ميد كوب22.. المال السايب ولعكر على لخنونة

محمد المساوي

أُسدل مساء اليوم الثلاثاء الستار على الدورة الثانية لمنتدى مؤتمر الأطراف لدول المتوسط حول المناخ “ميد كوب 22” الذي احتضنته مدينة طنجة، من تنظيم جهة طنجة تطوان الحسيمة، وتحت رعاية رئيس الدولة الملك محمد السادس، وتجدر الاشارة إلى أن هذه المنتدى هو بمثابة مؤتمر اعدادي لقمة المناخ العالمية التي ستحتضنها مدينة مراكش شهر نونبر المقبل، واحتضنت مدينة مارسيليا الفرنسية الدورة الاولى للمنتدى السنة الماضية، والذي كان بدوره اعدادا لقمة المناخ العالمية التي احتضنتها باريس في ديسمبر 2015، وتسعى دول الاتحاد من أجل المتوسط لجعل هذا المنتدى تقليدا سنويا يُعقد في كل سنة باحدى دول الاتحاد ليعمل على التحضير لقمة المناخ العالمية.

هذا المنتدى يشارك فيه ممثلون لحكومات دول “الاتحاد من أجل المتوسط” وممثلو هيئات المجتمع المدني بالاضافة الى ممثلي شركات عالمية ومؤسسات بنكية ومالية، وتأسس الاتحاد من أجل المتوسط على أيدي قادة 43 دولة يوم 13 يوليوز 2008 بباريس على هامش قمة باريس من أجل المتوسط، وجمع الاتحاد 28 دولة من الاتحاد الاوربي بالاضافة الى 15 دولة من جنوب المتوسط؛ بلدان شمال افريقيا والشرق الاوسط بالاضافة إلى اسرائيل، ويعد الاتحاد من أجل المتوسط امتدادا لاعلان برشلونة 1995، وهو من الهيئات التي تشكلت بعد نهاية القطبية الثنائية من أجل الهيمنة والتحكم في مصائر الدول الفقيرة المتواجدة في المحيط الاقليمي لبعض الاتحادات والدول الامبريالية الكبرى.

كل من قيض له أن يزور المكان الذي احتضن هذا المنتدى سيلاحظ حجم الاموال التي خُصصت له، فقد كانت مظاهر الأبهة واللوجستيك المتطور، والاقامات الفاخرة للمدعوين الى المنتدى تطرح أكثر من علامة استفهام، حول مصدر تمويل هذا النشاط الذي كلف ملايين الدراهم ان لم نقل الملايير.

كما أن رئيس جهة طنجة تطوان الحسيمة إلياس العماري حاول بكل قوة ليجعل من هذا المنتدى منصة ترويجية لشخصه وحملة انتخابية منظمة، ففي ظرف ثلاثة او اربعة أيام نُشر وأُذيع أزيد من 25 لقاءً صحفيا لالياس العماري، كما أن العديد من المنابر الاعلامية الورقية والالكترونية خصصت متابعات ترويجية للمنتدى ولرئيس الجهة، الذي أغدق بالاشهار على العديد من وسائل الاعلام، بل هناك من الجرائد من خصصت اعدادها تقريبا بالكامل للمنتدى ولالياس العماري، وظلت هذه الجرائد توزع بالمجان في اروقة المنتدى. واكتفت وسائل الاعلام هذه بترديد مضامين تصريحات اعضاء اللجنة المنظمة للمنتدى ولتصريحات رئيس الجهة، ولا احد تساءل عن مصادر الاموال التي أنفقت على هذا المنتدى ولا على حجمها، المعادلة كانت “خذ الاشهار وغني لي على ليلاي”، ولعل تَصَفُّحاً بسيطا لوسائل الاعلام التي أكلت من يد الياس سيبين بالملموس أن الاسئلة حول المنتدى وتمويله وتوظيفه هي أسئلة محرمة وممنوعة.

منتدى “ميد كوب 22” لم يكن تحضيرا لقمة المناخ العالمية التي ستحتضنها مدينة مراكش فقط، بل كان ايضا تحضيرا انتخابيا قويا عرف كيف يستغله العماري لصالحه، فقد تقاطر ممثلو جمعيات المجتمع المدني من كل مناطق الجهة الذين تلقوا دعوات من رئيس الجهة ليحضروا فعاليات المنتدى ويستفيدوا من الاقامة في الفنادق الفخمة ودعوات العشاء الرسمية، وثمة حديث عن أن أغلب الحاضرين الى المنتدى من ممثلي المجتمع المدني بالمغرب هم من الجمعيات المقرب من الياس وحزبه، وهو ما يعني أن امين عام حزب الاصالة والمعاصرة اختار مناسبة هذه المنتدى ليخوض صراعا انتخابيا على مستوى جمعيات المجتمع المدني مع حزب العدالة والتنمية المعروف بتكوينه لشبكة من الجمعيات المقربة منه والتي تشكل خزانا انتخابيا لا ينضب للحزب. وهذا ما يفسر ارتفاع عدد المشاركين في الدورة الثانية للمنتدى من ممثلي المجتمع المدني، فقد عرفت الدورة الأولى التي أُقيمت بمرسيليا حضور حوالي 500 مشارك من مختلف الدول المشاركة، بينما عرفت هذه الدورة ارتفاعا ملحوظا في عدد المشاركين الذين فاق عددهم 2000 مشارك، ويُعزى الارتفاع الكبير في عدد المشاركين بارتفاع عدد ممثلي جمعيات المجتمع المدني المغربية التي استقدمها الياس لغرض في نفسه.

أعضاء حزب العدالة والتنمية ظلوا يتتبعون ما يفعله إلياس وهم يتضورون ألما والغصة تغرغر في حلوقهم، لكنهم لم يستطعوا ان ينبسوا ببنت شفة لأن المنتدى كان تحت الرعاية السامية ل”مول الشي”، لذلك فضلوا ابتلاع هذه الغصة والركون إلى الصمت، بل إن بنكيران رفض دعوة الياس العماري التي كانت بمثابة “قليان السم” لحضور الجلسة الافتتاحية للمنتدى، وفضل الذهاب الى مكناس لتقديم التعازي للاستقلالي عبد الواحد الانصاري في وفاة والده وحضور جنازته، وعندما سُئل بنكيران حول رفضه لدعوة الياس، قال  ما مفاده “لستُ مجبراً على تلبية دعوة أي كان، لو تلقيت دعوة من جلالة الملك لكنت مجبرا على الحضور، لكن دعوات اشخاص اخرين فأنا لست مجبرا على الحضور ولي الاختيار في أن أحضر أو أرفض.”

بعيدا عن الحملة الانتخابية لالياس وحزبه، ففلسفة هذا المنتدى قائمة على فكرة جعل البيئة شأنا شعبيا، في ظاهره يبدو الامر واجبا ومهما جدا، لكن باطنه غير ذلك، فهذا المنتدى تُمَوِّلُ جزءا كبيرا من أنشطته الشركات المتهمة بتدمير البيئة ومؤسسات المال العالمي التي تفرض مخططات على الحكومات الفقيرة دونما مبالاة لا بالبيئة ولا الانسان، لكنهم يلتجأون الى تنظيم وتمويل هذه المنتديات لاشراك الفقراء و”خماسة” المجتمع المدني والفعاليات السياسية إلى جانب مصاصي الدماء ومافيا تدمير البئة في “حفل دموع التماسيح” حول المخاطر التي تهدد البيئة وتهدد الكون برمته، مع العلم أن من يهدد البئية ليس الفقراء ولا “خماسة” المجتمع المدني ولا… بل تدمرها الشركات الكبرى والدول الصناعية الكبرى التي لا هم لها ولا اخلاق إلاّ السعي نحو الربح السريع، ولو على حساب دموع الأرض والانسان، ولعل الصفقة المشبوهة لاستيراد أزبال ايطاليا خير دليل على طريقة تفكير الاغنياء في بيئة الفقراء، كما أن أغنياء الشمال يصدّرون الصناعات الاكثر تلويثا الى دول الجنوب، وتستقبل مدينة طنجة العديد من نماذج هذه الصناعات، حيث اليد العاملة الرخيصة التي يشتغل أغلبها خارج اطار القوانين والتشريعات، وحيث لا أحد يسائل تلك الشركات عما تلفضها مصانعهم من مواد مدمرة وملوثة للبيئة.
في مفارقة فجة؛ قال الياس العماري أن رهان المنتدى هو الحفاظ على معدل إرتفاع حرارة الارض في أقل من درجتين، ولتحقيق هذا الرهان، فلنتصور هذا المشهد: ناشط جمعوي يدير جمعية مهتمة بالحلزون في احدى قرى جبال الريف، يجلس في ورشة مع ممثل صندوق النقد الدولي او احدى الشركات العالمية المصنعة للمبيدات ليناقشوا معا سبل الحفاظ على عدم ارتفاع حرارة الارض؟؟؟ انها الرغبة في جعل المسؤولية جماعية بين مصاصي الدماء والفقراء، في حين القصة واضحة وضوح شمس يوليوز في شوارع طنجة..
انه المسخ بعينه؛ يبيعون القرد ويضحكون على من يشتريه…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.