نقاش مع توفيق بوعشرين حول الحياة الخاصة للمسؤولين السامين

خالد البكاري
لم أدل برأيي في الفيديو المسرب لوزير خارجيتنا و مستشار الملك و صديقه، بسبب انحراف النقاش في مواقع التواصل الاجتماعي أساسا عن سكته الحقيقية، فأصبحت المناسبة التي كانت في الأصل شرطا لفتح نقاش حقيقي حول حدود الحياة الخاصة للموظفين السامين و رجال الدولة، و واجب التحفظ المفروض في الموظفين الكبار،أصبحت هذه المناسبة شرطا لنقاش إيديولوجي هوياتي عصابي يحرك لاوعي محبة الفضيحة التي تضحى متنفسا لتصريف فائض الحقد أو الكبت المجتمعيين في واقع انسداد مسارب التغيير الحقيقي. لكن افتتاحية الأستاذ توفيق بوعشرين في عدد نهاية الأسبوع بجريدة ” أخبار اليوم ” و دفاعه عن “واجب” حماية الحياة الخاصة للمواطنين كافة سواء كانوا من عامة الشعب أو من قادتهم، و سواء كانوا يتحملون أمانة تدبير الشأن العام أو كانوا مصطفين في المعارضة، و بالتالي دفاعه عن السيد مزوار أساسا فيما اعتبره استهدافا له، جعلني هذا الدفاع أخوض و لو متأخرا في الموضوع عبر ملاحظات آملا المساهمة في نقاش يتجاوز شخص مزوار أو الهمة :
من الناحية الشكلية أو القانونية يجب التحفظ قليلا من مصداقية الشريط المسرب ما دام لم يتم تأكيده من مصدر آخر،و لم يتم فتح تحقيق حول حقيقته أو فبركته،و هذا من ألفباء الاحترافية في العمل الصحفي و احترام أخلاقيات المهنة، لكن عدم تكذيب مزوار و الهمة لمضمون الشريط و توارد البلاغات التي لم تنف صحته بل ركزت على استهدافه للحياة الخاصة للمعنيين بالأمر، تجعل الشريط يكتسب مصداقية أكثر لجهة وقوع ما تضمنه حقيقة،بغض النظر عن دوافع الجهة المسربة.
في الدول التي سبقتنا بقرون ضوئية في الدمقرطة و تنظيم النقاش العمومي بعقلانية، لا زال نقاش حدود الحياة الخاصة للمسؤولين يتطور و يتراكم بحسب تراكم أحداث فردية تطرح إشكالات قانونية و أخلاقية و سياسية تصل إلى حدود التساؤل حول إمكانية أن تؤدي ممارسة ما هو مسموح به في مجال الحريات للمواطنين،أن تؤدي ممارستها بشكل غير مترو من طرف مسؤول سام إلى المساس بصورة البلد أو أن تستهدف أمنه الداخلي حتى،،، فعلاقة بيل كلينتون بمونيكا لوينسكي أصبحت قضية رأي عام أجبرت الرئيس على تقديم اعتذار علني للشعب الأمريكي، و الفرنسيون لم يغفروا للرئيس الاكثر شعبية في تاريخ فرنسا بعد شارل دوغول، لم يغفروا لفرانسوا ميتران إخفاءه سر بنته مازارين التي أنجبها من أم عازبة، ناهيك عن الهجوم و السخرية اللذين تعرضا لهما فرانسوا هولاند من طرف الصحافة و العموم بعد اكتشاف زيارته المتخفية لعشيقة له و خيانته لتيتويلر رغم أنها لم تكن حتى مجرد زوجة له، و في إسبانيا تمت إقالة مسؤول كبير في الأمن لمجرد صورة ظهر فيها في مكان يتواجد به أحد أكبر بارونات المخدرات لشبهة علاقة مفترضة بينهما،فتمت إقالته و فتح تحقيق في الصورة، و لم يتحدث أحد عن انتهاك الحياة الخاصة،،
نعود إلى السيد مزوار (أركز على مزوار باعتبار وظيفته أولا ، و باعتبار عدم تأكدي من وجود شخص الهمة،فالتسجيل لم يكن واضحا بخصوصه)، إذا صح مضمون الشريط فإنه قد أخل بواجب التحفظ الذي تفرضه عليه مسؤوليته على رأس وزارة الخارجية، لاعتبارات عديدة، فهو كان في مهمة رسمية حسب الشريط توجب اليقظة و التعبئة المستمرتين، ثم إن تواجده في علبة ليلية محاطا بذلك الكم من الفتيات و بوجود “الشمبانيا” قد يعرضه للابتزاز من جهات معادية للبلد في حالة تصوير وقائع الليلة كاملة و هو أمر متيسر بفعل التقدم التقني، مع العلم أن إمكانية تسجيل كلامه و هو في حالة انتشاء و سكر أمر هين مما يرفع من إمكانيات الابتزاز أو على الأقل الفضيحة،، و بعيدا عن لغط المحافظين و المتحررين فيما يخص شرب الخمر أو السهر في النوادي الليلية فالحالة التي كان عليها السيد وزير الخارجية في الشريط كانت ستثير جدلا حتى في الدول الأوروبية و الأمريكية، و الوقائع على ذلك كثيرة، و إلا فإن حفلات البونغا بونغا التي كان برلسكوني سيدها كانت من الحياة الخاصة و الإيطاليون ظلموه.
و إذا كان من العرف المستقر الذي يكاد يصل حد البداهة القانونية في الدول المتقدمة أنه من تبعات قبول مسؤولية تدبير الشأن العام هو التنازل عن كثير من الحرية الخاصة و قبول تقاسم جزء من الحياة الخاصة مع المواطنين،فإنه حتى من الناحية القانونية فإن بعض المناصب (حتى في القانون المغربي) تفرض على متحوزيها أن لا يرتادوا بعض الأماكن و أن يتحلوا بالوقار العام حتى لا يقعوا تحت طائلة الشبهة و الابتزاز من مثل القضاة و القناصلة،فما بالك بوزير خارجية حكومة أمير المؤمنين. و قديما رفض المحدثون رواية التابعي إذا شوهد فقط يأكل علنا في الأسواق لأنه من خوارم المروءة في ذلك السياق التاريخي لجليل مهمة الرواية عن الرسول.
أما القول بأن المغاربة الذين استنكروا ما فعله مزوار مصابون بالسكيزوفرينيا باعتبار أن غالبيتهم يحتسي بدوره الخمر أو يرتاد مثل هذه النوادي،فأمر مردود لأن هؤلاء المواطنين لا يتحملون أي مسؤولية عمومية توجب عليهم التحفظ،بل من واجب الدولة أن تحمي حرياتهم الفردية، أما المسؤول العمومي فيجب أن يختار بين المنصب السامي و بين الاستمتاع بكافة ما تبيحه الحريات الفردية، أما أن يطلب الزبدة و ثمن الزبدة،فأمر مرفوض حتى في الديموقراطيات الغربية،و له بعد تقاعده أن يسمتع كما يريد، ففي فرنسا التي يعشقها مسؤولونا لم يحاسبوا رشيدة داتي بعد خروجها من وزارة العدل حول حملها خارج مؤسسة الزواج،بل طرحوا سؤالا بعد أن صرحت بهوية الأب الذي هو من كبار رجال الأعمال: هل بدأت علاقتها به أيام كانت وزيرة للعدل لشبهة إمكانية استغلال المنصب في خدمة أغراض صديقها؟
البعض من معطوبي الحداثة،ممن يفهمونها على أساس معاداة المحافظين، دافعوا عن مزوار باعتباره منسجما مع قناعاته الليبيرالية عكس الشوباني و بنخلدون اللذين أخلا بموجبات إيديولوجيتهما المحافظة، و هذا أمر من قبيل الجهل المقنع أو الضحك على الذقون،فالحداثة تجعل الاحتكام للقانون و ليس لمرجعيات الناس أولا، و الثاني أن مزوار و حزبه لم يقولا يوما أنهما مع اللييرالية الاجتماعية بما تعني من حريات فردية بما فيها حقوق المثليين و حرية المعتقد و هلم حريات،، فدوما كانوا من المحافظين في هذه القضايا بغض النظر عن القناعات الشخصية أو ممارسات “مناضلي” الحزب، ولم يعرف لهم دفاع أو انخراط في هذه المعارك، وحتى في معركة الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية يقي اليسار وحيدا،فيما شاركت قيادات الأحرار و الاتحاد الدستوري التي تسمي نفسها ليبيرالية في مسيرة البيضاء المحافظة، في المغرب لا يوجد تعبير سياسي عن تيار ليبيرالي حقيقي،و القضايا الليبيرالية في جانب الحريات الفردية،و حدها التنظيمات اليسارية تدافع عنها و باحتشام،و لم يخض أي حزب معركة انتخابية على هذا الأساس،باستثناء حملة انتخابية لعبد الله زعزاع أيام الحركة من أجل الديموقراطية.أما قضية الشوباني و بنخلدون فالشبهة ليست في “التصاحيب” الذي لا دليل على وقوعه حين كانت بنخلدون متزوجة، الشبهة كانت في تعيينه لمن كان يهيئ للارتباط الشرعي بها رئيسة لديوانه أولا، و الثانية تسجيلة في مسلك الدكتوراه و هو وزير و وزير التعليم العالي زميل له في الحكومة و الأمانة العامة للحزب، و زوجته الثانية وزيرة منتدبة لدى وزير التعليم العالي، و لجنة الانتقاء كانت تضم زميلا له في الأمانة العامة للحزب الذي هو حامي الدين، وهذه كلها شبهات تحوم حول استغلال المنصب لقضاء أغراض شخصية كان يفترض به ألا يقع فيها.
التساؤل حول هوية مسرب الشريط أو الجهة التي تقف وراءه ،هو جر للنقاش إلى متاهات الافتراضات التي تحرف النقاش أو تحاول التغطية عن القضية الأساس، و بالفعل فسرعان ما تم طي هذا الملف و بطريقة تدعو للريبة حتى في مواقع التواصل الاجتماعي،حين تقع جريمة يتم التحقيق أولا في ملابساتها و حيثياتها و ترتيب الجزاءات بعد ذاك،و ليس البحث و إقامة محاكم تفتيش النوايا للمبلغين،، و إلا فلماذا ندافع عن ضرورة حماية المبلغين عن الفساد مثلا،مع وجود إمكانية أن توظفهم أطراف لتصفية حسابات و هو أمر وارد،، لكن من يترك وراءه حجارة فلا يلم من يقذفها بها.
أما بلاغ البيجيدي المندد بانتهاك الحياة الخاصة للمسؤولين السامين،فمن المضحكات المبكيات،فكيف لمن استماتوا في الدفاع عن مسودة مشروع القانون الجنائي الذي لا ينتهك الحياة الخاصة للمواطنين فحسب بل يغتصبها يدافعون عن الحياة الخاصة لكبار القوم و عليتهم؟؟؟ ،، الأمر في اعتقادي لا يخرج عن ثلاثة أمور،فإما هو دفاع متأخر عن “الكوبل”،أو رضوخ لقرصة أذن خصوصا بعد توالي اتهام الحزب بأنه وراء التسريبات،أو قد يكون استباقا لتسريبات قادمة تمس بقيادات من الحزب، فمع قرب موعد السابع من أكتوبر يتوقع أن تكبر كرة ثلج التسريبات، و”و حتى زين ما خطاتو لولا”.
البعض جعل المناسبة للتنديد بهدر المال العام، شخصيا لا أعتبر الأمر يدخل في هذه الخانة،فالسيد وزير الخارجية لا يحتاج للمال العام من أجل أن يؤدي أتعاب تلك الليلة،و المال العام المنهوب ليس 10 آلاف درهم، بل هو الموجود في الجنات الضريبية و الأبناك السويسرية و المضاربات العقارية و رخص الصيد في أعالي البحار و أراضي صوديا و سوجيطا و الشركات العمومية الكبرى، فوجب الاحتياط من تقزيم النقاش حول نهب المال العام إلى أمور ثانوية من قبيل” الجيتسكي و الحفلات”.
في الختام:ليس دائما كل ما هو قانوني فهو شرعي، لذا فهدف مثل هذه النقاشات هو تطوير النقاش العمومي في أفق تحيين القوانين و تغييرها لجهة أن يقوم القانون بأدواره البيداغوجية و الزجرية و الاستباقية حفاظا على صورة البلد و أمنها و حقوق مواطنيها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.