هل توفي الوزير باها بفعل فاعل؟

المنزعجون من الوزير عبد العزيز الرباح و القيادي سعد الدين العثماني بسبب مواقفهما التي استبقت إعلان نتائج التحقيق في ظروف وملابسات وفاة الوزير”عبد الله باها” الذي فارق الحياة في منطقة واد الشراط، على بعد أمتار فقط من مكان وفاة الاتحادي “أحمد الزايدي” أناس ينطلقون من أحاسيس ومشاعر وعواطف إنسانية نبيلة، فاضت في حالة غضب مشروع، رغم أن عددا كبيرا منهم، لم ينتبهوا للموقع الذي يوجد فيه إخوان عبد الله باها في الدولة، بعد انتخابات 25 نونبر 2011، التي أعقبت الحراك المغربي الذي طالب فيه المغاربة بإسقاط الفساد والاستبداد وبرحيل عدد من الوجوه البارزة في الدولة.

العدالة والتنمية، يوجد اليوم في موقع تدبير الشأن العام في البلاد، وأي شك أو تشكيك، في ظروف وملابسات الموت الغامض، للقيادي البارز في الحركة والحزب، عبد الله باها، سيخلق متاعب جمة للقيادة السياسية في علاقتها بالرأي العام الوطني من جهة وفي علاقتها بالدولة من جهة ثانية.

مند أن وصل حزب العدالة والتنمية لتدبير الشأن العام في الدولة من موقع الحكومة وهو يردد لازمة الإصلاح في إطار الاستقرار. كما أن رئيس الحكومة، والأمين العام للحزب، عبد الإله ابن كيران، لا يترك أي مناسبة تمر، دون أن يشير إلى الدور الذي لعبه الحزب، في ضمان الأمن والاستقرار الذي ينعم به المغرب في مرحلة ما بعد الربيع، بخلاف دول كثيرة تحول فيها هذا الربيع إلى خريف.

أي تشكيك في ظروف وملابسات وفاة وزير الدولة “عبد الله باها” والتي أثرت كثيرا في رئيس الحكومة “عبد الإله ابن كيران” وجعلته يردد عبارة حسبي الله ونعم الوكيل مند أن وصله الخبر/ الفاجعة..سيكون الخاسر الأكبر بسببه ” التشكيك” هو الحزب الذي رفع شعار الاستقرار ولعبه كورقة رابحة في علاقته بخصومه السياسيين وفي علاقة الدولة المغربية بمحيطها المغاربي والعربي والدولي.

التلويح بتعرض وزير الدولة باها لعملية “اغتيال سياسي” من طرف جهة ما، لا يستطيع الحزب تحديد من هي؟ ولمصلحة من تشتغل؟ وما هي أهدافها من وراء الاغتيال؟ موقف من الصعب جدا على القيادة السياسية لحزب العدالة والتنمية، تبنيه أو الدفع به، لاعتبارات موضوعية ترتبط بضعف حجية الحزب وعدم قدرته على إثبات ما يعزز ادعاءاته في هذه الحالة، وهذا في رأيي المتواضع، ما دفع بقادة الحزب إلى الخروج قبل إعلان نتائج التحقيق بشكل رسمي بمواقف تستبعد فرضية تعرض وزير الدولة عبد الله باها لتصفية جسدية، وترجح فرضية الموت العادي الذي لا يخرج عن إطار القضاء والقدر.

السير في الاتجاه المضاد، سيدخل الحزب في متاهات كثيرة في العلاقة مع أطراف وجهات كثيرة داخل الدولة، لأن المسألة، ستصبح لها علاقة بأمن الدولة ورجالاتها، وستفتح المجال لطرح أسئلة كثيرة، لن تختلف في جوهرها عن تلك التي طرحت في تونس عقب اغتيال المناضل اليساري، شكري بلعيد، حول خلفيات الاغتيال وتوقيته ومن هي الجهات المستفيدة منه ومن هي الأخرى المتضررة منه؟

متاهات من هذا القبيل، لا أظن أن حزب العدالة والتنمية في نسخته المغربية، قادر على الخوض فيها في سياق الحادث المفجع الذي ألم به بسبب فقدان رجل له وزنه السياسي والتنظيمي والدعوي، لا سيما، وأن علاقة الحزب بالدولة ومؤسساتها ،لا يبدوا أنه يعتريها أي مشكل مند تعيين الملك محمد السادس لحكومة عبد الإله ابن كيران في صيغتها الأولى والثانية، وهناك مؤشرات دالة، تفيد على أن هذه الحكومة تتمتع برضاء ملكي يسبب انزعاجا  كبيرا لأطراف سياسية من المعارضة.

أي مصلحة للدولة في تصفية خادم من الخدم الأوفياء للحكم في المغرب، ينتمي لحزب سياسي، لا ينازع في أي مشروعية لهذا الحكم،تاريخية كانت أو دينية؟

وحتى على المستوى السياسي والدستوري، رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران، يتنازل باستمرار عن صلاحياته الدستورية، حتى لا يصطدم مع أي جهة كانت في مربع السلطة.

الدولة تاريخيا، لا تصفي رجالاتها الأوفياء، ووزير الدولة عبد الله باها، لم يكن يوما غير وفيا للنظام، ورسالة العزاء التي بعث بها الملك محمد السادس، كانت خير معبر عن هذه القناعة التي يعلمها القاصي والداني.

من هي الجهة المستفيدة من موت باها إذا انتفت فرضية الدولة بمفهومها الذي يحيل على الحكم ؟

هناك سيناريوهات متعددة في قراءة موت وزير الدولة عبد الله باها، فهناك من سيرمي بالتهمة على أطراف داخلية ” خصوم سياسيين، لوبيات، مافيات، جيوب مقاومة” يخيفها التقارب الحاصل بين القصر والإسلاميين، وتخشى على مصالحها التي راكمتها من الضياع، بسبب الثقة التي يمكن أن تمنح لحكومة يقودها حزب إسلامي، من طرف القصر الذي لا تستطيع أي جهة مهما كان نفوذها السياسي أو المالي أو التجاري معارضة قراراته.

وهناك من سيذهب بعيدا ويضع فرضية دخول أطراف أجنبية على خط الواقعة، لتسميم الأجواء السياسية في البلاد، أو إثارة القلاقل الداخلية بغرض إجهاض تجربة الإسلاميين المعتدلين، ووضع حد لمسار تحول ديمقراطي هادئ لا تنظر إليه قوى إقليمية بعين الرضا، إما بسبب مشاكلها الداخلية، أو بسبب تحاملها الاديلوجي تجاه كل التيارات السياسية، التي تشتم فيها رائحة الارتباط بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

مثل هذه الفرضيات والسيناريوهات المتعددة الأبعاد والمختلفة الرؤى تكون لها مصداقية، عندما نكون إزاء تحول ديمقراطي بقواعد لعبة سياسية جديدة، لكن، في الحالة المغربية يصعب الحديث عن تحول ديمقراطي مخيف ومهدد لمصالح جماعات الضغط، أوجيوب المقاومة، ما دام أن هناك فاعلا مهيمنا في البلاد هو من يحكم، باعتراف رئيس الحكومة، الذي كرر في أكثر من مناسبة بأن الملك في المغرب هو من يحكم وأن الحكومة تقوم بتنفيذ ما يقره الملك، ومادام أيضا، أن هناك مؤسسات إستراتيجية لا سلطة للحكومة عليها، وملفات حساسة لا تقترب منها.

هذا هو منطق الأشياء، وخارج هذا المنطق، كل الاحتمالات واردة، لكن السؤال الذي حير الناس وزاد من ريبتهم، لماذا استبقت تصريحات القياديين في حزب العدالة والتنمية نتائج التحقيق؟ ما هي خلفيات هذا الاستباق؟ أية رسائل ينطوي عليها؟ ومن هي الجهة المعنية بهذه الرسائل؟

لقد كان حريا بأطراف قيادية في العدالة والتنمية أن تنتظر إعلان نتائج التحقيق حول ظروف وملابسات وفاة وزير الدولة عبد الله باها، مادام أن هذا التحقيق، فتح بأمر من النيابة العامة التي يرأسها وزير العدل والحريات مصطفى الرميد.

هل توفرت للوزير عزيز الرباح ووزير الخارجية السابق سعد الدين العثماني معطيات لا لبس فيها عن وفاة العلبة السوداء لرئيس الحكومة، عبد الله باها، هي التي دفعتهما إلى التصريح بما صرحا به؟

هل كان الوزير عزيز الرباح يتوفر على معطيات دقيقة حول كيفية وفاة زميله في الحزب والحكومة عبد الله باها بحكم مسؤوليته الحكومية عن قطاع النقل؟

تصريحات سعد الدين العثماني الهادئة والرزينة وردود فعل الوزير عزيز الرباح الصارمة، في جداره الفايسبوكي، على بعض المقالات المنشورة ببعض المواقع الالكترونية التي تتهم ” الدولة العميقة” بالوقوف وراء موت/وفاة/مقتل/مصرع وزير الدولة، عبد الله باها، تطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفية توقيتها الذي سبق إعلان نتائج التحقيق، وحول خلفياتها السياسية داخل الحزب وفي علاقة هذا الأخير بالدولة؟

لقد برزت تصريحات القياديين في العدالة والتنمية، والتي استبقت نتائج التحقيق الذي أمرت النيابة العامة بفتحه، في الوقت الذي ظل فيه السيد رئيس الحكومة، عبد الإله ابن كيران، يردد وهو في حالة حزن شديد قوله تعالى ” حسبنا الله ونعم الوكيل” وفي الوقت أيضا الذي كانت فيه بعض المواقع الإلكترونية الأكثر قربا من مطبخ البيجيدي، تنشر تقارير إخبارية مثيرة في متنها، تخص تعليقات نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك وتويتر” ذهبوا في اتجاه أن وفاة “عبد الله باها” رحمه الله، وفاة غامضة، بل شككوا في كل الروايات التي صاحبت خبر الوفاة، محاولين في ذلك، لفت أنظار الرأي العام إلى أن الرجل تعرض للتصفية الجسدية!!!!

من حق الجميع أن يطرح الأسئلة حول ظروف وملابسات وفاة عبد الله باها، ومن واجب الدولة التي فتحت التحقيق، والحزب الذي ينتمي إليه الفقيد، أن يوضحان للرأي العام حقيقة ما وقع لباها الذي توفي في نفس المكان الذي توفي فيه القيادي الاتحادي احمد الزايدي.

فلعنة مكان وزمان الموت فعلت فعلها في الجميع، إلى درجة دفعت بالبعض إلى السخرية من مكان الوفاة، الذي وصف تارة بمثلث برمودا وتارة أخرى بمقبرة السياسيين المغاربة، لا سيما، وأن هذا المكان اللعين شهد في سنة 1962 محاولة لتصفية القائد الاتحادي المهدي ابن بركة الذي سيتعرض في سنة 1965 للاختطاف والتصفية الجسدية في فرنسا الاستعمارية.

تعليق 1
  1. MEDSAO يقول

    كتدق وكاتقول شكون
    نكتة تصويرتك تحتل ثلث المقال

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.