مول الحانوت في ساعة لا ريب فيها

لاريب أننا مع دُنو شهر الطاعة والغفران سنشهد مزيدا من الضغط ، سيما مع ما لامسناه من إرتفاعات طالت أسعار غالبية مشتقات الحليب ، وكذا ما يُرتقب أن تطأه أثمنة العصائر المصنعة ، وإن كان الناس رغم رفضهم وإحتجاجاتهم يهضمون في الأخير كل الخسارات التي تنسف جيوبهم ، فالفضل يرجع بالأساس إلى كناش التحملات العاجّ بآيات من الإعجاز الإقتصادي ، يؤازر اليوم مول الحانوت في إمتصاص الصدمات الموقع الإجتماعي فايسبوك الذي بات يوفر خدمة التليين والتشحيم لأجل أن تتواصل الحركة بدون ضوضاء كما وقع في عهد العبقري آديسون ، عندما إرتاب الجيران في مصير صاحب العربة الصاخبة ، فربطوا كتمان صوت عجلاتها المعهود بموت هذا الأخير ، ليكون الحدث مناسبة إكتشف بعدها العالم برمته شيئا إسمه ( la graisse ) . وهكذا دواليك حتى تفرعت من الدهان مراهم على شاكلة ادْهن السّير إيسيرْ .

عندما تقودني الرعاية الربانية إلى مسجد من مساجدنا العامرة ، وتكتض عيناي بما يحيط بيوت الله مما لذ وطاب من الخيرات ، يتقدمها ثنائي الثمر والحليب رمزية كرم الضيافة ، أكاد أتفهّم عادة الإحتماء بهيبة المكان من غدر أهل الزمان المتوغلة بفعل التواكل في الأدهان ، بيد أن مشاهد نِعال الوضوء المبتورة الأجزاء دائما ما تقطع سَرحاني وتستفز مشاعري ، ذلك لأنها تبث رجفة حذر في النفوس وتوقض فيها هواجس الحيطة . فنحن منساقون إلى عوالم نتعايش فيها مع كل المتناقضات ، وهذا أساس وسرّ نجاح مَن يشتغلون على تهجيننا ، بدءا من بيوتنا التي نبذل الجهد الجهيد في تأثيث زاوية منها بأفخر ما نستطيع نيله من مظاهر الثراء لإستقبال ضيوف وهميين ، في حين نتغافل عن العناية بكراسي حافلة عمومية نشترك إستغلالها ، عاكسين بذلك درجات فقرنا المدقع على مستوى كرم خُلقنا ، وكما تؤرق بالنا أمور الزيادات في الأسعار يجب أن لا نستهين بواجب الحفاظ على كل مكتسباتنا . فنحن إنْ كمستهلكين أو كتجار كلما تأملنا في كيفية تعاملنا مع الروابط التي يُفترض فيها أن تجمعنا ، سنصاب بتشنجات فكرية لقاء ما سنلفي من تمزقات ، لا أحد غيرنا يواري مناشيرها خلف الظهور ، ومِن تباين الدوافع المتزعزعة وإضطرابات المنطلقات المتحولة ، كان لابد للعشوائية أن تسود وتعُم كل مناحي حياتنا . فلولا النار المستترة لما رقص مول الحانوت على إيقاعات صماء ، تصطنع منها الشركات فرجة يدفع نظيرها المستهلكون ماتبقى لديهم من وعود بالأداء . ولولا نفس النار التي تجتهد مغريات الحداثة في إضرامها ويصوط عليها المحاجير من كل صوب لَما أذاب لهيبُها كرامة المزلوط لتنفلت منه كمخاطٍ ساعة بكاءٍ مرير . فليس ما ينقصنا إستقراءات متأنية أو مارقة لما نحن عليه من ظواهر ، ولا حتى تفحيص المحطات المتفرقة على طول مسارات الرحلات المعرفية ، وإنما الأجدر هو تفكيك الضمائر وإعادة جمعها من جديد بطريقة سليمة مع إحترام جداول صيانتها وتفعيلها بالواقعية والمصداقية التي تحتّمها وتمليها علينا كل المواثيق والأعراف الإنسانية ، إذ لا نار أشد من تلك التي وقودها الناس والحجارة .

مؤكد أنه لا مفر من رتق كل التقطعات التي يجري غَورها بين مكونات المجتمع على نطاقات ضيقة ، تعطي الإنطباع لكل منزوٍ أنه نابغة زمانه ، يؤجج مثل هكذا إنطواءات جهاز أذكى ما فيه أنه يمنحك الشعور بالبلل وأنت تغوص في محيط أزرق بلا ملامح رفقة سباحين أصابتهم مثلك عدوى الإنخداع بسحر الإنتماء إلى كوموندو الضفادع .

في الأيام الخوالي مثلا لم يكن الناس يحتاجون إلى كل المستلزمات المفروضة اليوم للإلتحاق بمدارس النجاح ، ليس لأن الطاقة الإستيعابية كانت آنذاك محدودة ، وإنما لأن الخطوات المرسومة نحو الأهداف كانت توضع بدقة متناهية ، ولذلك ربما كان هذا الإسهال المتنوع من المستجدات هو ما أفسد الأذواق ، فترى الناس سكارى وما هم بسكارى ، يتمايلون من فرط الحريات . فكل الأمور التي كانت تقض المضاجع تحجبت خلف الأقنعة وإرتدت مسميات دخيلة تساير موضة التوجهات ، آخر صيحاتها غشاء النفاق الذي إستشرى في جسد المجتمع حتى بات مرادفا للذكاء ، بل وقواما على مصطلحات عدة من جنس المروءة والطيبوبة .

إن شرعية الإقدام على مقاطعة مادة معينة ترتب عنها ضرر أو فساد ، ستبقى مسألة مرتبطة بنسبة وعي الأطراف المتداخلة في هذا الشأن ، رغم أنها قد تبدو في الوقت الراهن متعسرة نوعا ما ، وذلك مع إحتدام النزعة الفردانية التي تولد الغرور المفضي إلى التوهم . وهذا لا يعتبر إستهانة بقدراتنا على إنتزاع حق مغتصب ، بل إنتقادا للأدوات المعتمدة في هذا الصدد ، ما يمكن إدراجه مجازا في حالة التوثر والضبابية التي خلفها النزاع القائم حول أراضينا المشتركة في إيميتك بعمالة طاطا ، بحيث أن كل واحد منا متفردا يفهم كل شيء ، لكننا مجتمعين نتقاعس فلا نصنع أي شيء عدا الإحتراس من لصوص الريادة ، لتضيع بالتالي قطرة صائبة بين زخات المطر في أنابيب الصرف الصحي .

طيّعة تسحبها بحبل من جريد ، متمنعة تمزق سلاسل من حديد ، هكذا كانت ولاتزال فلنستخلص العبر من جديد ، ثم وما الدنيا إلا كظل شجرة ، فما يضيرنا أن نضع خربشات اليوم في قالب هزلي ثم نختم بنكتة تحكي أن عالما سأل ثلاثة نوابغ من جنسيات مختلفة عن أسرع شيء في الوجود ، فأجاب الأول أنه الضوء ، فيما أردف الثاني أنه التفكير ، بينما أصرّ الثالث أنه الإسهال ، مستدلا بالحالة الحرجة والمستعجلة التي يكون عليها المصاب ، حتى أنه لا يجد معها الوقت الكافي لتشغيل تفكيره ولا لتشغيل الإنارة ؟؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.