هدم الدولة (1)..الماعت

قلت قبل أكثر من عقد من الزمان، وقلت قبل يناير 2011، وقلت بعدها وحتى الأمس، ولن أملّ التنبيه لأقدم في كل مرة قرائن جديدة يشكل تراكمها أدلة شاهدة، على أن الإخوان وكل تيارات الإسلام السياسي، يعمدون عن سابق درس وبحث عميق وعن سابق إصرار وترصد وقصد ونية، إلى هدم الدولة المصرية وتفكيكها وتشظيها كخطوة ضرورية تعد أساس استكمال مشروعهم بأستاذية العالم، وهو ما سنفيض في شرحه على عدة حلقات.
أنظر إلى التحرك السريع لحد الانفلات والفُجر العلني الذي لا يرى في الوطن أحدًا على الإطلاق، فيفعل ما يشاء جهارًا نهارًا مهما خالف القانون، أو حتى لو ترك أطراف جغرافية الوطن عرضة للسلب والضياع أو المساومة عليها، وفي الاستيلاء على مفاصل الدولة وأركانها الحديثة بعلانية لا تكن ولا تخزى، وتتمثل أركان الدولة في السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية، ولا بد بحكم التطور التقني من إضافة الإعلام سلطة رابعة، وتندرج تحت كل سلطة منظومة إدارات وهيئات وتشكيلات تعمل على قيام السلطة بعملها، فإن أمكن التمكن من الكراسي الرئيسية والمتنفذة والمساعدة بتلك السلطات، فإن عملية الهدم ستتابع في تهاوي يشبه تهاوي مصفوفة الدومينو دون إمكانية لإيقافها، يقول درس التاريخ إن الغرب لجأ لهدم دولة الاتحاد السوفيتي بغرس عميل للغرب في أرقى المناصب، لتكون مهمته بعد ذلك هو إخلاء مناصب الإدارة والسلطات من الكفاءات وتعيين الأفشل والأكثر طفيلية ووصولية وانتهازية في أكثر الأماكن حساسية، فسقطت القوة العالمية الكبرى بانهيار داخلي مؤسف ومهين، وهو بالضبط ما يفعله الإخوان في مصر لهدم الدولة وتفكيكها، وهو ما يفسر لنا إصرارهم على بقاء حكومة قنديل.
وعما يحدث للسلطة القضائية في مصر حدّث ولا حرج، لأن هدم هذا الركن يعني عمليًا أن الدولة قد سقطت، والتعيين العشوائي في النيابات والتضييق على قضاة آخرين ليستقيلوا والتدخل الذي لا يستحي في تكوين الهيئة القضائية ومحاصرة المحكمة الدستورية واتخاذ قرارات تعسفية لتحديد عدد أعضائها لاستبعاد قضاة بعينهم وتعيين وزير عدل إخواني ونائب عام إخواني، ويجب ألا ننسى لحظة أن من يتم تسكينهم الآن في منظومة القضاء المصري من أعضاء الفصائل الإخوانية، يعتقدون عن إيمان ويقين أن نصوص القانون كلها قوانين كفرية لأنها من وضع البشر وكل طرائقها تخالف أحكام الله الذي هو الحاكم الأوحد للدنيا والآخرة، وإنْ الحكم إلا لله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.
وكلهم على اختلاف أحزابهم لهم مطلب يتحدون عنده هو تطبيق الشريعة الإسلامية، وأن هذ الإعلان وحده كاف لمعرفة أنه رفض علني لقوانين التقاضي في منظومة العدل المصرية، بل ورؤية هذا القانون الوضعي بمنظار الحقارة لأنه “يحاد الله ورسوله” وهو أدنى من أن يقارن بما وضعه خالق الخلائق، ومن ثم يجب أن نفهم دون عناء أن المهمة الأولى للإخوان داخل القضاء هو نخره من الداخل مع إخضاعة لقوانين لا علاقة لها بالعدل يتم تمريرها عبر مجلس شورى إسلامي مزيف، مع حصار القضاة والتخلص من الكوادر الخبيرة وشيوخ السلطة القضائية لهدم دولة القانون التي هي الأساس لقيام الدول، ودونه لا دولة، كان المصري القديم في دولته المؤسسية لا يرى الشعوب الأخرى من جنس “الناس”، لأنهم يعيشون بدون قانون موحد، يعيشون بدون “الماعت / العدالة”، المدونة والمعروفة من الحاكم والمحكوم، لذلك رأى المصري في شعوب زمانه مجرد أقوام وقبائل لا يتمكنون من إقامة دولة راسخة مثل مصر لأنهم لا يعرفون “الماعت” لذلك هم لم يرتقون بعد إلى رتبة “ناس”. وعند انهيار الدولة الوسطى بما سمح لهجرات غير شرعية بالإقامة في مصر والسير في أسواقها بيعًا وشراء، كتب الحكيم “آبي أور”: “أنظروا إنها علامات اليوم الأخير، ونجوم السماء سوف تسقط على الأرض، ألا ترون الآسيويين قد أصبحوا في مصر من الناس؟”. وكان اليونان يفاخرون المتحضرين بديمقراطية أثينا، وكان الرومان أصحاب الدستور لا يعتبرون شعوب البلاد التي لا تعمل وفق قانون نوعًا من البشر، إنما هم نوع أدنى درجة يسمى البرابرة.
القانون إذن هو معيار التمييز بين الأقوام والدول فلا تقوم دولة إلا بقانون واحد عام معلوم للجميع، فإن سقط القانون عادت الدولة إلى أقوام لكل منهم قوانينه الخاصة، والناظر في مصر الآن سيجد قومًا يعلون قانونهم الخاص على القانون المدني العام، ويعملون على هدم القضاء المصري حتى يتيسر إقامة القانون الشرعي، الذي لا يمكن تطبيقه إلا في البوادي وبلاد الصحاري ولا يمكن تطبيقه في دولة، لأنه يمايز بين أصحابه كقوم وبين بقية أقوام المواطنين، حيث يصبح التمايز بين الأقوام رتبًا ومنازل، والدولة تقوم على المساواة بين المواطنين، إذن يجب تفكيك الدولة إلى أقوام حتى يمكن تطبيق شرع الله، بالدهاء سرًا وعلنًا والكذب والفُجر في الخصومة والتقية وبالقوة المجردة عندما يستدعي الأمر، وتجد قومًا يعتدون على هيئة المحكمة الجليلة لأن الحكم لم يكن لصالحهم، وتجد غيرهم يقيم عدالة القوة المسلحة في الشارع ويقبض ويحاكم وينفذ ويقتل ويحرق في دقائق، وبعضهم من داخل منظومة القضاء يطبق الشرع للتنكيل بمواطن ضُبط “سكران”، دون وجود حد للسكر بالجلد في قوانين البلاد كما أمر وكيل النيابة ودون أن يكون هو قاضيًا، وبعضهم يطبق ما يراه شرعًا بيده فيحرق كنائس ويهاجم كاتدرائية “القديس مرقس”، وبعضهم ينزع خصيتي شاب يُضبط بجريمة السير في الطريق العام مع خطيبته بالسويس، وبعضهم يقطع أذن مسيحي لمجرد إثبات وجود القوة العنيفة وإرهاب المواطنين رغم عدم وجود نصوص في الشريعة بقطع أذن مسلم أو مسيحي.
إن التمكن من مفاصل إدارات مؤسسة القضاء مع وضعه دومًا في حالة توتر وتأزم بهجمات شرسة منوعة لا تكل، وإعلان الحكام عدم تنفيذ ما يصدر من أحكام القضاء هكذا بكل بلادة وتناحة وتحد بدائي بدوي، بل إن مرسي رئيس الدولة يعترض على أحكام القضاء لتبرئة بعض أركان النظام السابق ويهين القضاء ويشكك في نزاهته بأنه “ناقص يدووهم مكافآت”؟! ليضع القضاء في حالة خصومة مع الشعب ومع أهالي ضحايا الثورة، إن القضاء يسقط عندما لا تنفذ أحكامه، وعندما يطبق المواطن ما يراه قانونًا بيده، وعندما يعلن فريق سلفي عن نفسه وزارة عدل جديدة تحت مسمى جماعة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” تقوم بمراقبة الناس وتوقيع العقوبات عليهم، وهو أسلوب كان يناسب الحياة البدوية الصحراوية التي لا تعرف معنى الدولة ولا تحتاجه لتفرقها وتشظيها القبلي والعشائري وتباعد مساكنها في الفيافي، فليس فيها شرطة ولا سجلات أمنية للمواطنين ولا سجلات عدلية ولا حبس ولا سجن ولا محاكم، وإعمالاً لذلك لا يمكن تطبيق الشريعة في دولة إنما بين أقوام وقبائل لذلك لا بد من هدم الدولة المصرية بهدم “الماعت” سلطة العدالة وسيادة القانون حتى يمكن قيام وزارة العدل الجديدة.
في الوقت الذي يلفقون فيه التهم للثوار والسياسيين والإعلاميين ويخطفون النشطاء إلى حيث لا ندري ويملأون المعتقلات والسجون بصناع الثورة، وبأحكام من نيابات وقضاء متأخونَيْن لا ترعى حقًا ولا تقيم عدلاً، بمعاونة من الشرطة خادمة أسيادها في كل العصور، “واللي يركب أُمه يبقى عمه”، مع ميليشيات ذات علاقة بأجانب مثل منظمة حماس الإرهابية، وترك سيناء سداحًا مداحًا لقوى الإرهاب المسلح بأسلحة جيوش الدول، بل والعمل على حماية هذه التنظيمات في مسالك واضحة لحكام البلد، مع عدم القيام بهدم الأنفاق مع غزة التي كان لها الدور الأعظم مع الأموال القطرية في تسليم مصر للإخوان وتعمل الآن بكل طاقاتها مع الإخوان على تدمير الدولة المصرية.
عندما يكون هذا هو ما آل إليه حال مصر، تكون دولة الطوائف والأقوام قد قامت على أنقاض دولة المؤسسات، ولأن الإخوان لا يشغلهم الوطن المصري كما يشغلهم الوطن الإسلامي الذي هو كل بلاد العالم، ولا فرق فيه بين إقليم وإقليم مادام من ذات الطائفة، لذلك يجوز منح حلايب وشلاتين لإسلاميي السودان بالأمر المباشر والشفوي في حدود المُعلن، ويجوز ترك الإخوة المجاهدين يقيمون إمارة سيناء الإسلامية، حيث هناك البذرة الحقيقية للمشروع الأعظم “سيأتي الكلام عنه في حينه”، مع القيام بعدة عمليات ضد سلطان الدولة المصرية بالتعاون مع أعداء البلاد مثل حماس وحزب الله وهو ما يسمى في القانون جريمة خيانة عُظمى، لاستدراج الجيش الى حرب عصابات في سيناء تنهكه وتسمح باختراقه كهدف عظيم في مشروع أستاذية العالم، ويكون نزول الجيش وليس الشرطة لمواجهة الإرهابيين اعترافًا بأن سيناء إمارة مستقلة استحقت خروج جيش الدولة المصرية ضد جيش إمارة سيناء الإسلامية، كان المفروض في تمثيلية استرداد الرهائن أن تقوم بها وزارة الداخلية والمخابرات وأمن الدولة، لكن الخاطفين على لسان المخطوفين طلبوا الجيش ولم يطلبوا الشرطة، طلبوا السيسي ولم يطلبوا محمد إبراهيم.
الحديث النبوي الذي تقيم عليه جماعات الأمر بالمعروف مبررات وجودها يقول: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان” هو حديث “بوادي” لا حديث دول مستقرة، حديث يعطي لكل فرد الحق في أن يكون شاهدًا وقاضيًا وجلادًا دون تصور وجود مؤسسات وقوانين للدولة تعمل على تطبيق العدل بسلطة الدولة والقانون وليس بسلطة القوة والغلبة، ودون احتياج للمواطنين في حالات تطبيق العدالة، هذا كله في بيئة يحكم مجتمعها شيخ قبيلة سيكون هو القانون الصالح الوحيد، حيث يقوم الفرد بالحكم على المنكرات حسب تعريفه الشخصي للمنكر، ويمكنه تغيير هذا المنكر بداية بيده، أي باستعمال القوة والعنف، فالتكليف في الحديث للجميع دون تحديد، فإن لم يتمكنوا لضعف أو لجبن وعجزوا عن تغيير المنكر بالعنف انتقلوا إلى مرحلة أقل عنفًا تتناسب مع الضعف هي مرحلة النصح والإرشاد، فالمؤمن الضعيف عندما يرى منكرًا صادرًا عمن هو أقوى منه فعليه احترام قوة القوي فيكتفي بنصحه فإن كان أضعف أن يجترئ على النصح فعليه أن يكتفي بالدعاء والتمنيات القلبية بزوال المنكر، وبهذا الحديث سيكون هم كل الناس مراقبة كل الناس ومتابعة أفعالهم لفرزها بين المعروف والمنكر، ويكون الشعب كله من البصاصين، وهو ما يفسر السعي الشرقي المحموم للتعرف على أسرار الآخرين من الزملاء والجيران والانشغال بهم أكثر من انشغالهم بأمورهم المتدهورة أو بأعمالهم وعلاج مشاكلهم وعمل شيء مفيد.
إن القانون في ظروف البداوة جغرافيًا وتشكيلات لجماعات شبه مجتمعية يضعه القوي وحده ويطبقه القوي وحده، هو قانون البدائي “ومنها كلمة بدوي” وإنسان الغاب: البقاء للأقوى، لذلك لا يعرف الحديث النبوي المحاكم ولم يرد به أي ذكر لحكومة ما ولا لحاكم ولا لقاض، ولم يطلب منا تبليغ جهات الاختصاص لاتخاذ الإجراءات القانونية بالضبط والإحضار والمساءلة من الشرطة وتوجيه الاتهام بالنيابة والتحقيق بالمحكمة، الأمر كان بسيطًا بساطة البدايات والبداوة، فاختصر كل الهيئات والمؤسسات والأنظمة الإدارية والقانونية وكل مؤسسة العدل في سطر واحد، وأسند مسئولية القضاء للمجتمع كله ليصبح الجميع قضاة والجميع خطاة فلا بد لكل قاض من خاطئ ولا بد لكل خاطئ من قاض.
إن تعريف المنكر لا بد يستدعي تسمية مناسبة لحصار الفرق الإسلامية لمدينة الإنتاج الإعلامي، وحرق حزب الوفد، وتعذيب الثوار داخل قصر الاتحادية وقتل المعترضين سياسيًا، وحصار المحكمة الدستورية الذي يعادل عندي حصار مدينة الإنتاج الإعلامي لأنه بدون إعلام حر لن تكون هناك معارضة وهو ما يعني انعدام العدل السياسي وما يجره ويترتب عليه من هوائل، هو عندي حصار للعدالة وإرهاب لـ”الماعت”، ثم هل ما نسمعه على القنوات الدينية من تهور خلقي وصل إلى حد إهانة الدين بسُبة أخلاقية في انعدام حس وحسن الملافظ، وتكريه المواطن فيه ونفوره منه، هل هو من المعروف أم من المنكر؟ وهل إعطاء تراخيص الخمور ثلاث سنوات بعدما كانت طوال الزمن السابق سنتين مقابل مضاعفة الضريبة بما يجعل وضعها الضريبي المتفرد وضع دافع الجزية، فهل هذا في دولة الإسلام من المعروف أم من المنكر؟ أليس التحرش العام في مشاهد فضائحية لقطيع غرائزي في دولة إسلامية هو أبو المنكرات؟ ورغم أن فيهم بنتي وبنتك وأختي وأختك فإن المجتمع يبدو في حالة هلع وخوف من التصدي للمتحرشين، مع عدم وجود حكومة تحميهن، لكنها تبرز ذكورتها وقوتها فتطلق اللحية وتحف الشارب، وتعمل بوصية النبي “علقوا السوط في فناء البيت حتى يراه أهل الدار فيكون لهم رهبة”، هم “ليوث” في البيوت على إناث الأسرة ولا تمتد شجاعة أسد منهم أبعد من مجاله الحيوي المحدد بمسكنه.
أليس ما يرتكبه زبانية مرسي في المعارضين منكرًا؟ وهل يحق لحاكم هو عضو عريق في جماعة سرية دولية لها فروع في ثمانين بلدًا أن يطلع على أسرار الأمة المصرية بحكم منصبه؟ هل سيخلص لوطنه أم لجماعته المتعدية للحدود؟ هل جن المصريون وهم يختارون عضو جماعة إرهابية دولية رئيسًا لبلدهم؟.
إن الدولة أصالة وتاريخ يبدأ من لحظة استقرار الإنسان وتكوينه مجتمعًا على أرض ذات حدود واضحة غالبًا ما كانت العوامل الجغرافية تلعب دورًا في تحديدها، شارك فيها كل أفراد المجتمع عبر تاريخ طويل بدأ من زمن المشترك المعبدي حتى وصل إلى الدولة المركزية التي تضم مجموعة أقاليم، شارك فيها الجميع على اختلاف أشكالهم وأجناسهم وأديانهم، لذلك يكون إقصاء تاريخ بحجم التاريخ المصري أقدم تاريخ لدولة في العالم، يعني إقصاء لمفهوم الدولة المصرية لتصبح كيانًا بلا تاريخ وبلا دولة، لتحويل مصر إلى جزر منفصلة كقبائل الجزيرة، لذلك يكفرون ويدعرون الثقافة المصرية القديمة التي هي فخر الكوكب الأرضي بين المجرات والأفلاك، وينكرون وجود ما يزيد عن سبعة قرون لأنه كان زمنًا قبطيًا، فالتاريخ يبدأ مع لحظة دخول “عمرو بن العاص” الى العريش مع القبائل العربية النازحة الى مصر تستوطنها، لتشيع فيها البداوة مع عادات وقيم “الجاهليين” التي حملها المهاجرون معهم فهل ننفي هذا الزمن لأنه احتلال عربي؟ وقد تم تمصير المستوطنين ومن لم يتمكن من التعايش مع المجتمع المصري قام مجتمع الوادي بلفظه الى الحدود الصحراوية، أو لوجه الحق أن المهاجرين هم من اختاروا الأماكن المتطرفة عند الصحاري لعدم تمكنهم من التعامل مع المجتمع المصري وأساليب عيشه، إن تكفير مصر القديمة وإقصاء التاريخ القبطي غرضه الواضح هو إلغاء أي دور محتمل لتلك الحضارات، حتى لا يكون للحضارات القديمة في البلاد المفتوحة أي فضل على الإنسانية، لأن الأديان هي التي خرجت بالإنسان من الحيوانية والبهيمية، هذا رغم أن ديانات المنطقة الإبراهيمية ظهرت في منطقة الحضارات، بعد أن تمكن الإنسان من إنجاز مكتسبات حضارية هائلة وحقق نقلات وطفرات في تطور المجتمع الإنساني، فأنجز اختراع الكتابة والقراءة وعرف الرياضيات والفلك والفلسفة وعلوم القانون والهندسة والبناء والمؤسسات والحكومة والدولة، وهجر بدائيته عندما كان الإنسان يأكل لحم أخيه، ومن حقق هذا بجدارة هي الحضارات القديمة التي يكفرونها ويقصونها لأنها لم تكن مسلمة قبل أن يظهر الإسلام بقرون متطاولة، هي حالة عداء عنصري وإحساس بالنقص أمام حضارة من حضارات الوطن فيتم تشويهها، أترون حجم الهذيان العصابي في تكفير أقوام سبقوا وجود الإسلام بألوف السنين؟.
الحضارات القديمة هي التي “أنسنت” الوحش في الإنسان وحولته من حيوان بري إلى إنسان يمكنه التعامل مع الأديان الإبراهيمية وأن يتفهمها، ولولا تلك الحضارات ما ظهر الأنبياء على الأرض والإنسان بعد وحش بري، لولا الحضارات القديمة لظل المكفراتية في الغابة يتقافزون على الأشجار.
تمكنت الحضارات القديمة من تقويم السلوك البشري وتطهيره من بقايا الأصول البدائية الحيوانية والتي تمثلت أبشع مظاهرها في أكل الإنسان لجسد أخيه الإنسان، فقضت على الوحش وحولت الطاقات العدوانية إلى منافسات بين مجالدين وصراع رياضي ملاكمة ومصارعة ومختلف ألعاب القوى البدنية، ودفعت بطاقاته لتكون منتجة نحو الفن والتمثيل والموسيقى والرسم والنحت والأدب والرياضيات، الحضارة هي من علم الوحش الصياد أن يبني بيتًا ويستقر فيه، وأن يزرع وأن يأكل في اليوم ثلاث وجبات بعد أن كان يأكل كالخروف، وعلمته النظافة وإيثار إخوته البشر عوضًا عن أكلهم، وعلمته معنى الوطن المستقر ومعنى المواطنة بتكوين أول جيش وطني في التاريخ البشري وفق منظومة دولة مؤسسات تعمل جميعًا لخير الوطن، وكان المصري القديم يرى هذا التقويم السلوكي للبشر هو عين “الماعت / العدالة”، لذلك نفهم أن إيقاف هذا الإنتاج ومحاربة الفن والإبداع القصد منه هو عودة الإنسان إلى الحيوانية.
كثيرًا ما توقفت أمام الآية “أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه”. في مجتمع نُدرة شحيح العطاء يقتل فيه الإنسان أخاه الإنسان من أجل حفنة تمر، وتغِير القبائل على الأخرى لتستولي على كل ممتلكاتها طعامًا أو سوائم أو أطفالاً أو نساء، واستعباد من يبقى من الرجال أو ذبحهم ببساطة، ما يشي أن مجتمع البداوة في الجزيرة كان لايزال يقف عند مرحلة الصيد والقنص والأسر والذبح، وربما كان لايزال عند مرحلة أكل لحم الإنسان، وهو ما تشير إليه الآية القرآنية وتؤكده كتب الفقه الأزهرية كما في كتاب “الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع” مج 2 ص509، في الفقه الشافعي، وأما إذا كان الميت مسلمًا والمضطر كافرًا فإنه لا يجوز الأكل منه لشرف الإسلام، وحيث جوزنا أكل ميتة الآدمي يجوز طبخها ولا شيها لما في ذلك من هتك حرمته ويتخير في غيره بين أكله نيئًا وغيره، وله قتل مرتد وأكله وقتل حربي ولو صغيرًا أو امرأة وأكله لأنهما غير معصومين” هذا كان يحدث ومسموحًا بحدوثه حتى الآن، بينما مصر كانت قد خرجت نحو النور الحضاري وحفظت حياة الإنسان وكرامته قبل أكثر من سبعة آلاف عام، إنهم يريدون منا العودة إلى البهيمية المتوحشة، إلى ما قبل زمن الأسرات، بل إلى ما قبل زمن الأقاليم، بل إلى ما قبل حضارات مصر الأولى المفككة قبل التوحد، إلى ما قبل زمن جرزة ونقادة، فإلغاء العدل السياسي والقانوني والفنون والآداب هو إيقاف للماعت وتعطيل عملها التحضري والانتكاس الى زمن الحيوانية، فلولا الماعت لظل المصري مثل بدوي الجزيرة يذبح أخاه الإنسان ويأكله، لأن الماعت هي حرية أن تفن وأن تفكر وأن تخطئ لتتعلم من الخطأ، لذلك صنعت الماعت قدرًا عظيمًا من السماحة ففتح ملك ملوك الأرض فرعون مصر الجليل أبواب قصره لراع بدوي كليل اسمه موسى، ليحاوره في عقيدته ومدى صحتها وأن ينتقده في حوار يشهد بارتقاء الفرعون بمسافات عن الرب التوراتي المدمر “يهوة” الذي لم يجد ردًا على منطق الفرعون سوى منطق الإرهاب والدمار بالضربات العشر المشهورة.
“الماعت” كانت موجودة يوم افتتاح الفرعون “خوفو” لهرمه الأكبر ومقر خلوده بعد الموت، والذي قال عنه هيرودوت إنه كان أخوف الناس لملوك زمنه، طلب “خوفو” من وزير ثقافته أن يأتيه بشاعر ومغني من البسطاء الشعبيين، فجاءه بالشخص الذي عرفناه في التاريخ بمعزوفته المشهورة باسم “أغنية العازف على الهارب”، وهي أغنية موغلة في الكفر بالآلهة كمنتج طبيعي للفقر، فأعلن الرجل إلحاده ونعى على الفرعون هرمه وسخف من اعتقاده في القيام الى خلود بعد الموت، وهو ما يعني أن عشرين ألف عامل يعملون يوميًا لمدة عشرين عامًا قد ذهبت جهودهم سدى، فطرب لها الفرعون وأمر الكتاب بتدوينها لتصلنا بعد ذلك في شكل تمارين مدرسية عن الماعت تحت عنوان “أغنية العازف على الهارب”، هذا بالتحديد هو الذي كان يجعل المصري يرى في غير المصري أنه ليس من الناس، لأنه لا يعمل بالماعت التي سمحت لموسى بمحاورة ملك الملوك واليوم لا يستطيع أحدنا أن يحاور واعظًا في مسجد.
إن الأنشطة التعبيرية للإنسان من شعر وفن وتمثيل وتفلسف وموسيقى التي يسعون إلى تقويضها هي الضامن الوحيد لبقاء المصري إنسانًا، فهي حافظة قيمة التاريخية عبر الزمان، واليوم يتم تعريف الإنسان بالفرق الوحيد بينه وبين الحيوان وهو الإبداع، فيتم تعريفه “الإنسان حيوان فنان” فإن قتلت الفنان بقي الحيوان، إن الأنشطة التعبيرية هي أهم مكونات القيم لدينا للعيش في وطن وفي ظل دولة، ما يفعله الآن أحفاد العرب الغزاة بموروثهم الجاهلي زمن كانوا يأكلون بعضهم بعضًا هو إنكار يمثل البداية والنهاية، هو إنكار بيت القيم ورابطها على سلم القيم، “قيمة المواطنة”، لهدم الدولة المصرية بتكميم الماعت وإيقاف نشاطها ليعيدوننا إلى فيافي الصحاري وأعالي الأشجار، ليطبقوا علينا قيمًا وشرائع لا يمكن تطبيقها على دولة، لذلك فقد وجب هدم الدولة.

*نقلاً عن الموقع الشخصي للكاتب في الحوار المتمدن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.