مَوْسِمُ الهِجْرَة إلى الشّقاء!

د- محمّد محمّد الخطّابي *

بعد أنصرام الصّيف، ونهاية الإجازات ومواسم الأعياد والعُطل، عرفت موانئ شمال المغرب فى المدّة الأخيرة إكتظاظاً شديداً من طرف أفراد الجالية المغربية المقيمين بالخارج  ،وهكذا كان حال ميناء مدينة الحسيمة، وسائر الموانئ الأخرى مثل الناظور، وطنجة (بشقيّه ميناء المدينة والمتوسّطيّ) ناهيك عن مداخل مدينتيْ سبتة ومليلية السّليبتين ،كلّ هذه نقاط العبور عرفت تجمّعاً بشريّاً غيرَ مسبوق، وازدحاماً للسّيارات على غير العادة، إذ تجمهرت فيها أعداد هائلة من المسافرين المغاربة العائدين الى بلدان إقامتهم فى الديار الأوربية، كلّ هذه المراسي والمرافئ المقابلة للضفّة الأوربيّة الأخرى عرفت صَخَباً، ولجَباً، ودَأباً ليس له نظير، حيث سجّلت العينُ والكاميرات،والهواتفُ المحمولة مشاهدات مؤلمة نظراً للنقصٍ الذريع فى الإعدادات التي تتبجّح بها فى هذا الشأن الجهات الوصّية المعنية، والقطاعات المسؤولة المكلّفة بالمغاربة المقيمين في الخارج وشؤون الهجرة وأحوالها  .

 كانت السّيارات تتوارد ،وتتوافد، وتتقاطر بدون انقطاع لتأخذ مكانَها فى  المواقف المُخصّصة للمسافرين، كانت الحرارة لا تُطاق،وكان الناس وُقُوفاً تحت لفحة شمسٍ حارقةٍ، ملتهبةٍ، حاميةِ الوطيس. يُضاف إلى ذلك خَصَاص واضح فى المرافق المُخصّصة للنظافة،ودورات المياه، والمراحيض وما أشبه ، هذا ما عاشه عشرات المغاربة العائدين إلى بلدان إقامتهم حسب الأخبار التي وردت علينا من مدينة البوغاز مُلتقى البحريْن طنجة وسواها من الموانئ المغربية، والمراسي الإسبانية المحاذية للسّاحل المتوسّطي، كان الناسُ فى حيرةٍ من أمرهم،  الأطفالُ يصرخون، والصّبية يصيحون،والآباء يهرولون نحو مكاتب الشّرطة لختم الجوازات،ونحو إدارات، ورجال الجمارك لتنحية تسجيل خروج السيارات ذات اللوحات الأجنبية من الحواسيب الإلكترونية التي سجّلتها بإتقان عند الدخول .

كلّ شئٍ على ما يُرام !

  كانت هذه الاجراءات تبدو  للعيان وكأنها تسير على خير ما يُرام لدى رجال الشرطة ..أما عند رجال الجمارك فكنت تراهم يقفون، يتحرّكون، يجُولون،ويجُوبون، ويصُولون ،ينتظرون، وينظرون نظراتٍ ممعنة نحو هذا وذاك خاصّة هؤلاء الذين يرتدون منهم بِدَلاً رماديّة سميكة شبيهة بمعاطف رجال المطافئ،وكان بعضُهم  يحمل أدوات حديدية دقيقة  لفسخ بعض أجزاء، وأطراف،وواجهات السّيارات التي يشكّون فى آمرها،من مفكّات البراغي، وكمّاشات، وملاقط  فولاذية، كانت السيارات تقف مُصطفّة أمامهم وهم ينحنون على هذه ،ويتّكئون على تلك ،وهناك من يمتحن العجلات المطاطية،ويقوم بإطلالة على المحرّكات، والكراسي الأمامية والخلفية وواقيات التصادم ، كانت هذه العمليات تدوم بضع دقائق معدودات، وقد تستغرق أوقاتاً طويلة مُضنية ، مردّ هذه الإجراءات التفتيشبة الدقيقة يعود إلى التخوّف من تهريب المحظورات، و تسريب الممنوعات بين العدوتيْن المغربيّة والأوربيّة.. تبدو الأمور اعتيادية،طبيعيّة، وروتينية ..ولكنها تتمّ فى أجواء يشوبها القلق والحيطة، ومعروف أنّ رجال الجمارك فى الغالب فى مختلف بلدان العالم هم جدّيون ولا تعلو البّسمة مُحيّاهم إلاّ لماماً، وهو معذورون فى ذلك على كلّ حال نظراً للمهمّة الشاقة المنوطة بهم التي تتطلّب الثقة، والأمانة،والوفاء، والصّرامة، والإنضباط، ويفوز غالبيّة رجال الشّرطة بقصب السّبق فى المجال المعاكس لهذا الوجوم،لذا فهم حريصون على الإبتسام،وهذا شئ محمود وجميل،أمّا الجمركيّ فمن عادته أن ينظر إلى المُسافرين بنظراتٍ ثاقِبة، صَارِمة،جاحِظة ،وهو يحدّثهم بلغة الآمر النّاهي ، (افتحْ أبوابَ السيّارة ،افتحْ مُستودَعَها ،أنْزِلْ الحقائبَ والحاجيات..) ! يجري التفتيش الدقيق على مختلف الواجهات بتأنٍّ، وتريّثٍ، وتؤدة،والكاميرات الذكيّة الخفيّة لا تتوقف عن التصوير، والتسجيل،وهي تراقب رجالَ الجمارك والمسافرين فى آن واحد ، وتُوحي بعض عمليات التفتيش للناظر أنّ الأمر يبدو وكأنّ بعض المسافرين فعلاً هم مُهرِّبون أو مُتواطِئون فى التهريب ممّا يُسبّب  لبعضهم نوعاً من الإحراج. وقد أصبحت عمليات التفتيش مؤخّراً تشمل  جميع المسافرين على اختلاف درجاتهم فى الدّولة،وهذا أمر محمود يدخل فى باب الحِرص على أداء هذه المهمّة الدقيقة على خير ما يُرام والتساوي بين جميع المواطنين بدون ميز ولا حيف،ولا محسوبية فى الحقوق والواجبات..! وبعد انتهاء عمليات التفتيش يتقدّم المواطنون فى هدوء بسيّاراتهم المُثقلة بالبضائع،والسّلع،والحاجيات الخاصّة بهم وقد أضناهم التّعب، والعياء، نحو مدخل الباخرة العملاقة وكأنّهم داخلون إلى  فوهة مغارة مُعتمة،وتبدو ممرّات المرآب داخل السفينة وكأنها نَفَق  طويل تتخلله أضواء حالكة، خافتة،باهتة.

 اكتظاظ غيرُ مسبُوق

على ظهر المركب الاسباني العملاق  تبدو الأمور فى هذه التواريخ من العام  غير طبيعية،ولن نذهب بعيداً فبعض المراكب التي غادرت الموانئ المذكورة أعلاه،  وبشكل خاص ميناء مدينة الحسيمة فى إتّجاه مدن الساحل الإسبانيي كانت شبيهة بمراكب الهجرات المُنظّمة، أوالهجرات غير الشّرعية التي أصبحنا نراها هذه الأيام  فى عرض البحار بدون انقطاع،أو تلك التي كانت تتمّ خلال اندلاع الحروب الكبرى، وتفاقم الأزمات الجهوية،و نشوب الخلافات الدولية، أو عند ما كانت تحطّ الحروب أوزارَها، أو يندلع أوارُها .

كان أحد هذه المركب شبيهاً بالسّفن التي تمخرالبحرَ بين أرخبيلات الجزر الأسيوية المتناثرة فى غياهب المحيط الهادي المترامي الأطراف،والتي تُنهي إلينا الأخبار بين الفينة والأخرى أنها غالباً ما تنتهي بكوارث مأساوية مأسوفٍ عليها فى عرض أعالي البحار نظراً لحملها أكثر من طاقاتها الإستيعابية من المسافرين، كان أحد المراكب الذي برح ميناء الحسيمة غاصّاً بأفواج هائلة من البشر من أطفال،ورجال، ونساء،وشيوخ، وشباب، وصبيان وصبايا ..كلهم ينتمون لأجيال مختلفة، وكانوا ذوي أعمار متفاوتة، على الرّغم من أنّهم دفعوا الثمن المحدّد للرّحلة  إلاّ أنهم – على ما يبدو- لم يجدوا المقاعد الكافية للجلوس، فكانوا يتمددّون فى كلّ مكان على أرضية المركب، فى المقاهي،وفى باحات الإستراحة، والممرّات، وفى كلّ مكان، فى وسط السفينة العملاقة وفى حيزومها، ومؤخّرتها حيث يتعذّر المشي بين الأجسام المستلقية على الأرض التي أنهكها التعب، ونال منها العياء من فرط الإنتظار!،العاملون بالسّفينة من ندلاء، ومُرشدين، ورجال النظافة لا يقولون لهم شيئاً البتّة،عمّا ما يشاهدونه من إختلالات لا يسمح بها قانون الملاحة الدولي، على عكس ما يحدث،ويُطبّق بصرامة فى مراكب السّفر الإسبانية الأخرى الرابطة بين مدن مالقة، والجزيرة الخضراء،وألمريّة، وموتريل وبين  مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين ،وكأنّ هذا التصرّف هو أمر مباح ومسموح به على ظهر هذه السفينة بشكلٍ إستثنائي..ولا شكّ أنّ هذا المنظر ينبئ أو يُوحي بأنّ السّفينة ربما كانت تحمل أزيدَ ما تتحمّله طاقاتها الإستيعابية، وبالتالي لم يجد المسافرون مقاعدَ كافية للجلوس، كان ذلك المنظر يقطّع نياط القلوب ، ويمزّق مُضغ الأفئدة، مخلوقات آدمية من جميع الأعمار، والأجناس مُستلقية فى خنوع على أرضية السفينة فى أوضاع مثيرة للشفقة ،والمرارة فى آنٍ واحد. .

إنّما أولادنا أكبادنا

آهٍ.. على تلك الأجيال الصّاعدة من فلذات الاكباد الذين يهاجرون، ويقطعون المهامهَ والبحارَ، ويجوبون الفيافيَ والقفارَ لضمان لقمة عيشهم اليومي ..مُخلّفين وراءهم الوطنَ الغالي، وتاركين آباءَهم، وعوائلَهم، وأقاربَهم وراء البحر، هناك خلف الآفاق البعيدة المترامية الأطراف،ويتبادر إلى الذّهن فى تلك الهنيهة وأنت تنظر إليهم ، أو عندما ينتهي إليك أنينُهم، وصِياحُهم، وتأوّهاتُهم ،أو وأنت تُصغي لأحاديثهم ،ومحاوراتهم، وشكاويهم، يتبادرُ التساؤل التالي : أيّ مُستقبلٍ ينتظر هؤلاء من أبناء جلدتنا، وطينتنا، وعشيرتنا، ووطننا؟ سواء فى بلدان مهاجرهم أو فى بلدانهم الأصلية … ؟ إنها مسألة عويصة حقاً تعاني منها الجالية المهاجرة إلى مختلف أطراف المعمور ، إنك عندما تنظر إليهم تشعر وكأنّك حديث النّزول من برج بابل الأسطوري الشّاهق الذي بلبل الله فيه ألسنة هؤلاء الذين حاولوا تسلّقه ورمي الشمس بالسّهام، والنبال ،والأقواس،فصاروا يتحدثون فيما بينهم بلغات متباينة غير مفهومة،آبّاء يتحدثون مع أبنائهم، أو أبناء يخاطبون آباءَهم بلغات عديدة مختلفة،وبلهجات بها رطانة يمجّها الذّوق، فتسمع فى كلّ لحظة وحين تمتمات، وهمهمات، وفقرات، أوتعابير متقطّعة أو متقاطعة من مختلف اللغات : الهولاندية،والألمانية، والإيطالية، والفلامانية ،والفرنسية، والإسبانية،والكطلانية، والإنجليزية، وأخيراً الرّيفية الأمازيغية، والدارجة المغربية فى ندُرةٍ، وقلةٍ، وخَصاص.!

ارحمُوا مَنْ فى الأرض..

هذه الجالية التي تبذل قصاراها من أجل العودة إلى وطنها الأصلي فى مختلف المناسبات،والتي تواجه مخاطرَ شتّى خلال رحلتيْ الذهاب والإياب ، إذ يتعرّض غيرُ قليل من أفرادها لهجومات قطّاع الطرق، واللصوص والعصابات المنظمة المتخصّصة التي تتعرّض لهم  مستعملةً مختلف الوسائل، والحيل،والمكايد، والدسائس لسرقتهم ،والسطو على أمتعتهم ، كما أنهم يعرّضون أنفسَهم وأولادَهم وذويهم لأخطار حقيقية مُحدقة فى الطرقات حيث يكون العياء قد أخذ منهم مأخذَه فيصبحون عرضة لحوادث السير،والتصادم لعدم استطاعتهم توفير الرّاحة اللاّزمة لأنفسهم خلال رحلات السفر الطويلة المضنية ، هذه الجالية جديرة بأن تحظى بمزيد من العناية، والرّعاية، والإهتمام ،وحتى وإن كانت الجهات المعنية الوصيّة تبذل جهوداً مضنية لتقديم الدّعم والمساعدة الضرورين لها كلّ عام مثل (الوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين في الخارج وشؤون الهجرة ، مؤسّسة محمد السادس  للتضامن، وعمليات مرحبا وسواها من الجهات التي تُعنى بهذا الموضوع الحيوي). هذه الجالية التي تقارب الستّة ملايين نسمة من مغاربة العالم  الذين يدعمون الإقتصاد المغربي بما يحوّلونه سنوياً إلى بلدهم  من مبالغ طائلة تنيف على 65  مليار درهم من العملة الصّعبة، ينبغي والحالة هذه  التفكير بشكلٍ جدّي فى خلق آليات عمل جديدة أكثر نجاعة ومردودية من أجل تحسين وضعية هذه الجالية التي بالإضافة إلى معاناتها لمرارة الهجرة، وتجرّع مضض الإغتراب عن الأهل، والبعاد عن أرض الوطن ، فإنها تعاني كذلك من منغّصات،وعراقيل، مشقة السّفر،والتنقال، والترحال كلّ عام لإحياء صلة الرّحم مع أهاليهم وذويهم التي يوليها المغاربة أهمية قصوى فى تقاليدهم الحميدة، ومعتقداتهم ،وقناعاتهم الراسخة.

 قديماً قال الشاعر:( وَطَنِي لوشُغِلْتُ بالخُلْدِ عنهُ  /  نَازَعتْني إليه فى الخُلدِ نفسي ، وقال آخر : ( وما الوطنُ المَحبْوبُ إلاّ يتيمةٌ  /  وباقي المعالي كالدّراري التوائم) ،وقال آخر : ( ولِي وطنٌ آليتُ ألاّ أبيعَه  /  وأنْ لا أرىَ له يدَ الدهر مالكا… وحبّبَ أوطانَ الرّجالِ إليهمُ   /  مآربٌ قضّاها الشَّبابُ هنالكا ). وقال (أبو تمّام )ما معناه :  (نقّلْ فؤادَكَ حيثُ شئتَ من الهوى  /  ما الحبُّ إلاَ للحبيب الأوّلِ…كمْ منزلٍ فى الأرضِ يألفُه الفتىَ  /  وحَنينُه أبداً لأوّلِ منزِلِ ) .

*كاتب،وباحث من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم .

(مدريد – إسبانيا)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.