مولاي موحند بين قرار عدم دخوله إلى مليلية وإعترافه بالخطأ

بعد سيطرة الريفيين على جبال العروي في 2 غشت 1921 صار طريقهم إلى مدينة مليلية سالكا غير أن مولاي موحند بعدما طوق المدينة ووجها إليها المدافع أصدر الأوامر بعد إسقاطها, مع العلم أنه كان بإستطاعته القيام بذلك وبالخصوص إذا علمنا أن الإسبان بعد هزائمهم المتتالية مع الريفيين بدأوا التحضير لإخلاء المدينة, فأخذوا يتلفون الوثائق والأرشيفات, ويحرقون مستودعات الذخيرة في وسط حالة من الخوف والذرع التام. فلماذا يا ترى قرر مولاي موحند عدم دخوله إلى مليلية لإستيلاء عليها, مع العلم أن هذا القرار سيؤاخذ عليه, وسيندم عليه هو نفسه لاحقا؟ هذا القرار الذي سيظل من خلاله الريفيين ما بقي من سنة 1921 ثم طيلة 1922 في موقع دفاعي من الناحية العسكرية بدل الموقع الهجومي الذي إختاروه بعد إنتصارهم في معركة أنوال في 21 يوليوز 1921.
يقول الأمير الخطابي عن هذا القرار الذي إتخذه “وبانتهاء معركة أعرويت -العروي- أصبحت على مقربة من مليلية فوقفت عندها فلم أتقدم إليها, وأحاصرها لأن جيشي كان في أول شأنه وكان الحذر وعدم التورط في أمور حربية مجهولة مصيرها يدفعني إلى ترك المدينة وشأنها. ولما علمت أن الحكومة الإسبانية قد أخذت تعد المعدات لإرسال جيش قوي إلى مراكش, رأيت من الحكمة الرجوع إلى جيشي, والعمل لتنظيمه وتقويته وتعزيزه, وأن أطلب المعونة في ذلك من كل قبائل الريف. وقد أصدرت كذلك أوامري إلى جنودي بمعاملة الأسرى معاملة حسنة وهو ما أفتخر به ولا آسف عليه, كما أمرتهم بعدم التعرض لمليلية مخافة من إحداث مشاكل دولية, وإني آسف لذلك فإن هذا الأمر كان خطأ كبير مني” كلام محمد بن عبد الكريم الخطابي من (روجر ماثيوز- مذكرات محمد بن عبد الكريم الخطابي, ترجمة عمر أبو النصر الطبعة الأولى 2005 ص. 60).
وفي نفس المرجع صفحة 60-61 يضيف مولاي موحند قائلا “أجل لقد أخطأت خطأ عظيما بعدم إقتحام مليلية فقد كان بامكاني دخولها دونما معارضة قوية, وكان رجالي في ذلك الحين قد غلبهم المرح, والزهو بانتصاراتهم على الإسبانيين, حتى لقد راحوا يحسبون مهاجمة مليلية نزهة, وملهاة, لقد كان ينقصني في هذا الوقت ما يسمونه بعد النظر السياسي, خصوصا وقد ظهر لي بعد ذلك أن الأخطاء التي وقعت كان سببها عدم إستيلائي على المدينة, وقد كان بإمكاني أن أفعل ما أريد أطلبه من رجالي كل تضحية بعدما بايعوني بالإمارة وانتخبوني أميرا على الريف”.
ويقول في هذا الصدد, مايكل مرتيم “نعتقد أنه -مولاي موحند- استهان بقواته وبالغ في تقدير القوات الاسبانية وعلى الصعيد المعنوي كان رجاله على استعداد للقيام بذلك في حين أن الإسبان كانوا يبخثون عن الباخرة التي ستنقلهم الى مالقا. وفضلا عن ذلك كان متفوقا على مستوى العددي بعد انتصاره الباهر لكن ربما اعتقد أن احتلال مليلية سيكون له صدى دوليا كبيرا, قد يدفع الدول الأوروبية إلى التحالف ضده, بيد أن هذا التفوق ليس له من معنى لاسيما أن ما قام به من إجبار الاسبان عن التراجع إلى حدود شاطئ البحر كان يكتسي نفس المدلول, وعلى كل حال بقيت مليلية في يد الاستعماريين بسبب انعدام القرار الريفي وليس نتيجة بسالة جيش مهزوم” (د. عز الدين الخطابي, محمد بن عبد الكريم الخطابي القائد الوطني, منشورة ثيفراز, الرباط 2003 ص. 34).
وعن هذا القرار الذي إختاره مولاي موحند بعدم دخوله لمليلية يقول أحمد المرابط من مرافقي الأمير في مصر ومن الباحثين في تاريخ الريف “… غير أن عبد في المدى الطويل سيعترف بأنه قد ارتكب خطأ جسيما بعدم دخوله مليلية, مع ذلك فالشيء الذي لا يخفى على أحد هو حكمة الأمير ونظرته الثاقبة للأمور, فعبد الكريم لم يرغب في ذلك الوقت وقوع مجزرة إنسانية يذهب ضحيتها أبرياء, فالإضافة إلى خوفه من أثر دعايات الاستعمار”.
وتقول عن هذا كذلك عائشة الخطابي الابنة الصغيرة للأمير, “كان والدي يريد بشدة استرجاع مليلية من يد الاسبان غير أنه في اللحظة التي وضعت أمامه في طبق من ذهب أمر جنوده بعدم الدخول الى مليلية وهذا راجع الى ثلاث أسباب تتمثل في:
1) أنه بعد الانتصارات المتوالية لجنوده في عدة معارك خاصة في العروي, وأنوال خاف من أن يتغير هذا الجيش ويزهو بانتصاراته فيجدها البعض فرصة للسرقة,والبعض الآخر فرصة للاعتداء أو حتى قتل الناس فلا أحد يستطيع التنبؤ في الحرب.
2) خاف من ردت فعل الرأي العالمي حول دخول الريفيين الى هذه المدينة.
3) كان عبد الكريم رجلا حكيما متعقلا في قراراته لا ننسى بأنه كان قاضي القضاة لذلك اختار عدم التسرع لان الجيش الريف كان لا يزال صغيرا بسيطا في امكانياته, لذلك جعل الأمير تركيزه على استقلال المغرب واسترجاعه من يد المستعمر وعندما يفعل ذلك ينتقل الى إسترجاع باقي الثغور المحتلة, نقصد هنا سبتة ومليلية…”.
وفي نفس الموضوع يقول علي الإدريسي أستاذ الفلسفة والفكر الاسلامي بجامعة محمد الخامس وباحث مهتم بقضايا الريف وتاريخه, “حسب علمي فإن الأسباب التي دفعت عب الكريم الخطابي لاتخاذه هذا القرار كان ورائه سببين أساسيين:
1) الأخلاق السامية التي تحترم حياة الانسان فعبد الكريم وقبله هانبال بعدة قرون لم يسمح لجيوشه بدخول روما حتى لا يفسد المدينة وأهلها, فبد أنوال كان هناك هيجان, هيجان القبائل الريف وانضمامها إلى حركة المقاومة, ولم يكن هناك تنظيم يمكن ان يوجه تلك القبائل توجيها سليما, كما أنه لم يرغب أن يحدث الجنود الفساد في مليلية بأشياء يكمن ان تشمئز منها النفس, والأخلاق الانسانية, فإنه -مولاي موحند- إستمع الى أراء رفاقه ومن حوله لكن في الأخير قرر ما رآه صائبا هو, انتظر حتى صلاة العصر وقال: لا ندخل مليلية”.
2) أما السبب الثاني فيتمثل في كون الوجود الاسباني في مليلية كان مرتبطا بأوثاق ومعاهدات مع السلطة المخزنية في المغرب… لكن يمكن إضافة سبب آخر, فتصورو لو أن الامير دخل مليلية, وجرت مجازر -حتما ستقع- فالقبائل غير منظمة في تلك الفترة والارتقاب الحاصل في مليلية في انتظار وصول الجيوش المغربية, تصوروا لو دخلوا, هل كانت ستبقى هذه الصورة الجميلة للمقاومة الريفية في ذاكرة الشعوب! أبدا كانت ستكون هناك صورة مرعبة عن المقاومة الريفية, فعندما كان يقتل شخص واحد فقط فكأنما قتلت آلاف من الأرواح وتطلق الدعايات عن الحادثة بأنها من فعل بربري وحشي, فكيف بالمئات, وأخيرا أضيف أنه في مليلية كان لا بد لعبد الكريم ورفاقه من دفاعات بحرية, فالريف والمغرب بصفة عامة لم يكن قويا بحريا, وهذا في صالح الاسبان لأن هم لهم أسطول بحري قوي على عكس الريفيين, إذن فالأمير مولاي موحند كانت له نظرة إستراتيجية,انسانية, دولية ولهذا لم يدخل مليلية”.
وفي هذا الصدد يقول علي الإدرسي وصف أحد الصحفيين الإنجليز هذا الموقف قائلا “إن عبد الكريم في هذا القرار لم ينسى أنه كان قاضيا, والقاضي يهدف إلى تحقيق العدل وليس إلى إرتكاب المجازر”
هكذا إختلفت وجهات نظر في هذا القرار بين ما هو تنظيمي, استراتيجي وبين ما هو سياسي دولي وبين ما هو انساني ذاتي, لكن بين كل هذا وذاك هو موقف رفع راية وصورة المقاومة الريفية على مستوى الدولي كما أنه كان خطأ وكانت تداعياته خطيرة على إستمرارية هذا المقاومة على المدى البعيد, وهذا ما يعترف به الأمير الخطابي نفسه من خلال كلامه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.