“ناس الغيوان” الظاهرة الفنية الثائرة

’الصينية’…’الحصادة’…’مهمومة ’…’يوم ملقاك’ أغاني تغنت بها الأجيال…ورقصت على أنغام موسيقاها الغيوانية…”ناس الغيوان” تلك المجموعة التي ولدت من رحم المعاناة الاجتماعية وكسبت قلوب ملايين المغاربة بل وتجاوز إشعاعها حدود المغرب، صدح صوتها مناديا بالتغيير معبرا عن ألم دفين عاشه أفرادها جراء الفقروالحكرة والطبقية، فكانت قصائد الغيوان لحنا وكلمات مرآة المواطن المقهور ومنبره للاحتجاج عن الظلم والفقر وانتشار الغدر والخيانة واندثار الأخوة والحب والإنسانية.

استطاعت مجموعة “ناس الغيوان” بقيادة العربي باطما وبوجميع من كانت تجمعهم صداقة قوية وفكرة المشروع أن تحقق نجاحا وتهيج جمهورها العريض من خلال تجديد في الأغنية الشعبية المغربية وموروثها ، فكانت “ناس الغيوان” مزيجا من تراث “العيطة” و”الملحون” وقصائدها مستوحاة من التراث الشعبي بكل مرجعياته الدينية والصوفية والاجتماعية، جعل منها تنتج نمطا فنيا منفردا انبثق من عمق التراث المغربي، هذا التزاوج بين مختلف وأشكال التراث الشعبي الذي أنتج الظاهرة الغيوانية جعلها تغزو كل بيت ويردد قصائدها الصغار والكبار حتى في مناسباتهم وأفراحهم.

لقد كسر “ناس الغيوان” حاجز الصمت والخوف الذي كان يرتاد المواطن المغربي آنذاك في حديثه عن السياسة أو المخزن أو مختلف مظاهر الاستبداد والظلم…فنقلت مجموعة الغيوان صوت الحق والعدل والمساواة والحرية إلى خشبات المسارح وقاعات السينما حيث كانت تقام الأمسيات الفنية لناس الغيوان، فحصل تجاوب الجماهير التي كانت تحج إلى القاعات قصد مشاهدة الغيوان واستنشاق حرية التعبير وحق الاحتجاج في بداية السبعينيات وفي مرحلة كان يعرف فيها المغرب تحولا ثقافيا وفكريا ومجتمعيا، يسرد العربي باطما في سيرته الذاتية –الرحيل- موقفا في إحدى العروض يعبر عن هذه الحالة عند الجمهور:

“…فعندما كان الناس يريدون التكلم في موضوع سياسي ،تراهم يخفضون الصوت ويلتفتون يمينا وشمالا، خوفا من أن تلتقط أقوالهم آذان متجسسة…وبعد ظهور المجموعة وسماع أغانيها فهم الناس التحدي الذي كنا نقوم به، ونقوله في تأويل الكلمات…فازداد إعجابهم بنا…حتى أنه في العرض الثالث والذي كان في “سينما الملكي” بدرب سلطان ، لم يكن هتاف الجمهور كإعجاب فقط، بل كان ثورة وتحدي، الشئ الذي دفع السلطة، في تلك الليلة بإضافة عدد الشرطة وتطويق السينما والدرب…”

ناس الغيوان

هكذا كانت بداية رحلة جيل الغيوان وهكذا دغدغت كلمات الغيوان أحلام الشباب في وطن المساواة والحرية والإنسانية…سرعان ما تبخرت وتناسى الجمهور فيها عمق الكلمات و السياق السياسي والاجتماعي الذي أنتج ظاهرة الغيوان فتم اختزال التجربة فقط في شكلها الفني الجديد الذي ظهر به الغيوان، دفع هذا العربي باطما وهومن بنى أولى لبنات هذا الصرح الفني العظيم إلى جانب بوجميع، أن يقول : “غنينا للشعب باش يفهمنا ساعا هز البندير وتبعنا” ، فلم تزلزل كلمات الغيوان عقول المغاربة ولم تقتحم قلوبهم بذلك القدر الذي يخلق حرقة التساؤل ومحاولة البحث عن الأجوبة الذي يصاحبه إرادة التغيير.

فعوض أن نشهد إصلاحا وتغييرا على مستوى المجتمع وثورة ثقافية تكون نتيجة للكلمة الثائرة للغيوان أصبحنا أمام نسخ لمجموعة الغيوان ارتبطت بالشكل والآلات واللباس وطريقة تسريحة الشعر وتناست المضمون والرسالة التي حملها رجال الغيوان، فتحولت الظاهرة الغيوانية إلى صورة جميلة عجزنا عن إدراك سر الجمال فيها، بل وحتى عن إضافة ألوان عليها وتلميعها لتستمر في الإشعاع وحتى لا يخفت صوت الغيوان أمام موجات الموسيقى المعاصرة كموسيقى الراي أو الأغنية المغربية العصرية أوالموسيقى الغربية.

فالفن وإن كان تعبيرا عن حالة وجدانية أو عن خواطر روحية يسبح فيها الإنسان مع تجاربه ومعاناته وألمه وفرحه تتجلى في الكلمة واللحن فإنه لايمكن أن ننكر قوة الفن في نشر الوعي وتعميم قيم الحب والحرية والعدل إن كانت مواضيعه تنتصر للإنسان وتنخرط في مقاومة أشكال الظلم والاستبداد والاختلالات الاجتماعية ، هكذا كان تصور العربي باطما لمجموعة “ناس الغيوان” كماعبر عن ذلك في سيرته الذاتية -الرحيل- :

“ألفنا كلمات يعتمد مضمونها على الأغاني القديمة بعد تجديدها وإعطائها صبغة نضالية وسياسية…أما الآلات فبالرغم من شعبيتها ،فهي لم تكن إلا وسيطا لتقديم تلك القصائد الزجلية…”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.