نور الدين جرير يكتب.. رسالة للمستقبل: الحقيقة أحب إلي مما يدعونني إليه

شكل بلاغ المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد، الذي يضع بعضا من مناضليه بين خياري الانسحاب من مشروعهم النقابي الوليد أو الطرد من الحزب، لحظة فارقة بالنسبة إلي، في علاقتي الفكرية السياسية بالحزب كمشروع وأفق، وبأسئلة الواقع ورهانات الفعل النقابي والجماهيري عموما، على ضوء ضرورة فصل المقال في ما بين الديمقراطية والتحكم والإقصاء من انفصال.

وسيكون الدافع ولا بد، كما كان دائما على الصعيد الشخصي، منذ ارتبط وجودي الواعي بحلم التغيير لفائدة الشعب والإنسان، هو الحرص، دائما وأبدا، على أن ينتفي التحكم والإقصاء من أفقنا التنظيمي والسياسي، فاسحا المجال أمام توليد وابتداع كل صيغ البحث والحوار الممكنة، ما دام الانضباط للمقررات الحزبية واقعا جاريا لم يخرج عنه المهددون بالطرد بسبب مبادرتهم النضالية، انطلاقا من موقف يرتهن، في أبسط الأحوال، لرؤية ضيقة تتغذى على محاكمة النوايا.
ولأن الأمر يتعلق بمناضلين وحدويين، جسدوا عمليا وسياسيا، بحماس وإخلاص، مبادئ نكران الذات وتثمين المشترك الأساس في عملية بناء تجربة التوحيد على مستوى الحزب الاشتراكي الموحد، واحترام مقررات الحزب وآلياته الديمقراطية، فإن حس النزاهة والإنصاف يقتضي، في ما يقتضي، الوعي والالتزام بحماية صيرورة التوحيد كتقاطع ديناميكي حي لسيرورات نضالية وتنظيمية، يشكل فيها تعايش ابتداع المبادرات وتجددها تعددا يوسع أفق الحزب ويثريه، وينمي حضوره وفاعليته، ويحرر قواعد الحزب من سلطتي الوصاية والاتكال، فيما يحرر قيادته من نظريات المؤامرة، وسلطة الأهواء الذاتية، ويمنح آليتي المجلس الوطني والندوات الوطنية، سلطة منبر ديمقراطي داخلي حي لتطوير التفكير والسؤال بعيدا عن التحجر والوصاية؛ إذ لا يعقل تبشير المجتمع بالديمقراطية والحداثة، فيما تتراكم آليات ومظاهر المحافظة في الحياة الحزبية عبر رفض الجديد

المخلخل للجاهز أو المكرس، بعيدا عن قنوات البحث والنقاش والحوار القائم على احترام المختلف أولا وأخيرا.
ولأن الأمر يتعلق بمبادرة نقابية، متعددة في مكوناتها، طموحة في رهاناتها، واعدة بالنسبة إلى من يخوضها صادقا من مناضلي الحزب، فإن النزاهة والإنصاف، مرة أخرى، تقتضي الإقرار بجدية واستراتيجية السؤال النقابي باعتباره تحديا فكريا وسياسيا مفتوحا في وجه الحزب قبل المبادرة وبعدها، وليس من الحكمة القفز عليه بالتلويح بعصا الطاعة أو الإرجاء.

وإذا ما عدنا إلى ما نعرفه جميعا من ظروف العمل النقابي في ظل المناعة والتحصين البيروقراطيين، وما تربى عليه المناضلات والمناضلون الجذريون من اختيار للانتماء النقابي على ضوء الشروط المناسبة لفاعليتهم النضالية وإرادة تجذرهم في قطاعاتهم، وخبراتهم المتراكمة إلى جانب مصداقيتهم ومبدئيتهم غير القابلة للطعن، فضلا عن تعدد انتماءات شركائهم في التجربة الوليدة، فإن مبدأ التعميم الذي اعتمده صوت متنفذ في المكتب السياسي، مع استثناء واجب لبعض الأصوات المتزنة، يعبر في واقع الأمر عن ميل غريب نحو تحقير واستبلاد المناضلين المشاركين بوعي وحماس في التجربة الجديدة، خاصة وأنها قد جاءت في سياق تراكم نضالي شكلت فيه المبادرة التصحيحية في إطار الكنفدرالية الديمقراطية للشغل بتاريخ 17 ماي 2014 ترجمة لأسئلة تؤرق كل مناضل حازم في اختياره النقابي المناهض للبيروقراطية وما تنتجه من تكلس في الفكر والممارسة وما تفضي إليه من انحرافات للجميع الحق في تحليلها ووصفها بعيدا عن القدح والشتائم. بل دعونا نتساءل عن مغزى تعطيل مقررات مؤتمر الحزب الأخير الداعية لعقد ندوة وطنية في الموضوع؟!. شخصيا، ودن أي ميل مضاد إلى محاكمة النوايا، لا أجد مبررا معقولا لذلك، رغم ما يصرح به الموقف الاتهامي المهدد للمكتب السياسي من المبادرة النقابية الوليدة، من مصادرة للندوة المفترضة وما يترتب على ذلك من حسم في السؤال النقابي لجهة تسييد موقف مضمر بسلطة الإقصاء عارية.

وفي هذا الإطار يبدو المكتب السياسي عاجزا عن قراءة السياق الذي ولدت فيه المبادرة، بسبب تركيزه المتضخم على من خرج من التجربة لينتقل إلى الضفة السياسة النقيض، متجاهلا من غادر دون أن يغير جلده أو مواقفه وقناعاته مفضلا التحصن بالصمت، بالنظر إلى تميز السياق السياسي والجماهيري الراهن، في الحقلين النقابي والحقوقي على وجه الخصوص، بدينامية صارخة في تأسيس تجارب تنظيمية خارج القبة الحديدية للمحميات البيروقراطية.

وإذا ما كنت اليوم حريصا على منع نفسي من حق تقييمها، فإنني أضم صوتي إلى الأصوات الداعية إلى التفكير في هذا الواقع المنظور بالعين المجردة، بدل التلويح بكون أي مبادرة لإبداع قنوات تنظيمية خارج الموجود تشكل تهديدا لفيدرالية اليسار، بينما ما يهدد اليسار حقا هو قيم المحافظة وواقع التكلس والبيروقراطية، وعجزه عن أن يكون القوة المحتضنة لكل المبادرات النضالية التي لا يرقى الشك إلى مبدئية منتسبيها، رافضا رفضا قاطعا تخوين أي كان لمجرد اختياره العمل ضمن صيغ تأطيرية جديدة.

4 تعليقات
  1. ظهر المهراز يقول

    كن نورالدين نموذج للطالب القاعدي في الممانعة والصمود.. جرير دابا مشى مسكين..اللهم اجعل خاتمتنا…

  2. سوق السبت اولاد النمة يقول

    احترم نضالك الاوطامي اما مواقفك في الاشتراكي الموحد ففيها ما فيها من نسمة بامية ،فاي عاقل يبتغي لاطاره التجزيء الذي تغطيه انت بالافق ….الانضباط لهياكل التنظيم اولى اولويات نكرن الذات …السفر الى الاوروغواي مع البام هذا هو الافق النضالي ……جرير تحية اوطامية و فقط

  3. حمدان يقول

    مقال الرفيق جرير يختزل انتقادا لضيق أفق منتقدي المبادرات المبدعة في العملين الحزبي والنقابي. نورالدين تحدث بصوت الآلاف من اليساريين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة “سوط الرفاق” اللاذع، كلما هموا بمد رجلهم نحو مجتمع في تطور دائم. رفاق يجبرون على الطواف حول “كعب” الزعيم على أن يتسلقوا ومجتمعهم آفاق العمل ويكتسحوا المواقع من أجل تجذر شعبي فعال. تحية عالية لك رفيقي نورالدين. عاشت قيم الجرأة والإبداع والإلتزام.

  4. سلمان يساري مستقل يقول

    ما حصل للمستقلين بشكل عام هو غياب البوصلة والدوخة الكبيرة من حيث المرجعية ،وما يحصل بالضبط هو توزع الانتماء لبعض المستقلين بين الاشتراكي الموحد وبين حزب البام الذي يعمل جاهدا لجر مناضليه إلى صفوفه ولمريزق مصطفى دور كبير في هذه العملية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.