نساء على هامش الصفحة

منعم وحتي

منسيات الثامن من مارس، لا تذكرهن صالونات الاحتفالات بالذكرى، و لا تحتفي بهن رسمية البهرجة، لكنهن نساء ولدن من قلب نساء، نساء لسن كالنساء في قاموس بعض النساء، نساء تشد على قاعدة لا ندري أي يد آثمة وضعتها، نساء وضعن على هامش مجتمع النساء، و هن نساء من صُلب نساء، فمن أحَلَّ وضع كلمات بالمؤنث، بعضها بالصفحة و بعضها على هامشها.

عاهرات منتصف الليل قسراً، يحتفظن بما تبقى من أنفتهن، رغم توحش المكان بفحولة مريضة، ينتفضن ما استطعن ضد انتهاك مهين للجسد في سوق لا ترحم، فللروح حُرمتها، يمكن أن يتملكوا جسدا منهارا، تعلوه أصباغ المساحيق لا الروحَ، صراخهن الداخلي يملء جنبات المكان، لكنه لا يصل إلى حناجرهن، يوما ما سيَصمُّ آذان جزاري اللحم الآدمي عنوة، جزارون من طينة الذئاب.

عاملات الحقول المترامية على أطراف القرى، تحملهن الشاحنات منذ الفجر، أجساد مكدسة، يد عاملة رخيصة، ويُسْتَرْخَصُ الجسد بشكل مزدوج، حين تتربص أياد آثمة بأنوثتهن إكراها و الصراخ ممنوع، وحين غروب الشمس، بعد يوم عمل منهك، تبتلعهن نفس الشاحنات، يختلط العرق بالتراب، لكن شدو أغانيهن الريفية تبدد انتهاك يوم مر وسط الذئاب.

فتيات دور الأيتام و الخيريات، يقف العابر مشدوها أمام ذكائهن ونباهتهن، و تقاسيم وجوههن المبتسمة، و التي تخفي في ثناياها حزنا دفينا، شاءت الأقدار أن يفقد أحدهم آدميته ذات نزوة عابرة، ليلقي فلذة كبده على قارعة الطريق، لتُفْتَحَ باب جهنم على كل صنوف الرِّقِّ المعاصر، أجساد على مرمى كل السهام، لا يتنفسن ريح الهواء النقي إلا حين يقفزن من على سور الحديقة خارج المبنى، حذاري فالذئاب تتربص خارجا.

خادمات البيوت، ينتقلن كالفراشات، من المطبخ إلى غسيل الملابس، تأكل مساحيق النظافة أيديهن، إهانة من الصغار و الكبار، فعهد القِنَانَةِ لم ينته بعد، يظن البعض أنه آن لها أن تستريح بعد أن تأوي ساكنة القصر إلى فراشها، لكن وحشية الليل أشد وطأة من انتهاك النهار، صمت القصور ليلا يخفي فضاعة اغتصابات مؤلمة، ويبقى الأنين حبيس جنبات امرأة، غالبا قاصرة، و رغم هزالة أجر النهار، فالليل غير مُؤَداً عنه، يقتسمه الأب و السمسار آخر الشهر، ذئاب اختلطت مع بعضها.

سجينات، نساء أيضا، فقدن حريتهن، لكن لم يفقدن آدميتهن، يبددن رطوبة الجدران و صدأ القضبان الحديدية، حين يخلقن أجواء الفرح من لا شيء، أيام السبت، حين تذكر تواريخ الميلاد و الأعياد، دقات كؤوس على الأعمدة الحديدية للأَسِرَّةِ، و جو البهجة و حتى الأعراس تملء المكان، أليس لهن نصيب من الفرح أيضا، سطوة السجن و السجان تحاول نزع الانتماء الى مجتمع النساء عنهن، ويمكن أن تصادف في الردهات و الممرات المظلمة للسجن ذئبا آدميا ينتظر سقوط فريسة سهلة.

نساء أَلِفْنَ، ضرب المسافات الطِّوال، صحارٍ و جبالا، أرجل متشققة، من شدة البرد القارس و سطوة الحر، أجساد نحيفة، من أجل جرة ماء يطوين الأرض مشيا، أحزمة الحطب قوست ظهورهن، و أحيانا تشاء الأقدار أن تنضاف الأشغال الشاقة على حمل الرضيع على ظهرها كل هاته المسافة، فلا يمتص جزء من اعتصار ألم القسوة المُوَجَّهَةِ، إلا طفلها يبادلها همهماته الرائعة طول الطريق، طريق وعرة لا تخلو من ذئاب أيضا.

فلنتذكر و نحن نقتسم كعكة الاحتفال بنساء الأرض، أن هناك نساء غير النساء و من جنس النساء، فلنحتفل حتى بالنساء اللواتي على هامش الصفحة، فقد يستحقن مكانة أرحم على واجهة الصفحة. كل احتفال و أنتن بألف خير، فأنتن أكثر من نصف المجتمع…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.