نخبة فاسدة

خالد أوباعمر

في سياق النقاش الذي تفجر على خلفية ما بات يطلق عليه في الصحافة الوطنية وفي مواقع التواصل الاجتماعي بفضيحة ” خدام الدولة العقارية” و التي كشفت جشع عدد من الشخصيات السياسية وكبار المسؤولين في الدولة من الإدارية الترابية الى الجيش مرورا بالمحيط الملكي، أطل على تلفزيون فرانس 24 ، أستاذ جامعي مغربي يدرس القانون في كليات الحقوق فشرع في تبخيس الفضيحة التي اعتبرها فرقعة تهدف من خلالها بعض الأطراف السياسية تحريك المجتمع المدني وإخراجه للشارع من أجل مصالح انتخابية!!

شخصيا لم يفاجئني كلام هذا الأستاذ ولن أفاجأ بكلام العشرات من أمثاله مادام أن الغاية التي تبرر الوسيلة بالنسبة لهم معلومة ومعروفة ولا يمكن لعاقل لبيب أن يخطئ عنوانها لا سيما إن كان يقرأ لحمودي ونور الدين الزاهي  السوسيولوجي المغربي الذي تناول في كتابه الزاوية والحزب في المغرب ثلاثية التقرب والتسلق وتوزيع النعم..

غير أنه يؤلمني  أشد الألم أن يصدر مثل ذلك الكلام عن أستاذ جامعي يدرس العلوم السياسة في مدرجات كليات الحقوق لأن الفضيحة التي أريد لها من طرف بعض الجهات أن تلبس لبوسا سياسيا هي في العمق  فضيحة سياسية وقانونية وأخلاقيا بامتياز وتطرح أكثر من سؤال إذا أخدنا بعين الاعتبار  ما جاء في بلاغ وزارتي الداخلية والمالية الذي أحال على مرسوم يعود لسنة 1995 تبين في آخر المطاف أنه لا أثر له في الواقع والمبتدئ في القانون يعرف أن القوانين لا تصبح سارية المفعول إلا بعد نشرها في الجريدة الرسمية..!

 هل يشرح لنا الأستاذ الجليل صاحب نظرية المؤامرة طبيعة الأسس القانونية لعقود البيع التي تمت على أساسها عمليات التفويت؟ ما رأي الأستاذ الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري في مقتضيات مرسوم 5 مارس 2002 الذي غير المادة 82 من المرسوم الملكي لسنة 1967 بسن نظام عام للمحاسبة العمومية بما يلي ” يباشر بيع العقارات من ملك الدولة الخاص عن طريق المزاد العلني ماعدا إذا نصت أحكام تشريعية أو تنظيمية على خلاف ذلك”

هل فوتت البقع الأرضية في “الكلوميتر 9”  عن طريق المزاد العلني وفي احترام تام للمساطر القانونية الجاري بها العمل أم بناء على طلبات خاصة كما يستشف من خلال المراسلة الجوابية التي توصل بها إدريس لشكر من مدير الأملاك المخزنية الذي أسند له القطعة الأرضية رقم 68 بتجزئة الزاهرية بالرباط؟ هل هناك أحكام تشريعية أو تنظيمية تنص على خلاف ذلك؟ هل يمكن لأستاذنا الجليل أن يشرح لنا السر وراء نشر أسماء شخصيات نافدة اسند لها بدورها بقع أرضية في نفس التجزئة باعتماد تقنية الأحرف الأولى لاسمهم الكامل؟

الغريب و العجيب في كلام أستاذ العلوم السياسية صاحب مركز الدراسات الإستراتيجية الذي ننتظر إنتاجاته بفارغ الصبر مثل غيره من المراكز الأخرى أنه قارن بين ما لا يقارن عندما استحضر قانون التعاونيات الذي صدر في زمن الحسن الثاني لتبييض الفضيحة والتدليل أن الدولة ساعدت صغار الموظفين قبل أن تنعم عن خدامها الأوفياء  وكأن الموظفين الذين كانوا ينتظمون في إطار التعاونيات السكنية كانوا يستفيدون من الأرض بطرق مشبوهة كما تبين من خلال فضيحة ” خدام الدولة” حينما أحال بلاغ الداخلية والمالية على مرسوم لا أثر له ولم يعد مقبول دستوريا حتى إذا قمنا بمواءمته مع مقتضيات دستور فاتح يوليوز الذي ربط بين المسؤولية والمحاسبة وأقر مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ومنع تضارب المصالح.

تحميل المسؤولية لحزب العدالة والتنمية، وإلباس الفضيحة العقارية التي تنم عن جشع كبار المسؤولين في الدولة من مختلف المواقع لبوسا سياسية، وغض النظر عن ما هو حقوقي وأخلاقي وقانوني ودستوري من طرف أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري، اعتبره تحقيرا للرأي العام وتبخيسا لفضيحة بجلاجل كما يقول المصريين. كما أرى فيه تماهيا غير مسؤول لا أكاديميا و لا أخلاقيا مع بلاغ وزارتي الداخلية والمالية الذي وصفه الأستاذ حسن طارق بالبلاغ البليد، وهو محق في ذلك، لأن المعطيات التي ظهرت فيما بعد أثبتت بما لا يدع أي مجال للشك بأن هناك جهات داخل الدولة تتصرف في ثروات و مقدرات الشعب المغربي بعبث كبير كما لو أن البلد بقرة حلوب !!

ما الذي حال دون الإجابة على أسئلة السادة النواب إن كانت الفضيحة  فقاعة حسب وصف الأستاذ الجامعي لها في قناة فرانس 24؟ لماذا صمت الوزيرين حصاد وبوسعيد صمت القبور بعد أن أثيرا اسميهما كمستفيدين من أرض الكيلوميتر 9؟

أسئلة أتركها مفتوحة لأستاذ العلوم السياسية الذي يعطي الدروس في القانون لطلبة الحقوق لكي يجيب عنها بعيدا عن نظرية المؤامرة والاتهامات السياسوية التي لا تأخذ بعين الاعتبار تفاعل الرأي العام مع الفضيحة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.