مَوَازِينْ حَاشَاكَمْ

بعدَ حيرة من أمري،حول عنوان مقالي هذا ،وقعَ اختياري على هذه العنونة التي تبدو لي مناسبة لوصف هذه المهزلة التي تقع في العاصمة وبشكل سنوي ،مهزلة اسمها “موازين” ،رغم ما يثيره هذا المهرجان من ضجة إعلامية و أصوات معارضة من لدن مجموعة الأطراف،سواءٌ كانت نابعة من موقف سياسي أو أصوات من العامة المطالبة بإلغائه و أنا واحدٌ منهم فلست محتاجا لموازين أو غيره من الفرجات التي تهدرُ أموالاً باهضة و تمتص من خزينة الدولة الكثير ،فأبناء الفقراء و مسحوقي الطبقات الاجتماعية في حاجة إليها،لستُ لا فقيهًا لكي أبرهن على سؤال الحرام و الحلال ،و لست تقدميًّا حداثيَا رافض للمهرجان انطلاقا من مرجعيتي المعارضة لكل الانجازات الممكنة من طرف الحكومات ،بل موقفي خاضعٌ لإملاءات الواقع و البيئة المعاشة التي ترعرت فيها ،بيئة ووسط فيه من الفقر و العوز ما يكفي ،الذي يجعلني أدافعُ بشراسة عن ضرورة مُلِحّة لتأجيل هذه “الجَقْلّة” التي تعتبر مجمعًا لثلة من الفنانين العالميين الذي تمتص رقصاتهم ملايير الدولارات،بعدَ بضعَ سويعات من الأداء الباهت،رقصٌ بطعمِ الحزن و الألم على حساب جوعى المغرب العميق ،الذي لا يخالجهم  النوم قطُّ من جَرّاء التفكير في طريقة أنسب لكسب لقمة الغد.

حتى لا ينبهرَ البَعض بسيارات الرباطِ الفارهة و سُحنِ الشخصيات المرموقة التي تجوب شوراع العاصمة في أناقة تامة التي يليق بها الاحتفال ،فالمغرب ليسَ على هذا الحال فهناك من يعاني في المغرب الاخر من الجوع و ليسَ لديه حلم كحلم البعض الدائم الذي يراودهم في مشاهدة فنان،بل حلم هؤلاء هو الحصول على كسرة خبز اليوم ليسَ إلا،مَنِ الأحق بهذه الأموال هؤلاء الذين يُرَاقِصُهم الريح ببطونهم الخاوية أم الذين تراقصهم بعض كؤوس النبيذ على منصات ،و يدسون في جيوبهم أموالا باهضة؟.

نعم المهرجان تُمَولُه مؤسسات خاصّة لا علاقة له بالدولة و بأموالها ،لا أعرف للحد السَّاعة ،هل أغنياء المغاربة الذي تسقط في حسابهم الأرقام المالية مطرا مدرارا ، لا يعرفون أن المغرب فيه من الفقر ،ما يجعلهم يكفون عن قيام أي مهرجان كيفما كان ،فهذه الأموال التي يعتبرونها “شايطة” عليهم أن يتصدقوا بها على فقراء هذا الوطن و جائعيه و مرضاهُ و مكلوميه من لسعات الأسعار.

المهرجان يساهم في الاشعاع للثقافي للمدينة و المغرب ككل ،لا أريد إشعاعا كيفما كان ،ما دمت البلاد قد شاع فيها الفقر و العوز و غدا متوارثا تتبادله الأجيال ،لا إشعاع نبتغيه سوى إشاعة العيش الكريم بين صفوف مقهوري هذا الوطن .

يقولون أنّ موازين متنفس لشباب المدينة و المغرب ككل ،الباحث عن حقيقة هؤلاء الشباب الذين يجعلون من المهرجان متنفسا لهم ،فهم ثلة قليلة التي تحجُّ اليه،فعين المشاهدة تنقل ما رأته شباب في مقتبل العمر ،الذي شحنهم الإعلام بكل وسائله الممكنة من أجل الحضور من خلال تقديمه في طبق من ذهب،يظهر من ملامحهم أنّهم قادمون من جنبات المدن …أما أبناء الأغنياء و ميسوري الحال فلايهمهم موازين و ضجيجه.الشباب يبحث عن المتنفس إذا كان يمتلكُ عملاً قارًّا و عيشًا كريمًا …

كنت أمني النفس في البعض من أجل البقاء على خطه النضالي،لكن البعض خفت صوته بل حتى مواقفه بعدما تغيرت المواقع و الجدران و السيارات طبعًا،الصمت مقابل الصمت،فقد كان البعضُ يصرخ بما ملكت حناجرهم ضدّا على موازين ،لكن لسان حالهم تغير بعدما دخلوا إلى “المَعمعة” و أصبحوا ضمن المؤيدين بعدما كانوا معارضين ،إن كان فعلاً الدستور أتى بصلاحيات شتى و مهمة لرئيس الحكومة فإن هذا يبدو على الورقِ ،فلماذا هذا الصمت على سرقة أموال الشعب و صرفها في “الخوا الخاوي”.

إن كانت مبررات البعض يتحكم فيها الجانب الاجتماعي بدعوى أن مهرجان موازين بأمواله الضخمة ،و التي من الأجدرِ أن تصرفَ من أجل عيش الطبقات الفقيرة المنسية في المغرب العميق في بناء المستشفيات و المدارس…لكن هناك مبررات اخرى وهي التي تستند إلى سؤال الأخلاق و القيم مادام البعضُ بدأ يفكر في الإصلاح واضعًا الأخلاق في قلب الاهتمام،لكن لماذا الإعلام الذي نسائله عن الأخلاق ؟ يبدو أنه بالأحرى مساءلة “موازين ” أولا ،أصبحت الأمورُ أكثر ضبابية الآن هل هناك من يتحكم في ذوقنا رغما عن أنفنا.

بالأمس كان مهرجان موازين منكرًا اتوا بالآيات ما يكفي للبرهنة على حرام المهزلة ،صرخوا في الشوارع و القبة الشريفة(البرلمان) بحناجرهم على هذا ،ظننا أنهم كانوا صادقين في ذلك و زادت الثقة على أنهم من سيخلصنا من المهزلة ،لكن سرعان ما خفت الصوت بل خرسوا بعدما اكتشفوا أن الصمت هو سبيلهم ، فغذَا الذي رشحهم بالأمس يردون له الجميل بزيادة بطعم الحنظل ،تنغصُ عليهم عيشهم…جعلوهم يندمون ذات يوم دخلوا فيه المعزل.فاختاروا الذي لن يخذلهم فوقع العكسُ فكان الصدمة قوية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.