ناهض حتر..كثيرون تكالبوا على قتله

محمد المساوي

اغتيال الكاتب والمفكر الاردني ناهض حتر جريمة ارهابية بكل المقاييس.
ناهض حتر ليس رساما كاريكاتوريا كما تهيأ لاغلب الناس، الرجل شارك على صفحته الفايسبوكية رسما كاريكاتوريا يصور تمثل الدواعش لله. الكاريكاتور اثار ضخبا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، وأُنشئت صفحات على الفايسبوك للمطالبة بمحاكمة حتر وبالقصاص منه، حينها حذف حتر الكاريكاتور من صفحته وكتب توضيحا جاء فيه :” الكاريكاتور يسخر من الإرهابيين وتصوّرهم للرب والجنة، ولا يمس الذات الإلهية من قريب أو بعيد، بل هو تنزيه لمفهوم الألوهة عما يروّجوه الإرهابيون” وأضاف :””الذين غضبوا من هذا الرسم نوعان: أناس طيبون لم يفهموا المقصود بأنه سخرية من الإرهابيين وتنزيه للذات الإلهية عما يتخيل العقل الإرهابي؛ وهؤلاء موضع احترامي وتقديري، وإخونج داعشيون يحملون المخيال المريض نفسه لعلاقة الإنسان بالذات الإلهية، وهؤلاء استغلوا الرسم لتصفية حسابات سياسية لا علاقة لها بما يزعمون”.
بعدها أمر الوزير الاول الاردني وزير الداخلية لفتح تحقيق مع ناهض، وبعد ذلك صدرت مذكرة بحث في حق ناهض فقام بتسليم نفسه بمجرد علمه بوجود المذكرة، تم الاحتفاظ به للتحقيق معه لاسبوعين، وافرج عنه بكفالة مالية.
صباح اليوم الاحد 25 شتنبر كان في طريقه الى المحكمة لحضور احدى جلسات محاكمته، خارج مبنى المحكمة أطلق عليه احدهم اربع رصاصات قاتلة، نقل الى المستشفى حيث فارق الحياة بعد وقت قليل من تلقيه الرصاصات القاتلة، وتمكنت عناصر الامن الاردينة من اعتقال القاتل فورا، وقيل انه شخص ملتح قدم الى الاردن من الخارج لتنفيذ الجريمة.
ناهض حتر كاتب يساري عنيد، له مواقف جرت عليه الكثير من الانتقادات، مثل موقفه من اللاجئين الفلسطينين في الاردن، وموقفه الداعم لبشار الاسد..
اغتيال ناهض حتر جريمة بشعة، ستكون له تداعيات خطيرة، خاصة أن حتر من اصول مسيحية وإن كان هو يساري علماني..
داعش قتلت ناهض حتر، لكن تورط السلطات الاردنية ثابت في هذه الجريمة، كيف تحاكمه على منشور شاركه على صفحته الفايسبوكية رغم أنه عاد وحذفه، كما كتب توضيحا ينفي فيه أي نية في الاساءة إلى الله او الدين الاسلامي، وكيف تغاضت هذه السلطات عن توفير الحماية لناهض وهي تتابع دعوات القصاص منه؟ كيف تمكن هذا الارهابي من اغتيال حتر امام مبنى المحكمة بدم بارد، وقيل ان القاتل قدم من خارج الاردن؟ وقد حملت عائلة ناهض السلطات الاردنية مسؤولية الجريمة لعدم توفير الحماية اللازمة له.
كما أنه ليس من المستبعد تورط أجهزة مخابرات دول اخرى في هذه الجريمة، إما عبر تسهيل العملية او تقديم الدعم الفني للقاتل، ناهض كان من أشد المهاجمين للنظام السعودي وللاخوان، وفي المقابل كان من أشد انصار حزب الله وايران وبشار الاسد..

تعرفت على كتابات ناهض حتر اواخر التسعينيات، حين كانت أقلام أغلب الكتّاب اليساريين قد أصابها الخرس نتيجة السقوط المدوي والتراجيدي للاتحاد السوفياتي، وبعضها اختار الانتقال بفجاجة إلى الضفة الأخرى وراح ينظّر هو الاخر للعالم الجديد، تماشيا مع ديكتاتورية “النهايات” التي بشّر به النظام الامبريالي الامريكي، على لسان مفكرها وعرابها فرانسيس فوكوياما..
حينها تفرق الكتاب الماركسيون العرب شذر مذر، منهم من ارتمى مباشرة في المشروع الامبريالي وراح يكتب ويبرر تدفق الدبابات الامريكية لاحلال الديموقراطية في العراق وفي المنطقة، كما هو حال فخري كريم ورفاقه، وبعضهم اشاح بقلمه عن الراهن السياسي وراح يكتب بعيدا عن هواجس العمال والكادحين…إلاّ فئة قليلة ظلت تكتب بغزارة ونشاط، واستمرت مجلة الطريق اللبنانية تحتضن مقالاتهم النقدية لليسار العربي، ومقالاتهم التحذيرية من مآلات المنطقة، كان ناهض حتر من بينهم إلى جانب هشام غصيب واخرون…
ناهض حتر لم يكن يخصص كتاباته للاسلامين ولا لنقد الدين الاسلامي، كان ينتقد المشروع السياسي للاخوان ويعتبره اداة في يد الامبريالية الامريكية، لم يدخل في نقاش لاهوتي حول قضايا الشريعة والعقيدة. أكثر مقالاته النقدية كانت ضد اليساريين والقومين العرب، كتب عن هؤلاء اكثر بكثير مما كتبه عن الاسلاميين…
بعد بداية الانتفاضة السورية، اصطف حتر الى جانب النظام السوري، وشكل جمعية شعبية في الاردن للدفاع عن سوريا، هنا بدأ اصطدامه مع المجموعات المتطرفة، التي تعتبر كل مدافع عن بشار هو في منزلته…
ناهض حتر ليس رساما ولا كاريكاتوريست، فقط قام بمشاركة الرسم الكاريكاتوري على صفحته الفايسبوكية، ولم يُسجل عليه استفزاز الناس في معتقداتهم، كان يستفزهم سياسيا نعم، ولكن لا يتطاول على معتقداتهم، ولذلك سحب الرسم الذي شاركه (وليس رسمه) من صفحته الفايسبوكية عندما رأى ان الناس اعتبروه مسّا بمعتقداتهم..
ناهض حتر تعرض لمحاولة الاغتيال سنة 1998 وحينها غادر الاردن للاستقرار بلبنان، ولم يلبث طويلا حتى عاد إلى بلده، وفي سنة 2008 منع من الكتابة في الصحف الاردنية، وظل ينشر في الصحافة اللبنانية خاصة “الاخبار”.
دماء ناهض حتر لن تقف عند يد ارهابي بليد ازهق روحه برصاصات جبانة، ثمة كثيرون تكالبوا لقتل ناهض، لأن جثته ستحقق لهم مكاسب سياسية او هكذا اعتقدوا…
ناهض حتر ودع الحياة منتصرا على الاوغاد، قتلوه أمام ابنه وهو يتسلق درجات مبنى المحكمة لحضور احدى جلسات محاكمته، خافوا حتى من محاكمته فقتلوه امام المحكمة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.