ندوة أمستردام الدولية تحت شعار: “استعمال أسلحة الدمار الشامل بالريف والطريق نحو العدالة الدولية”

نظمت مجموعة عبد الكريم الخطابي يوم السبت فاتح مارس 2014 ندوة دولية بأمستردام  تطرقت لموضوع استعمال الأسلحة الكيماوية خلال حرب التحرير الشعبية بقيادة الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي من سنة 1922 حتى 1927.

أطر الندوة مجموعة  من الباحثين المتخصصين بتسيير من د. عبدالرحمان العيساتي قام بافتتاحها محمد الرباع النائب البرلماني السابق بالبرلمان الهولندي. تهدف الندوة إلى  تسليط الضوء على هذه الجريمة التي ارتكبت ضد الإنسانية، وإلى جمع المعطيات العلمية حتى يتسنى للمجموعة المنظمة الاشتغال على تكوين ملف مطلبي معزز بأدلة وحجج وبراهين علمية ثابتة سيمهد الطريق نحو العدالة الدولية لاحقا.

جرائم حرب ضد شعب الريف

مهما توارى تاريخ الشعوب وراء ظلال الزيف والتمويه الذي تخلقه القوى الأكثر قوة ونفوذا في كتاباتها وليس في صناعته، فإن هذا التاريخ يعود بقوة وبكل أصالة إلى السطح بفضل القوى الحاملة لذلك التاريخ.

إن  معرفة التاريخ أصبحت في الوقت الراهن بمثابة الحصانة الذاتية للشعوب التي تخضع للإقصاء  محلياً، إقليمياً أو دولياً. تلك حالة تاريخ الشعب المغربي بشكل عام وتاريخ أهل الريف على وجه التحديد. فعلى الرغم من تحايل المؤرخين الرسميين وتواطئهم مع قوى خارجة عن مجال اختصاصاتهم، من أجل تشويه الثورة التحريرية لمحمد بن عبد الكريم الخطابي وإنجازها العظيم المتمثل في تأسيس جمهورية ذات نظام سياسي وإداري حديث، فإن مؤرخين وباحثين آخرين تمكنوا بنزاهتمهم العلمية من إعادة تركيب السياقات التاريخية الصحيحة والفعلية لهذه الثورة. إن ما اكتشفه المؤرخون في العقد الأخير من القرن الماضي يمثل جبن كل من إسبانيا، فرنسا وألمانيا في استعمالهما لوسائل الدمار الشامل من أجل القضاء على ثورة عبد الكريم ومقاومته وعلى مشروعه النهضوي بشمال إفريقيا. فتأييد بل تسهيل فرنسا لاستعمال الغازات السامة ضد أهل الريف، بتواطىء مع السلطة المركزية بفاس، كان موجهاً في الأساس ضد دولة حديثة في شمال إفريقيا وموجها للقضاء على هذا الكيان الذي أراد أن يقطع مع البنيات العتيقة لدول الخلافة الإسلامية حيث رأت فرنسا خطورة وجود جمهورية حديثة على حلفائها التقليديين في المنطقة وعملت على سحقها في المهد.

تقويض جمهورية الريف

تطرق الصحافي والكاتب الألماني رودبيرت كونز خلال مداخلته بهذه الندوة  إلى تفاصيل دقيقة وحقائق جديدة توصل عندها مؤخرا حول استعمال الأسلحة الكيماوية  بالريف من خلال اعتماده على وثائق جديدة كسلاح وبرهان على الجريمة التي ارتكبت في حق الريف. بالكلمة والصورة أشار رودبيرت كونز إلى أماكن صنع الأسلحة الكيماوية في إسبانيا وإشراف الملك الإسباني آتذاك أوفونسو الثالث عشر  على علمية إنتاج اسلحة الدمار الشامل، نقل الأسلحة الكيماوية إلى مليلية، تعبئة الطائرات الحربية بهذع المادة الفتاكة…..إلخ. كما عرض الباحث كونز أيضاً صورا تاريخية نادرة يظهر فيها الملك ألفونص الثالث عشر وهو يصغي إلى الخبير الألماني  Hugo Stoltzenberg المختص في صناعة الأسلحة الكيماوية والعضو بشركة شنايدر. كما عرض كونز صوراً لمواقع معمل الأسلحة الكيماوية في الجنوب الإسباني وصورا فضيعة لمداشر ريفية تقصف بهذه المواد ذات الدمار الشامل.

تعرض الباحث إلى عديد من القضايا بخصوص هذه الأسلحة المحظورة التي كانت السبب في الاختناق والموت الجماعي، ليس لأهل الريف ومواشيهم فقط، بل كانت  أيضاً سببا في تقويض مشروع الدولة الريفية الحديثة.  إن كونز الذي شارك في تسعينات القرن الماضي في تأليف كتاب ” الغازات السامة ضد عبدر الكريم” والذي كشف من خلاله النقاب لأول مرة على هذا الموضوع يتبين لنا بهذا  بأن إسبانيا وفرنسا – بتواطىء ألمانيا والسلطان يوسف آنذاك – استعملتا الأسلحة الكيماوية  المحظورة دوليا برغم كون الدولتين من الموقعتين على معاهدة حظر استعمال الأسلحة الكيماوية بجنيف.

أسلحة الغازات السامة أم أسلحة كيماوية؟

أشار الدكتور الأستاذ ميمون أشرقي في مداخلته  إلى استعمال أسلحة الدمار الشامل التي تعد بمثابة أسلحة كيماوية مدمرة. وقد كشف بن شريف عن أمر لم يكن معروفا مفاده أن الشركة التي انتجت في عشرينات القرن الماضي كيماويات الغاز الحربي ما تزال نشيطة إلى حدود اليوم. يتعلق الأمر بشركة Schneider التي أصبحت تسمى حاليا بـ: Schneider Electric . يستند الباحث أشرقي في    ” تصحيحه”  لتسمية الأسلحة المستعملة إلى قرائن علمية تتعلق بمفعول السلاح المستعمل. وقد كان  الباحث كونز قد أسهب في شرح مفعول الغازات السامة على ضحاياها كالغثيان، ألم حاد في الأمعاء، الرئتين ثم اختناف التنفس. غير ان ما شوهد في الصور الفوتوغرافية لأشخاص من الريف عرضت أثناء الندوة يثبت أكثر من هذا، حيث تعرضت الساكنة لتشوهات عميقة على مستوى الوجه، الشيىء الذي لا يمكن ان تسببه الغازات السامة. هذا الطرح عززته مداخلة الأستاذ ميمون أشرقي من خلال إثارته للآثار السلبية التي ما تزال تعاني منها البيئة الريفية. وقد أشار في مداخلته إلى أمر هام جداً يتمثل في  النسبة  المرتفعة وطنيا للمصابين بمرض السرطان بالمغرب والذين ينحدرون من منطقة الريف.  اعتمد الأستاذ ميمون أشرقي على التقارير الطبية الرسمية وغير الرسمية في المغرب، ويؤكد أن الحالة في الريف تحتاج إلى المزيد من العناية. وقد فند في ذات المداخلة ما يقال على أن المواد المهربة من مليلية هي التي تسبب في الإصابة بمرض السرطان مؤكداً أن هذه الادعاءات هدفها الوحيد هو التظليل لا غير. إنها بقايا الكيماويات التي استعملت في منطقة الريف ما بين 1925 و1926. الأمر نفسه يؤكده االباحث البريطاني سيباستيان بلفورد الذي  تحدث عن الحالات التي استعمل فيها الغرب الاستعماري الأسلحة الكيماوية وأيضاً التبرير الكولونيالي المتعجرف لهذا الاستعمال. فأهل الريف، مثل أهل الحبشة (إثيوبيا) كانوا في نظر المستعمر الغربي بمجرد “حيوانات متوحشة”  حياتها أو موتها سيان. هناك حسب  الأستاذ بالفور سيباستيان ما يكفي من الدلائل التاريخية الملموسة الدالة على لجوء إسبانيا وفرنسا إلى استعمال الأسلحة الكيماوية من اجل وضع حد لجمهورية الريف. وتبقى بهذا أيضا  مراسلات المارشال ليوطي مع رئاسة الحكومة الفرنسية آنذاك من الأمور الثابتة والدالة على أن فرنسا كانت تستهدف تقويض الجمهورية ككيان سياسي من أجل تشديد حمايتها للسلطنة. ومراسلات ليوطي سبق بأن اشار إليها أيضا علي الإدريسي بتفصيل في كتابه ” عبد الكريم، التاريخ المحاصر” .  إن سبستيان بالفور أثناء تقديم كتابه ” عناق الموت” ببرشلونة 2002 بحضور وزير الدفاع الإسباني السابق، نفى هذا الأخير آنذاك أي علم له باستعمال إسبانيا الغازات السامة بالريف وتنكر لذلك.

ما العمل ؟

لا أحد من الجهات الرسمية يريد النبش في الماضي وتحريك ملف استعمال الأسلحة الكيماوية بالريف  لإيصاله إلى الجهات الدولية المختصة. لهذا يبقى دور المجتمع المدني في هذا الباب رئيسياً حسب الأستاذ ميمون أشرقي . المجتمع المدني قادر على التأثير من أجل إعادة الاعتبار لقضايا تاريخية وطنية مثل قضية اغتيال شعب وتقويض جمهورية الريف. هناك بلدانا اعتذرت لبلدان اخرى، هناك بلدان جبرت ضرر بلدان أخرى، كما هناك بلدان تساعد بلدانا أخرى بسبب ما ألحقته بها من أضرار في الماضي. وإن بلدا مثل المغرب لا يرغب في المطالبة بحقوقه التاريخية. وما دام المغرب الرسمي لا يريد أن يطرح مثل هذه القضايا أمام العدالة الدولية فإن مهمة المجتمع المدني في المغرب وفي الريف على وجه التحديد  تبقى مهمة أساسية وواجبا تاريخيا.

ففي مداخلته أثناء نفس الندوة قدم الدكتور مصطفى بن شريف لمحة عن الحالات التي بتت فيها العدالة الدولية وأيضاً الحالات التي بادرت فيها الدول المعتدية إلى التكفير عن جرائمها إما معنوياً عبر الاعتذار أو مادياً عبر التعاون والعمل المشترك على المستوى الاقتصادي. يبقى السؤال هو ما إذا كانت المتابعة القانونية الآن ممكتة قانونية بعد مرور قرن من الزمن بالتقريب هلى ثورة الريف؟ في هذا الصدد يرى الدكتور بن شريف أنه من العبث اللجوء إلى القانون الفرنسي لأنه لا يعترف بالقاضايا التي حدثت قبل 25 سنة والتي يطالب بها أشخاص أو منظمات. فهل يعني هذا أن التغريد حول المتابعة لا يطرب؟ أبداً، إذا كانت هناك سبل وطرق أخرى يمكن أن يسلكها المرء من أجل وضع القضية على الصحن الدولي، قد تكون البداية بمساءلة شركة شنايدر إليكترونيك التي لا تزال تشتغل بصفة قانونية وبشكل مختلف عن البداية. حسب بن شريف تعد شركة شنايدر إليكتريك التي كانت تنتج سابقا لأسلحة كيماوية هي بداية التحرك قصد توجيه الاتهام لها، خصوصاً وأن هذه الشركة مسئولة على إنتاج الأسلحة الكيماوية التي ضرب بها الريف. فالذي ينبغي متابعته بتهمة الاستعمال هي إسبانيا ومن ثم فرنسا باعتبارهما  دولا متواطئة بشكل مباشر.

قضية المتابعة القضائية لكل من إسبانيا وفرنسا قضية أرادت ان تشتغل عليها مجموعة عبد الكريم الخطابي بهولندا. ووعيا منها لحجم هذا العمل ونظراً لسكوت المغرب سكوت القبر على هذا الحق، قررت المجموعة الاشتغال على الملف بالتنسيق مع العديد من الأطراف، الجهات والشخصيات الدولية، منها الشخصيات المشاركة في ندوة أمتردام الدولية. يقول المثل الهولندي: Geschiedenis compenseert identietitscrisi: معرفة التاريخ تعالج أزمة الهوية.

بعد ختام الندوة تمت جلسة دراسية بين الفريق المنظم للندوة وبين الخبراء المدعوين قصد دراسة إمكانية مواصلة العمل وإمكانية العمل المشترك في هذا الصدد والتفكير وسائل التمويل وفي تطوير فريق العمل إلى منظمة تختص بمتابعة جرائم ضرب الريف بأسلحة الدمار الشامل.

عن مجموعة عبد الكريم الخطابي بهولندا. 

امستردم 1 امستردم 2 امستردم3 امستردم 5 امستردم 4

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.