نص قصصي : الرسم على رغوة القهوة

صديقي نادل في اسبانيا ومهووس بالفكرة التالية: إن كب لزبون قهوته في فنجان، فكيف سيتمكن أن يرسم قلبا أو زهرة على رغوة الحليب؟

فكرت في صديقي المهووس بالقهوة وبفكرة الرسم والذي غالبا ما أزوره مرة في سنة أو سنتين لأني…لأني بكل بساطة، بصدد كتابة هذا النص. هذا الذي ما إن راودتني فكرة البداية فيه إلا وتذكرت الحبر الجريء لصديقة من نفس البلد وأسلوبها الواقعي الفج والبسيط الذي تتميز به.

أنا لدي أسلوبي الخاص بي، لكن الفكرة التي أريد أن أرسمها على رغوة الحروف في نص، تستعصي أن تظهر زهرتها أو قلبها إلا في وعاء الأسلوب الصديقة.

البارحة أنهيت يوما شاقا من الكد والعمل وراودتني رغبة أن اختم يومي بمشروب كي تسهل علي عملية الانتقال من متاعب العمل الى ما سأملأ به وقتي الخاص بي خارج العمل. لم أجد من الزملاء من يريد أن يشاركني الفكرة إلا ثلاثة زميلات. الواحدة هولندية شقراء تفضل أن تلحس وتحتسي رغوة الجعة الهولندية بدل أن ترتشف من كأس نبيذ مستورد. الأخرى مغربية بشعر مجعد ومتعرج وتتكلم الامازيغية كما يفعل طفل في الثالث من عمره، والثالثة مغربية أيضا ولا أعرف لون شعرها المغطى بأناقة كبيرة. حتى هي تتكلم الأمازيغية بنوتة غنج وغناء مسهب فيها، وكأنها لم تولد هنا في أحد المستشفيات الهولندية، وكأنها لم تخرج قط من رحاب حدود تمسمان، ‘فرنسا الصغيرة’ كما كنا في صغرنا نلقبها. اتفقنا أن نزور أقرب مقهى قرب مقر العمل ووقع الاختيار سريعا على ‘زوريخ’ وسط الميدان المسمى بماركاتور في أمستردام الشرقية. ما إن انعطفنا الى الشارع الذي يمر جنب الميدان إلا ونرى رجلا في الستين من عمره يلبس قبعة من قماش بال ويرتدي عباية بيضاء نصفها الأعلى مكسو بمعطف شتوي أسود. تحت عبايته يلبس سروالا قطنيا يصلح للرياضة أو للنوم.

كان الرجل يتبول أمام بناية بثلاثة بيبان على درج عال محاط بصور يحميه من كل الأنظار إلا أنظار الذين يأخذون الطريق الذي أخذناه نحن. إنه الوجهة الوحيدة المفتوحة على الدرج. حين رآنا الرجل ونحن نقترب منه وننظر اليه، ارتبك، وفي ارتباكه لم يتمكن أن يخفي عضوه الذكري الذي يمسكه بيده اليسرى مع قماش أبيض بينما يده اليمنى ترفع تلابيب عبايته التي يحاول أن يثبتها عاليا بوضعها بين ذقنه وصدره.

في ارتباكه هم بمغادرة ‘مكان الجريمة’ متجها صوبنا ومحاولا في نفس الوقتأن يجفف أيره بالقماش الأبيض قبل أن يرده الى موضعه ويغطيه بسرواله.

يده التي كانت ترتعش وامتنعت أن تنفذ المهمة. نظرات زميلاتي الى أيره جعلت المهمة مستحيلة وبقي أيره الغير المنتصب، منصوبا أمام أعيننا. أصبت بالخجل في مكانه وغضت النظر كي لا استشف شعورة وأسئلته في نظرته، لكن زميلتي المحجبة أغضبها الأمر وواجهت الرجل بملاحظاتها:

– حشومة الحاج ..أتفكر في صلاتك وفي أن لا تصيب سروالك بقطرة بول بينما أنت تتبول أمام أبواب منازل السكان وتظهر أيرك لنا …حشومة ..أليس هذا هو المنكر، أي حاج أنت؟ أتسمي نفسك برجل؟ على وقع هذه الأسئلة تمكن أخيرا أن يسيطر على ارتباكه ويفلح في خبء أيره وفي غضب شديد يدخل في المواجهة التي لم يستعد لها.

– ماذا دهاك يا امرأة، ألا تستحيين؟ هنا..من منا رجل؟ أنا أم أنت؟ ‘اتفو’ على النساء مثلك، “اتفوا” على التربية، أيعجبك النظر في الأيور؟

– نعم استمتع بالنظر اليها، لكن ليس في أيرك، أتقزز من الفكرة ومن ما اضطرت أن أراه. وأنت هو السبب. أنا لم أختر أن أراك في هذه الوضعية، أنت الذي أقحمتني فيها. انظر الى نفسك أولا قبل أن تشير بأصبعك.

– الآن تجاوزت الحدود.. كان عليك أن تغضي من بصرك، هكذا تفعل مسلمة متحجبة، أما أنت فجهنم مصيرك، اخلعي عنك حجابك واذهبي لتبحثي عن الرجال وتملإي فرجك بالأيور..فالله ، أقسمك بالله ، أن الله لا يفتح لك أبواب الجنة ما تحجبت وما استغفرت. نظر الرجل لاول مرة حوله ليرى جموعا تقترب منه وتتفرج عليه وواصل كلامه لينهي المشهد المحرج. – والآن اذهبي الى حال سبيلك.. لقد تجاوزت كل الحدود – أنا ليس لدي أين سأذهب، انصرف أنت واختفي عن أنظاري

– ألا تفهمين يا حمقاء. أتريدين أيري، انتظري سأخرجه لك…

نسى المكان والحاضرين وبدأ يلوح أمام أعيننا بيده وأيره بينما الناس تجتمع حوله. رأيت شرطيا يصل الى عين المكان على دراجته النارية وغادرت المكان مع زميلتي الهولندية. الزميلتين المغربيتين التحقتا بنا لاحقا.

– لو بقيتما لرأيتما كيف تغير الرجل المسكين وكيف بدأ في حضور الشرطة يتوسلني أن أسامحه. أحسست بالذنب وهو يتسول الشرطة تقريبا على ركبتيه لكي لا يسجلوا له غرامة على بوله.

******

مائدتنا امتلأت بوردة وشمعة مضاءة، بكأسين من ماء غلى وحشي بأخظر النعناع وبكأسين من جعة رغوتها لا تصلح لأي رسم مهما كانت الفكرة والمحاولة.في وسط المائدةها صحن ممتلء بأنواع عدة من الجبنة الهولندية- لماذا لم تتدخل أنت لتنقذني من ذالك الوضع المحرج، سألتني الزميلة:

– لو فعلت لاتهمتني بالوصاية على النساء واحتقارهن والتصغير من امكانياتهن. لم أفعل لأني أعرف أنك ستتولين أمره أحسن مما أنا قادر عليه… وقع الرجل في خطإ اعتقاد بأنك لم تترعرعي هنا وأنك رغم حجابك مشبعة بالثقافة الهولندية المباشرة والتي لا تعرف اللف ولا الدوران

– لا علاقة لما وقع بالثقافة الهولندية، إنها في دمي وورثتها من جدتي. تحدث عن جدتها وعاد موضوع الأيور الى الطاولة.

– أنا الآن متأكدة جيدا صديقتي أنك لن تتعرضي في حياتك كلها لسرقة باستعمال حيلة الايور، قالت الزميلة المجعدة الشعر وسألتها أن تفسر:

– تعرف أن المهاجرين عند عبورهم على السيارة الى المغرب، يتعرضون لعمليات سطو وسرقة في إسبانيا. أعرف امرأة تعرضت للسرقة عندما تركها رجلها خلفها في السيارة ليتبضع. جاءها رجلين وفتح واحد سرواله وأخرج منه أيره وبدأ يلوح به في وجهها. انتابها شعور بالحياء وغطت بيدها عينيها، حينما غادر الرجل الغريب عين المكان وفتحت هي عينيها، وجدت حقيبتها وحقيبة الرجل بجوازات سفرهما والنقود وأساور ذهبها، وجدت كل شيء وقد تمت سرقته من طرف اللص الذي رافق الرجل ذو الأير.

على الأيور دار الحديث طول الجلسة المسائية.

قريبا سأزور صديقي في اسبانيا التي ستعطي نفسا جديدا لكتاباتي. أتمنى لصديقي هذا أنه الآن قد فك لغز الرسم على رغوة الحليب.

تعليق 1
  1. imane bounhir يقول

    شكرا لكم شكرا لكم شكرا لكم لأنكم أفدتمونا نرجو منكم المزيد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.