نوال بن عيسى أو الإحتجاج بصيغة المؤنث

نوال أو أنوال ،هي الأنثى،هي المرأة ،هي الأم ، هي المواطنة ،هي المناضلة، ، هي سخط صامت وصمت ساخط ، لم تكن لتنحني فهي لم تستقم كي تنحني لأي سلطة مهما تجبرت، هي بَكَّرَتْ في الوعي بأن الكرامة عملة نادرة خاصة بالإنسان أما الثمن فهو للأشياء التي تباع وتشترى ،وفي أعماقها كانت تحمل يقينا هو أن الحياد مجرد وهم لذلك انضمت وانخرطت وساهمت وناضلت في جميع الاحتجاجات . كانت تحضر كمفرد لكنها دائما في صيغة الجمع ،كانت تخترق الصمت وتتسلل إلى الفعل الاحتجاجي اليومي بكل تفاصيله ،كانت تحضر كل اللقاءات لتضع لمستها الأخيرة، كانت تساهم في كل التظاهرات لتنشر ولتنثر من روحها المرحة المسالمة، كانت في كل الصباح تسقي الزهور،هي المواظبة والحريصة على الحضور اليومي ،كانت جزءا لا يتجزأ من الفعل الاحتجاجي السلمي الحضاري، كانت تنتمي إلى الفعل الميداني دون انقطاع أو تخلف وبلا رجعة، كانت استثنائية في عطائها بكل المقاييس، كانت وفية لنفسها في كل شيء ومنتمية إلى أعماقها في كل لحظة ، لم تكن يوما ما لتضل الطريق إلى ساحة سيدي عابد ،فهذه الساحة كانت هي محرابها المفضل ، كانت تحرس ذاكرة الحراك، كانت قصيدة شعر تمشي بين دروب الحسيمة، كانت توقع حضورها كل صباح بابتسامتها العريضة التي توزعها على جميع الحاضرين،وعند المغادرة مع المساء كانت تستسمح وتقول :”يا ذوي القلوب الحية في الغد سأعود وسنلتقي هنا وننبت كالأشجار“. لقد اختارت قدرها بل رسمته. كانت هي عنوان لقصيدة شاعر متمرد. كانت جزءا لا يتجزأ من السخط المعمم الذي سكن جبال وسهول وبحار الريف ،دروب وأحياء وساحات الحسيمة. كانت هي دائما نفسها دون أقنعة أو مزايدات. يوما ما قال الفيلسوف الألماني إمانويل كانط :”إن كرامة الإنسان هي القيمة المطلقةالتي لا يمكن التفاوض حولها مع أي سلطة مهما كانت“. هذه المقولة الإنسانية الفذة حتى النخاع هي من كانت محرك نوال في كل خطواتها وأحلامها.حيث كانت ساحة سيدي عابد مساحة للأمل ولعفويات وطنية متناثرة تفيض في كل الأنحاء. في كل توقيعاتها الشخصية كانت تكتب انتظرونا سنفاجئكم بأجمل الورود” .كانت بكبريائها أقوى من أن تحولها الدولة الأمنية إلى أداة طيعة في يدها. على جدارها الفايسبوكي كانت تكتب العبارة الجميلة الرشيقة :”لي ألف سبب وسبب كي أحتج،كانت تفتح كل الأبواب وترسم كل النوافذ وتلون كل الزهور وتوقد كل الشموع . كانت تقاوم على كل الجبهات ،كانت تقاوم فتقاوم وتقاوم ثم تقاوم ، كان المنهزمون يخافون من كبريائها ،فهي لم ولن ترضى يوما ما لنفسها أن تنتمي إلى أي نوع من الكائنات التي تحيا بلا كرامة. كانت عرضة لعيون وسهام الدولة الأمنية ،وكانت تسخر من أي تخويف أو ترهيب ،كانت تصرخ في وجه الاقصاء والاحتقار فهي لا ترضى بأقل من الحرية كقسمة ونصيب، كانت مع حراك طويل النفس واقعي سلمي ومسالم، ولم تكن لتعول على بعض أشباه المناضلين، كانت تَصُدُّ فكرا ذكوريا يأبى أن يُسَلِّم ويُقِر بحضور أنثوي ملفت ،مؤثر ومساهم، وتدحض عقلا لا يستسيغ لمسات نسائية على أي غضب وأي احتجاج يخاله ويظنه ويعتقده ذكوريا صرفا بلا منازع أو لا يكون.

كانت في كل صباح قبل أن تغادر منزلها تكتب لأطفالها على لافتة صغيرة انتظروني سأتيكم بالزهور،سأعود إليكم وأنا محملة بالورود وبالغد الأفضل“. أول ما تعلم ابنها البكر أن يكتب بالحروف العربية كتب :” أنا المستقبل أنا الأمل أنا الإرادة أنا المقاومة أنا الصمود أنا الحرية أنا الكرامة أنا الحياة وأنا الوطن“. حين اختار أبوها من الأسماء اختار لها اسم أنوال لكن ضابط الحالة المدنية آنذاك لم يكن يتقن و يعرف كل حروف اللغة العربية هكذا أسقط الألف والهمزة وكتب وسجل نوال بدلا من أنوال .

إن تأنيث الاحتجاجات هو شيء مخيف ومرعب للدولة الأمنية لذا التجأت إلى اقتناص الأصوات الأنثوية المميزة عبر الإغراءات عبر التخويف والترهيب والمضايقات والإعتقالات وكان نصيب نوال من ذلك عشرة أشهر سجنا موقوفة التنفيذ وغرامة مالية .

عمر بن أعمارة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.