أزيد من 25 كلم للوصول الى أول مركز استشفاء، لكان لها أن تقدم حوافز لهؤلاء الخريجين، أو على الأقل أن تمنحهم حقوقهم، لا أن يشنوا عليهم حملات بئيسة عبر “الميليشيات الالكترونية” تتهمهم ب”الفشوش” وعدم رغبتهم في خدمة الوطن؟

أخاف أن يتحول ملف “بويا عمر” إلى سيف مسلط على هؤلاء الخريجين لارغامهم على العمل وفق صيغة “أعمال السخرة” الذي كان سائدا في عهد الاقطاع، العمل مقابل الغذاء. في حين لا أحد يتحدث عن “فشوش” النواب البرلمانين والوزراء الذين يتقاضون تعويضات دسمة مقابل حضورهم لجلسات معدودة على رؤوس الاصابع خلال الموسم، ولا أحدث يتحدث هنا عن حب الوطن؟؟

أخاف أن يتحول موضوع “بويا عمر” الى تلك الشجرة التي تخفي الغابة، غابة واقع قطاع الصحة العمومية التي صارت قاب قوسين أو أدنى لتصبح في خبر كان، فالأرقام تقول أن أكثر من 80% من التجهيزات الطبية في المغرب هي في ملكية المستشفيات والمراكز الاستشفائية الخاصة، بينما القطاع العام الذي يضمّ 5 مستشفيات جامعية و39 مستشفى متخصص و 102 مستشفى عام والعديد من المراكز الصحية، كلها مجتمعة لا تحظ الاّ ب 20% من التجهيزات الطبية، أضف إلى ذلك أن ثمة أزيد من 8500 طبيب مغربي اختاروا الهجرة للعمل خارج المغرب، في الوقت الذي يعاني فيه البلد من خصاص مهول في الاطر الصحية، جعل منظمة الصحة العالمية تصنف المغرب ضمن 57 بلد في العالم صحة المواطن مهددة فيه بشكل خطير…
صح، لا يمكن لنا إلاّ أن نصفق لعمل الوردي في هذا الموضوع، لكن فلتنذكر أن القطاع الذي يشرف عليه ما زال تحت وطأة سلوكيات وتصرفات تضع كرامة الانسان في الحضيض…ومازالت صحة المواطن اخر اهتمامات هذه الدولة.
ايه، نعم، برافو السي الوردي، لكن لن أتلقف الدف، وأسير وراء الجوقة، لأعلنك بدرا مفتقدا ؟؟ فقط لكي لا يقال عنّي عدميّ لا يعجبه العجب ولا صيام رجب..
جيد ما قمت به في الموضوع السي الوردي، نتمنى أن تطال “جديتك” باقي الطابوهات المخيفة التي تكبل قطاع الصحة والتي تجعل صحة المواطن في المزاد…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.