هكذا تبنت “العدل والإحسان” مقتل “كمال عماري” وأصبح ملفه أهم أجندتها

شهد المغرب كباقي دول الجيران، حراكا شعبيا ومطالب بإصلاحات سياسية واقتصادية بدءا من سنة 2011 إزاء ما يُعرف بـ “ الربيع العربي “، وكباقي هذه الدول لم يسلم المغرب من موجة الاصطدامات بين المتظاهرين والقوات الأمنية والتي سرعان ما خلفت هذه الاصطدامات قتلى وجرحى.

وإذا كانت تختلف الطرق التي لقي بها حتفهم هؤلاء النشطاء والمتظاهرين المغاربة، ومدى ثبوت الاتهامات والمسؤوليات من عدمها في حق الدولة، فإنهم لا يُسلموا من أن يُصنفوا “ كشباب دفعوا ثمن نضالهم “ كما دفع آخرون دمائهم نُصرة لما يؤمنون به.
كمال العماري شاب من مواليد سنة 1981، تقول جماعة العدل والإحسان أنه احد المنتمين اليها منذ مرحلة الدراسة بالجامعة، وفي سنة 2011 إبان حراك حركة 20 فبراير، وحيث فرقت القوات العمومية بالقوة مسيرة لهذه الحركة وبالضبط في 29 من ماي، سقط كمال العماري في أيدي القوات التي انهالت عليه بالضرب المبرح خلف رضوض موجعة في الجمجمة ومختلف مناطق جسمه أدت إلى وفاته في اليوم الثالث الذي جاء فيه إلى المستشفى بعد الإصابة بثلاثة أيام، بحسب ماقالت جماعة العدل والإحسان. “

العماري “ و “ الجماعة “ !

عندما حاول موقع “ أنوال بريس “ إعادة النبش في الواقعة، وسأل عددا من النشطاء في مدينة آسفي، تبين بحسب نشطاء أن يوم وقوع الحادثة التي خلفت وفاة كمال لم تكن تعرف فيه “ جماعة العدل والإحسان “ كمال العماري، فالنشطاء بآسفي، يقولون أن كمال العماري، واحد من الشباب الذين انتموا إلى الجماعة ونشطوا فيها لمدة معينة، وبعد ذلك توقفوا عن ممارسة نشاطهم، ورغم ذلك لم يكن أيّ مانع في خروجه إلى مسيرات حركة 20 فبراير.
وبعودة لتفكيك تفاصيل وقوع الحادثة، فإن العماري فور سقوطه على قارعة الطريق وهو لا يقوى على الحراك و المشي، فإن نشطاء مشاركين في التظاهرة حملوه صوب منزله الذي ليس بالبعيد عن مسرح الحادثة، ولأن كمال وعائلته المكونة من أبيه المسن وأمه، تخوفوا كثيرا من حمله صوب مستشفى محمد الخامس بآسفي حيث يُمكن للسلطات أن تعتقله مجددا، شأنه شأن العشرات ممن جُرحوا في ذلك اليوم ولم يستطيعوا الذهاب إلى المستشفى.
يومين من المعاناة والآلم والتوعك في مفاصيل كمال العماري لم تظهر فيهم جماعة العدل والإحسان، وفي اليوم الثالث الذي اشتدت فيه الحالة الصحية للشاب كمال وبات على أبواب الغيبوبة، نُقل إلى المستشفى وقبله إلى مصحة لإجراء فحص “ الراديو “ وهو في حالة خطيرة. بينما كان كماري يتوعك والموت تلهوا بين عينيه، كان أمامه عدد من قياديي الجماعة يتداولون حول “ قضية العماري “، فالعماري في تلك اللحظات بات مُجرد “ قضية “ أمام العشرات من الأطياف السياسية.
مصادر عليمة من آسفي، كشفت لـ “ أنوال بريس “ أن قياديين من العدل والاحسان طلبوا من مسؤولين عن أطياف سياسية أخرى، بإفراغ الطريق للجماعة، وبحسب ذات المصادر، فإن الجماعة قالت أنها قادرة على هذا “ الملف “، كما أنها مستعدة لتبني عائلة العماري.

مناورات الجماعة بـ “ قضية العماري “

نشطاء في آسفي، وصفوا تأبين كمال العماري بعد وفاته بـ “ عرس الجماعة “ وحشدت انصارها، حيث حج إلى آسفي آنذاك مختلف أعضاء الجماعة من مختلف المدن والجهات بالمغرب، وبعد ذلك، أسست الجماعة، جمعية تحت إسم “ أصدقاء الشهيد كمال العماري “، والتي تسهر على تنظيم وقفات سنويا وأنشطة بمناسبة ذكرى وفاة العماري، فبات الملف ذريعة طغط سياسية قوية لصالح الجماعة.
أما الملف قضائيا، فقد كان محامو الجماعة يبررون توقف الملف عند مفاصل القضاء وعدم بث القضاء في الملف، غير أن القضاء أعلن عن توقف التحقيق وخلص إلى أن شكاية سُجلت ضد مجهولين مع حفظها.
ودعت الجماعة الى العشرات من الوقفات الإحتجاجية التي باتت تنظمها الجماعة حول قضية العماري، غير أن الجماعة ومنذ ان اعتبرت ان قضية كمال العماري تخصها، لم يقوى أي طرف سياسي او حقوقي مغربي على مشاركة الجماعة في اشكالها الإحتجاجية، حيث تُعرف كل وقفات الجماعة والتي يُشارك فيها فقط أعضاءها، في ظل غياب جل التنظيمات السياسية المغربية الأخرى التي كانت بدورها فاعل رئيسي في الحراك الشعبي إبان 20 من فبراير 2011. “
أنوال بريس”، حاولت استقاء آراء اعضاء من جماعة العدل والإحسان حول الملف، ووضعنا الاختيار على اعضاء عاديين ليس لهم أي دور قيادي في الجماعة، غير أن عددا منهم لم يكن مستعدا للحديث في الموضوع، والكثير منهم كان يُحيلنا على “ المكلفون بجمعية العماري “، بدا لنا ونحن نوجه الأسئلة لأعضاء الجماعة أنه “ لا أحد مُوكل إليه الحديث، دون استشارة الكبار “ .
غير ان أحد المتعاطفين مع جماعة العدل والإحسان في مدينة آسفي من الذين شاركوا في تظاهرات 20 فبراير، عبد اللطيف الشمائل، وفي إجابته على سؤال استحواذ الجماعة لملف كمال العماري، قال “ كل شهداء الحراك بالمغرب قد استأثر بهم ذووهم وكل الملفات بدون استثناء بيعت بأرخص الاثمان يقول ذلت المتحدث، فلم يعد يذكر إلا ملف وحيد وهو ملف كمال العماري وهذا يؤكد على أن الذين تمسكوا بالملف أحق بذلك”.

كمال العماري ورقة ضغط سياسية

أما “محمد المسير”، أحد النشطاء البارزين في حركة 20 فبراير الرباط، قال في حديثه لـ “ أنوال بريس “ لقد سمعنا جماعة العدل والحسان منذ استشهاد كمال العماري، أنها تتبنى ملف الشهيد بالاستباق إلى اصدار بيانات والادعاء أنه فرد من جماعتها بل أصبحت تخليد ذكرى موسمية كل سنة بعدد من المدن، وأضاف المسير “ لكن الأدهى في كل هذا انها تستأتر بالملف لوحدها، ولا تشارك الفعاليات الاخرى بدخولها في مبادرات فردية، لتحاول الجماعة بذلك تسجيل تاريخها في حركة 20 فبراير على أنها قدمته شهيدا من ابنائها، وهو نوع من الركوب السياسي والاحتكار المتجاوز، وهذا الامر تورطت فيه قيادة الجماعة “ . “
عبد اللطيف الشمائل”، المتعاطف مع العدل والإحسان، اعتبر أنه من الطبيعي أن تستخدم الجماعة الملف سياسيا، وقال أن ذلك يتجلى في أن “ تتنوع استخدامات الملف ما بين ملف إنساني في الالتفاف حول أسرة الشهيد ومؤازرتهم والتكفل المالي والإعلامي بنشر قضيتهم وكذلك تحريكه دوليا لاثبات مظلومية العدل والاحسان “سياسيا”.
ورغم اصدار منظمات دولية تقارير حول أوضاع حقوق الإنسان في المغرب، آخرهم تقارير منظمة هيومن رايتس وواتش وتقرير منظمة العفو الدولية، فإن التقاير ظلت تخلوا من اسم “ كمال العماري “ وحتى وإن اشارات لذلك، لم تكن أي بوادر على قيادة حملة تجاه الملف، رغم اعتبار بعض المنظمات المحلية شبه الرسيمة، تبوث وفاة كمال العماري على ايدي الشرطة. “محمد المسير”، يرى أن الجماعة تعتبر ملف العماري ورقة ضغط سياسية من الدرجة الاولى، لأنها من جهة تفاوض به الدولة عندما تتعرض للهجوم من طرف السلطات.
ومن جهة أخرى تهدد برفع الملف إلى المستوى الدولي وفضح حقيقة الوفاة، لكن الامر بالنسبة “للمسير” لا يعدو أن يكون مكسب الاسترزاق على دم “الشهيد” والتفاوض باسمه واسم عائلته، وتساءل “ المسير” وإلا لما لم تبادر بالتعريف بالملف دوليا من البداية وخاصة أن القضاء لم ينصف العائلة رغم الصور والشهود وتقارير المنظمات الحقوقية، ووصول الملف إلى الباب المسدود على المستوى الوطني.
أمينة تراس، وهي فاعلة في المجتمع المدني، اعتبرت أن قضية كمال العماري مسألة متعلقة بخرق الحق في الحياة و أن كل المدافعين عن حقوق الإنسان معنيين بالدفاع عنها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.