هل تجدي مقاطعة المنتدى العالمي لحقوق الانسان؟

بصدد النقاش الدائر حول مقاطعة الجمعية المغربية لحقوق الانسان ومجموعة من الجمعيات والهيئات للمنتدى العالمي لحقوق الانسان بمراكش، نلاحظ كثيرا ما يتم اسقاط مفهوم المقاطعة السياسية التي تلجأ اليها بعض التيارات السياسية الفاعلة داخل حدود وطن ما محكوم بنسق سياسي معين على مقاطعة الجمعية للمنتدى، فمثلا لا يستقيم استرفاد موقف المقاطعة للمنتدى من موقف مقاطعة بعض التيارات والاحزاب للمشاركة السياسية داخل مؤسسات الدولة، كما لا يصح اسقاط نفس المواقف في محاولة خلق نوع من التماهي بين ما قد يترتّب عن كلا المقاطعتين..

في نظري شتان بين مقاطعة الجمعية للمنتدى ومقاطعة اليسار والعدل والاحسان وحزب الامة… للانتخابات، فأن نقرأ هذه المقاطعة على ضوء هذه المقارنة المستترة فيه اجحاف في حق الجمعية وايضا اجحاف في حق الهيئات السياسية المقاطعة للمشاركة السياسية.

بالنسبة إلي إن كان الهدف من المشاركة في المنتدى هو فضح واقع حقوق الانسان بالمغرب أمام ضيوف المنتدى، فإن ما قامت وستقوم به الجمعية هو أجدى وأنفع وأكثر فاعلية في بلوغ هذا الهدف…

لننظر الى الامور بتؤدة وهدوء، منذ اعلان موقف الجمعية الرافض للمشاركة في المنتدى للأسباب التي عدّدتها، اهتمت بالأمر العديد من كبريات وسائل الإعلام العالمية، وبدت منذ الان، حتى قبل انطلاق المنتدى، تخصص بعض فقرات قصاصات الاخبار المتعلق بالمنتدى للإشارة إلى مقاطعة الجمعية، وبعض وسائل الاعلام استضافت ناشطين في الجمعية للاستفسار عن موقفها المقاطع للمنتدى مما وفّر لهم فرصة جيدة (يفترض أن تستغل بشكل جيّد) للتواصل مع العالم وفضح واقع حقوق الانسان بالمغرب، مما يبدو أنه، لحد الان، الجمعية ربحت الرهان، واستطاعت ان تجعل وسائل الاعلام تسلط عليها الاضواء بالموازاة مع اهتمامها بالمنتدى..

لننظر الان لو اختارت الجمعية ان تشارك كما أراد ويريد لها بعض من المتعاطفين معها ومن المقربين إليها، لأن هؤلاء يفترض أن يكون انتقادهم نابع من غيرتهم لا مثل الذين يصبحون ويمسون على سب الجمعية لأنها منفلتة من إسار منطق “العياشة”، ولهذا، فالنقاش معهم مهم وهو نقاش صادق يروم أولا واخيرا الدفاع عن حقوق الانسان في هذا البلد غير الآمن…

قلت، لنفترض أن الجمعية شاركت، الذين يعرفون كيف تتم المشاركة في هذه المنتديات وكيف تمر؛ يعرفون ان المنتدى يعرف تنظيم عشرات الورشات والندوات والسهرات و…، غالبا في نفس الوقت، حتى وإن عملت الجمعية بحزم واصرار على فضح واقع حقوق الانسان فإنها ستضيع بين كمّ الورشات، كما سيضيع صوتها وسط باقي الأصوات المشاركة التي جلّها ستطالب باحترام حقوق الانسان في بلدها، قد تثير بعض وسائل الاعلام قصة الحقائق التي ستوردها الجمعية خلال مشاركتها، لكن ستُحسب أخيرا من صميم مثل هذه المنتديات، وقضي الامر، يعني هو امر عادي؛ الجمعية ستقدم صورة سوداء لواقع حقوق الانسان وفي المقابل المجلس الوطني لحقوق الانسان سيدفع بتقديم صورة وردية لمغرب الاستثناء ومغرب الانصاف والمصالحة.. لتكون النتيجة في أسوأ حالاتها تعادلا بين السوداوية والوردية لتترسخ صورة برتقالية لمغرب حقوق الانسان ومغرب الانصاف و…هنا سيكون النظام المغربي قد ربح الرهان، وسيكون قمع الجمعية وكل “عدمي وغير وطني” من بعد، يندرج فقط في اطار اخطاء بعض رجال السلطة أو التجاوزات البسيطة التي تحدث في أعرق الديموقراطيات …

الان الجمعية أعلنت رفضها المشاركة في المنتدى، وهي لحد الان انتصرت في معركتها من أجل فضح الصورة المزرية لواقع حقوق الانسان بالمغرب خصوصا بعد خفوت صوت الشارع و الشروع في تنزيل (ليس الدستور الجديد) مقتضيات سياسة “استرجاع هيبة الدولة”، وإذا ما استكملت برنامج مقاطعتها للمنتدى كما أعلنت عنه، في تقديرنا، سيكون له صدى جيّد، خاصة إذا فعّلت تنظيم فعاليات موازية للمنتدى تقدم خلالها لجمهور المنتدى أسباب مقاطعته، وتقرّب الى ذهنه بعض صور انتهاكات حقوق الانسان التي تضخمت وتكاثرت مع سياسية “استرجاع هيبة الدولة”. هنا ستكون الجمعية ربحت رهانين:

– رهان توصيل صورة واقع حقوق الانسان لجمهور المنتدى، وهو ما ستتيحه المشاركة الموازية أفضل من المشاركة من داخل المنتدى، فعدد الذين سيكون في الورشات التي ستحضرها الجمعية أكيد سيكونون أقل بكثير عن عدد الذين سيحضرون الأنشطة الموازية للجمعية، خصوصا إذا ما نجحت الجمعية في اختيار المكان المناسب والزمن المناسب.

– رهان خلق نقاش حول ازدواجية النظام المغربي المتمثلة في: تقديم صورة الى الخارج منمقة بقبول استقبال ارضه الدورة الثانية للمنتدى العالمي لحقوق الانسان بعد دورة برازيليا، و صورة في الداخل تشوبها العديد من التعسفات وانتهاكات حقوق الانسان..

وعليه فإن هدف مقاطعة المنتدى ليس هو نفسه هدف المقاطعة السياسية لمؤسسات الدولة، فرق كبير بين هذا وذاك، مقاطعة المنتدى مرهون بحسابات دقيقة متعلقة بزمن المنتدى القصير والرهان على توصيل صوتك الى العالم، بينما المقاطعة السياسية لمؤسسات الدولة غير مرتبط بزمن قصير معدودة ايامه على رؤوس الاصابع، بل مرتبط بالزمن السياسي الذي يفرضه الطرف المتحكم والمتسلط، ويكون الرهان على إحراج النظام وتبيان طبيعته الاستبدادية لدفعه للقبول ب”اللعبة الديموقراطية” …

نظن أن الجمعية حسنا فعلت في الاقدام على هذه القرار الذكي خاصة في سياق هذا الهجوم الذي استعر مؤخرا ضدّها واستهدف انشطتها ونشطائها كما استهدف ويستهدف كل “عدمي” يرفض اجماع “العياشة”.

توضيح لابد منه: درءاً لأي تأويل مغرض أو غير مغرض، يهمني أن أوضح أنني لست منتميا للجمعية ولم يسبق لي ذلك، وليس غرضي الدفاع عن قيادة الجمعية، لكن، كما أحب أن أقول دائما تأسيا بالحكيم اريسطو، الحقيقة أعز إلي من الجمعية ومن أناي ومن أصدقائي وصديقاتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.