نعم هناك مشاركون ومقاطعون رجاء لا تنسوا الممنوعين والمقصيين

عبدالرحيم شهبي
يطغى تصور انطباعي عاطفي  على مجموعة من المهتمين بالعملية الانتخابية، حيث يسود منطق يختصر المسافة بين المواقف في اطار ثنائية ضدية متخاصمة، تختصر المشهد السياسي المجتمعي في اطار المشاركة أو المقاطعة وما دونهما فراغ أو عدم!
وفي ظل هذه الثنائية الضدية يصبح العنف الوثوقي يطوق الرقاب، ويسد الأبواب، ويسقط البدائه على الأشياء الملتبسة، ولا يصغي للرأي الأخر، فأنصار المشاركة لا يؤمنون الا بالمشاركة دونها خرط القتاد، وأنصار المقاطعة لا يرون سوى المقاطعة مخلصة من العبث والأوهام!
في حين أن الموقف من العملية الانتخابية تتنازعه العديد من المواقف المركبة، تبعا لتركيب مكوناتها وظواهرها، وتتسع للكثير من الخيارات الأخرى.
فهناك نعم المشاركون المصوتون، منهم من يريد أن يشارك مشاركة منذمجة، في ظل دستور ممنوح، ويعتبره  دستورا متقدما بالمقارنة مع الدساتير السابقة، ارتقى بالحياة السياسية وجودها، وسمح بهامش من خدمة السلطة وليست ممارستها، لأن طريق الاصلاح في ظل الاستقرار، هو طريق بطيء ومتدرج وطويل الأمد، وهو الخيار المتاح، الذي يحفظ الأمن، ويصون الاستقرار، ويحافظ على الطمأنينة، لذلك فالواجب يقتضي أن نمارس الاختيار الممكن والمتاح والواقعي بين خدام الدولة الأوفياء، وبدون مزايدات سياسوية عقيمة، وهذا خيار شعبوي تحتضنه قيادات وقواعد القوى السياسية التقليدية والمحافظة، المستفيدة من الريع السياسي والاقتصادي.. وهناك من يدعو الى نوع من المشاركة الاحتجاجية، التي تعتبر التغيير ممكن من داخل النسق، برفع الصوت وإسقاط حاجز الخوف، وطرح برنامج نضالي يروم التأسيس لعملية سياسية تتسم بالعقلانية، بفصل القداسة عن السياسة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو خيار لا يزال نخبويا، وبحاجة الى تكثلات ديمقراطية وازنة، قصد قلب التوازنات السياسية المختلة.
 وهناك كذلك المقاطعون الغير مصوتين، وهؤلاء منهم من ينهج المقاطعة الناعمة بالاكتفاء بإصدار بيانات مجملة أو بلاغات سريعة، ويعتبر ذلك كافيا للتواصل مع مجتمع، أصلا هو عازف وفاقد  للثقة في كل مؤسسات الدولة، وبالتالي فالأمر هو تحصيل حاصل لديه، لا يحتاج لخرجات الإثارة، أو الاحتكاك أو التصادم مع مؤسسات الدولة الأمنية، وكفى المقاطعين شر النزال.. وهناك من يمارس المقاطعة الاحتجاجية الميدانية، بالنزول الى الميادين، وحث الناس على مقاطعة العبث والأوهام، مقدما التضحيات، ومعريا جوهر الدولة القمعية، التي تضيق بالرأي المخالف، ولا يتسع صدرها للمعارضة الجذرية أو المقاومة المدنية، فتكشف عن جوهرها المتعفن، وسلوكها البدائي، بمحاولة إخراس الأفواه، ومنع الحق في التعبير والتظاهر.
 بالإضافة إلى ذلك هناك طيف أخر ساقط من الحساب، هم العابثون الذي يشار لهم بالتعبير الدارج بـ “الممسوقينش”.. هؤلاء تتحكم فيهم سيكولوجية الانسان المقهور، فيفضلون الانكفاء على الذات، والخضوع للمتغلب في الحال والمآل، والعيش على أمل الانتظار، والجنوح نحو الخرافات والأساطير، وهؤلاء يكادون يمثلون الأغلبية الصامتة، التي إن تم توعيتها واستيعابها بشكل ايجابي، أن تغير موازين القوى، وتنسف كل المعادلات الاستبدادية الظالمة.
وحتى يكون ميزاننا دقيقا، وحفرنا في اركيولوجية المواقف شاملا، ينبغي أن لا ننسى فئة من المكونات السياسية والاجتماعية، التي لم يتح لها النظام السياسي حقها في الاختيار، فمنعها من حقها في التعبير والتنظيم، وحكم عليها بالإقصاء، فهؤلاء ليس من المعقول أن نسألهم هل  هم مشاركون أم مقاطعون أو عازفون؟! لأنهم لا يدخلون في هذه التصنيفات المدرسية المملاة، لأنهم ممنوعون ومقصيون، وضحايا الانتهاكات الجسيمة للحق في التعبير والتنظيم.. فهؤلاء شهداء على قصور العملية السياسية وانتقاءيتها، وأنها منغلقة ومغلقة على كل من فيه ولو نقطة شرف وحيدة، تجعله يرفض منطق “خدام الدولة الأوفياء”، ويصر على أن يكون من المواطنين الأحرار..
هذه الفئة التي أرادت أن تقتحم ساحة العملية السياسي بإقتدار، وحرصت على أن تكون ولادتها ولادة سليمة، متشبثة بالحق في الحياة الكريمة، وحريصة على صيانة استقلالية كياناتها السياسية والمجتمعية، من كل ما يلوث قراراتها من دخيل أو مملى أو مفروض، ومانعت ضد كل ما من شانه أن يحولها إلى ماركة مسجلة باسم المخزن ومحيطه وأجهزته، فكان الثمن هو المطاردة والاعتقال والمحاكمة والمنع والاقصاء، وضمن هؤلاء الممنوعون يمكن أن نذكر “حزب الأمة” مثلا و”حزب البديل الحضاري” و”الحزب الديمقراطي الأمازيغي” وغيرهم..
هؤلاء من المجحف ان نساءلهم عن موقفهم؛ أهم مع المشاركة أو المقاطعة؟! أو نصنفهم ضمن خط المشاركة أو المقاطعة؟! لأنهم غير معنيين بهذه العملية السياسية  برمتها، مادام حقهم في التعبير والتنظيم ابتداء غير متاح أو مضمون، فهم مقاومون من أجل هذه الحقوق الطبيعية إلى أن ينتزعوها، عند ذلك يمكن أن يقرروا ماذا سيفعلون؟! هل يشاركون أم يقاطعون؟! أما قبل ذلك فهذه الانتخابات لا تستحق عندهم حتى ثمن الحبر الذي كتبت به.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.