هشام الخطر الداهم على النظام

لحد الساعة لا زلت غير قادر على استيعاب لا الطريقة التي تم بها اعتقال هشام المنصوري من بيته، ولا التهمة التي تم توجيهها له. خصوصا وأن الأمر لا يتعلق بمجرم خطير أو إرهابي عتيد، ولا حتى بشخص يشكل خطرا داهما على النظام، بل إن هشام شاب صحفي، ومدير للمشاريع بالجمعية المغربية لصحافة التحقيق، وهو الشاب الذي يجسد قصة كفاح ونجاح، قادته من أعماق ورزازات إلى قلب  العاصمة الرباط، لتظل ابتسامته الخجولة جواز سفره لكسب حب واحترام كل من عرفوه، والذين يشهدون له كلهم في هذه الظروف العصيبة التي يعيشها، بالطيبة وحسن المعشر ودماثة الخلق.

فطريقة الاعتقال تميزت بضرب هشام وتعنيفه وتصويره عاريا مرتين، المرة الأولى في بيته والمرة الثانية في ولاية الأمن بالرباط، وهو ما أكده بيان صدر عن الجمعية المغربية لصحافة التحقيق سويعات قليلة فقط بعد اعتقال هشام، يوم الثلاثاء 17 مارس 2015 على الساعة العاشرة والنصف صباحا.

كما أن طريقة الاعتقال شابها انتهاك فاضح لحرمة بيت هشام، وتعد صارخ على حقه في ممارسة حياته الخاصة داخل شقته بكل حرية،  وعلى حقه في استقبال من شاء من ضيوف ومتى شاء، مع ما رافق ذلك من تحطيم وتكسير، وهو الشيء الذي تم توثيقه بصور التقطها أحد أصدقاء هشام بعد انصراف عناصر الشرطة التي ألقت القبض عليه، بعد أن هب لنجدته إثر تلقيه مكالمة هاتفية منه، حيث أظهرت الصور باب الشقة وقد تحطم، وأمتعة البيت وقد تبعثرت، وكتب هشام وقد تم رميها في كل مكان.

أما التهمة فأقل ما يمكن أن يقال عنها أنها صارت محفوظة عن ظهر قلب، نظرا لتكرارها الممل في مثل هذه المواقف، وهي الخيانة الزوجية. لكنهم أضافوا لها هذه المرة تهمة إعداد وكر للدعارة على اعتبار أن هشام غير متزوج، وهي التهمة التي تأخروا كثيرا في توجيهها له، حيث أن الاعتقال تم يوم الثلاثاء 17 مارس، وإلى حدود يوم الخميس 19 مارس 2015 عجزت هيئة الدفاع عن معرفة أسباب المتابعة، وكل ما استطاعت الحصول عليه حتى ذلك الوقت هو قرار النيابة العامة بمتابعة هشام في حالة اعتقال.

وما يجعل هذه التهمة صعبة التصديق، هو تعرض هشام المنصوري بتاريخ 24 شتنبر 2014 إلى اعتداء جسدي عنيف على الساعة العاشرة والربع ليلا، من طرف شخصين مجهولين خرجا من سيارة سوداء ذات نوافذ معتمة يقودها شخص ثالث لم يغادر مقعده، وظل ينتظر زميليه حتى أشبعوا هشام ضربا دون أن يحاولوا سرقة أي شيء من متعلقاته، لتنطلق بعد ذلك السيارة بأقسى سرعتها. وإذا أضفنا إلى هذه الحادثة، سلسلة من المكالمات والرسائل التهديدية التي ظل يتلقاها هشام على هاتفه المحمول من مجهولين، على امتداد شهور طويلة، فإنه من غير المعقول أن نصدق أن هشام قد يكون أقدم على شيء يخالف القانون في بيته، وهو من كان يقول لمقربيه طيلة الوقت أنه مراقب بشكل دائم، وأن الأمر يعود لسنة 2011، بسبب تحقيق كشف فيه فساد أحد رجال الشرطة بآيت ملول، وهو الأمر الذي تم توثيقه بشكاية نشرت حينها تفاصيلها الكاملة مجموعة من المنابر الإعلامية والمواقع الإلكترونية المغربية.

اعتقال هشام المنصوري يأتي في ظل مناخ عام، يتسم بتراجع ملحوظ في التزام الدولة باحترام حقوق الإنسان، حيث تم تسجيل مجموعة من الخروقات والانتهاكات في الآونة الأخيرة، بشكل متزايد ومتسارع، تنوعت بين رفض منح التراخيص لجمعيات حقوقية جديدة، ومنع أنشطة وندوات لجمعيات حقوقية تعمل في المجال منذ سنوات، وفض مظاهرات ومسيرات سلمية باستعمال العنف والقوة المفرطة، واعتقال نشطاء من حركة 20 فبراير… وهو ما جعل المغرب يحتل مراتب سيئة في كل التقارير الحقوقية الدولية، وهي النقطة التي استغلها خصوم المغرب، أثناء انعقاد الدورة 28 للمفوضية السامية لحقوق الانسان بجنيف السويسرية في نفس اليوم الذي تم فيه اعتقال هشام، لتجديد مطلب تخصيص آلية مستقلة لمراقبة وضعية حقوق الإنسان بالصحراء المغربية.

وللحقيقة فقط فإن اعتقال هشام ينطوي على خطأ مهني جسيم، ويمكن إدراجه ضمن الأعمال التي تفتقد إلى الحكمة وحسن التدبير، فهشام وهو حر لم يكن يعرفه إلا القليلون، ولم يشكل خطرا على أحد. أما الآن وبعد أن صار معتقلا فقد أصبح العالم كله يعرفه، وصار من زنزانته يشكل خطرا على النظام، وعلى صورة البلد،  ومثل هذه الأخطاء حين تكثر تصير مثل جبل ينهار تحت ثقله أي نظام مهما كانت قوته وتماسكه. ألم تكن صفعة شرطية على خد “البوعزيزي” هي القشة التي قصمت ظهر نظام بنعلي في تونس، مطلقة شرارة ثورة الياسمين ومعها شرارة ثورات الربيع العربي؟

وإذا كنت لا أدري حجم المسؤولية السياسية التي يتحملها حزب العدالة والتنمية في كل ما يحدث في المغرب من انتهاكات لحقوق الإنسان، رغم أن رئيس الحزب عبد الإله بنكيران هو من يقود الحكومة، ومصطفى الرميد القيادي في ذات الحزب، هو وزير العدل والحريات ورئيس النيابة العامة، على اعتبار أن بنكيران قال في أكثر من مرة أنه لا يحكم، وأن أغلب السلط والاختصاصات لازالت بيد الملك، وهو الشيء الذي تكرس عبر كل القوانين التنظيمية التي خرجت من رحم دستور فاتح يوليوز 2011. فإنني متأكد أن حزب العدالة والتنمية، بكل أطره ومناضليه، يتحمل كامل المسؤولية الأخلاقية عن كل ما جرى ويجري في المغرب منذ انتخابات 25 نونبر2011، لأن مجرد السكوت عن الحق جريمة، والساكت عن الحق شيطان أخرس.

لذلك فلن نصمت مثلما صمتوا، وسنرفع أصواتنا في كل مكان تحت سقف الوطن للمطالبة بإطلاق سراح هشام، وللمطالبة بالكف عن انتهاك حرمات البيوت الآمنة والاعتداء على حقوق الناس وحرياتهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.