نهضة الريف: النهوض بإزران نموذجا

كما يقال أن للعرب ديوانها ولباريس إيضاءاتها وللغاب أدغالها، أقول أن للريفيين ‘إيزران’هم.
إزران، هذا الموروث الثقافي المعروف، هو أحد أهم القنوات الفنية التي يعبر بها الانسان الريفي عن حياته وآماله وآلامه. هذا الموروث الذي كان قد بدأ ينقرض شيئا فشيئا، ها هو الآن قد بدأ يستعيد هيبته من جديد ويترسخ وسط الريفيين بشكل ثابت ونهائي. فترى طالبات الجامعات يدمجن من معارف العلم والحداثة في أوزانه بعدما كان حكرا على بعض القرى النائية والبعيدة عن المجمعات الحضرية في أعالي الجبال. ترى حتى القاطنين في المدن وقد منحوه منزلة وقيمة مهمتين، فيسجلون حضور إزران في احتفالاتهم وأعيادهم ومآدبهم. لقد أستعادت إيزران مكانتها حتى في الأعراس حيث يخصص حيز كبير من وقتها له وللابداعات التي يكتنزها.
إننا نرى عودته القوية، فحتى المظاهر والمراسيم الاجتماعية لريفيي المهجر لم تنج من هذا الاكتساح والعودة القوية لإيزران.
يحدث هذا في وقت ظن فيها الجميع أنه لا مفر لإيزران من مصير الانقراض. إنها حقا صحوة جديدة واستنهاض شامل لهذه الطقوس والعادات والثقافة التي تحمل اسم  ‘إيزري’ أو ‘إيزران’.
الجميل من هذا كله أن الجمعيات الادبية والمدنية بالريف قد تبنته بشكل واضح وجمعي حيث تقام الآن لإزران حصص علم ودورات تكوينية وتقام له مسابقات تحظى فيها الاسهامات الأكثر فنا وجمالية بجوائز مختلفة. آخر مبادرة سمعت بقدومها هو أن رجال الريف يتدارسون الآن تأسيس مؤسسة خاصة بإزران وستقوم هذه المؤسسة بجمع الانتاج الشعري مستعينة بباحثين في هذا المجال لأرشفتها حسب اللون الفني والمواضيع المتداولة داخلها والحقب التاريخية التي تصورها لنا. كما ستشجع هذه المؤسسة في المستقبل الإبداعات الشبابية وستتكلف بخلق جائزة وطنية قيمة ستوزع كل مرة في السنة على أحسن بيت شعري من إزران.
الأمر لم يبق في هذه الحدود، فلحد كتابة سطور هذا النص تصلني معلومات حول إشاعات بأن هناك مقاولين وخواص يبعثون بشباب وشابات الى أعماق جبال الريف قصد جمع إزران وأبياتها ويغرون مانحيها بالمال حيث يعطونهم مقادير مالية لا يتصورها العقل.
إن كانت هذه المعلومات التي تصلني صحيحة فإني سأستنكر هذا بشدة وأدعو الى تدخل الامن والقانون  لإيقاف هذا النوع من السرقة الادبية والزحف الغير الحضاري للمال  وإسهامه في إقصاء المبدعات من النساء من إسهام مباشر بإنتاجاتهن في المسابقات الرسمية الوطنية تحت اسمهن.
تذكرت إحدى الانشطة ومداخلة أستاذ فيها حين قال بالكلمة: أعتقد أنه من المستحيل عودة إزران كجزء من طقوس العرس الريفي. للأسف ليس هناك الآن من يتجرأ على إدراج فرجة إزران ضمن العرس.على مستوى البحث و التسجيل ستزداد ظاهرة البحث في إزران لأسباب مرتبطة بعودة سؤال الهوية.
لقد وقعت تغيرات كثيرة في الآونة الأخيرة والأستاذ لم يكن محقا في كلامه. أتذكر سنوات السبعينات وكيف كانت تقام الأعراس، وكيف كانت إيزران تشكل الحلقة الاساسية للفرجة وكيف لهذه الفرجة أن تكون محور كلام وموضوع يحكى  كل الوقت ويعاد حكيه الى أن تأتي فرجة أخرى تنسي الناس مؤقتا ما مضى من الفرْجات. لقد تغير الكثير بعدها فصارت الأعراس يتغلب عليها إيجار المجموعات الغنائية أو الإستماع للموسيقى الراقصة من الأسطوانات أو يتم إيجار Diskjockey يحمل مسؤولية تزويد العرس بموسيقاه طول سهر الليل.
سنوات قليلة مضت اكتسحت الاعراس خصوصا هنا في الديار الاوروبية موسيقى بوليوودية لا يفهمها كل المشاركين. بعد هذا يأتي دور الأناشيد والأمداح الدينية المكفرة لصوت النساء وأهازيجن .
في هذه الحقبة التي شكلت لإيزران اختناقا تسبب في هجرانها لطقوس العرس الريفي ورجوعها الى معاقلها الاولى في عمق أعماق الجبال، تنبثق لدى المهتمين حاجة الجمع والبحث في تحفها وكأنها قد أصابها عدوى  الانقراض. لكن هذا العالم لم تهجره المفاجآت.
الذكريات من الماضي مهمة جدا، لكن الأهم أكثر أن تحضر عرسا يتم الرقص فيه وتستمع فيه لديوان الريفيين حتى يأتيك النوم، فتغمض عينك وتحس بثقل النوم وأنت تسبر أغواره  وتتدحرج في سرايا أعماقه.
وفجأة يرن المنبه وتفتح عينيك لترى نفسك في سريرك الدافئ. تفتح نافذة غرفتك وتطل بنظرة سريعة الى خارج المنزل وتتفاجأ: لا شيء قد تغير هناك.
ستجد نفسك بين هذه الخلاصة وبشائر تلك النهضة التي افتتح بها هذا النص ترتبك. ستحاول فيما بعد أن تحول ارتباكك الى أسئلة: أحقا كان الأستاذ على صواب وهو يتكلم عن مصير إيزران وعن العودة والنهضة والمستحيل؟ أي شعب هذا الذي يترك ديوانه عرضة للانقراض لينشغل بالتصفح في دواوين الآخرين؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.