هذا هو مجرى الدماء .. سقوط الشهداء يوم الأربعاء

في مثل هذا اليوم، قبل 28 سنة وفي ثانوية إمزورن بمنطقة الحسيمة، سقط التلميذان فريد أكروح وسعيد بودفت شهيدين نتيجة القمع الأهوج في حق تلاميذ الثانوية من طرف القوات العمومية..

في مثل هذا اليوم، قبل 28 سنة، انفتحت زنبقتان من زنابق الشهادة لتنضاف إلى إكليل الورود الذي يزنّر تاريخ هذا الوطن المجهضة أحلامه..

استشهاد فريد وسعيد كان بعد ثلاث سنوات بالضبط من خطاب الملك الحسن الثاني الشهير الذي نعت فيه ساكنة الشمال ب”الأوباش الذين يعيشون على السرقة والتهريب…”

كان اليوم يوم أربعاء، وطقس يناير البارد يلحف أجساد التلاميذ الصغار، بيد أن حماسهم كان يبث فيهم الدفء والعنفوان، كانوا تلاميذ صغار يحلمون بوطن يحنو عليهم، ويوفر لهم أدنى شروط التعليم، من مكتبة وقاعة للمطالعة والعروض وتحسين الوجبات الغذائية…

كانت أحلامهم لا تخرج عن نطاق الحقوق التي يفترض أن يستفيد أي مواطن في أي دولة..

لكن كما هي العادة؛ الحقوق في وطن مغتصب تستحيل أحلاماً قد تؤدي بالحالم إلى دفع حياته ثمن تجاسره على الحلم ..

الأربعاء 21 يناير 1987 صباحاً، شمس يناير تطل بخجل لتدفئ برودة الطقس، بعد الاستراحة الصباحية خرج تلاميذ ثانوية إمزورن في مظاهرة احتجاجية للمطالبة بحقوقهم البسيطة، التي اعتادوا أن يرفعوا أصواتهم للمطالبة بها، لكن لا حياة لمن تنادي، وبل من نادوهم واجهوهم بالموت لا الحياة…

بعد دقائق من انطلاق المسيرة الاحتجاجية التلاميذية، ستهجم عناصر القوات العمومية بكل وحشية لتنهال بالضرب والرفس على أجساد الصغار..

التلاميذ كانوا كالعصافير المذعورة من الفخاخ، ينطوون ويتقافزون حماية لأجسادهم من عصي غليظة يحملها رجال شداد غلاظ لا يرحمون…

سعيد الذي كان على بعد أربعة أيام من عيد ميلاده السادس عشر، ولأنه كان يعاني من إعاقة جسدية تعيقه من الهروب مثل أقرانه، اختار أن يحتمي بإدارة الثانوية، ظنا منه أنها ستحميه من الهراوات، لكن هيهات، الشداد الغلاظ تبعوه إلى هناك وراحوا يفتكون بجسده النحيل الذي يحمل إعاقة مزمنة لم تشفع له ولم تستدر عطفهم..

هي 28 سنة مرّت ومازال تلاميذ الثانوية يخلدون ذكرى الشهيدين..

 بعد 28 سنة تغيرت فيها الكثير من الأمور، وتبدلت العديد من المعالم، فيما لا زالت أخرى كما هي لم تبرح مكانها..

 بعد 28 سنة حاولوا فيها محو التاريخ النضالي للثانوية، بعد استشهاد فريد وسعيد، قسموا الثانوية حتى يحدّوا من قوة الحركة التلاميذية، وهم الآن يحاولون محو اسم ثانوية إمزورن وتعويضه باسم “ثانوية محمد السادس”..

 بعد 28 سنة ومازالت المطالب هي هي، بل انضافت مطالب أخرى لم تكن مطروحة حينئذ..

 بعد 28 سنة والتعليم ينحدر أكثر فأكثر إلى الحضيض، وهو قاب قوسين أو أدنى من أن يندثر شيء اسمه التعليم العمومي..

بعد 28 سنة جرت مياه كثيرة تحت جسر سياسة النظام القائم، تدفقت جداول وانحبست أخرى، لكن بقي الجسر هو هو، وحده المنقذ من الغرق، ووحده من يوصل إلى الطريقة المعبدة، فلا سير ولا مسير دون المرور من الجسر…

بعد 28 سنة يبدو  الوطن ما زال في حاجة إلى دماء أخرى لتخضّب تاريخه.. ومازال السعي من أجل الحقوق المتدثرة بمسوح الاحلام قد يكون سبباً من أسباب الاستشهاد…

هذا هو مجرى الدماء/// سقوط الشهداء يوم الأربعاء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.