موسم الهجرة إلى الشمال

إن المشاهد اليومية، المُؤلمة، لابتلاع البحر لمئات مُضْطَهَدِي الضفة الجنوبية من حوض البحر الأبيض المُتوسط ، و الذين يتشكلون في الغالب من النساء و الشباب، خصوصا مع سُعَار حكومات شمال الحوض و تهديدها بقصف مواقع انطلاق الهجرة، تٌحِيلُنا إلى الدراسة التاريخية، لمرحلة زاهية من رخاء التبادل بين أطراف حوض المتوسط، فترة تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، إبان حُكْمِ الفينيقيين لموانئ المتوسط.

فَلْيَعْلَم الكولونياليون الجُدُد لأوربا، أن الفينيقيين بنوا حضارة بالحوض المتوسط، بفتح علاقات تبادُل مُتكافئة مع سكان الموانئ و مُدُنها، على قاعدة الوُدِّ و الربح المتبادل، ما مَكّنهم من تشييد حضارة تجارية، سهلت مُرور البضائع و تقاليد المَدنية لِمُدُنِ المُتوسط، فكانت الزيوت و النبيذ و الحبوب و العسل و التوابل و الحِلِيِّ،…. تَجٌول بِحٌرية بين المٌدنِ، كانوا رائدي الجُغرافية و الملاحة و الزخرفة بامتياز، بل لقد أعطوا الاستقلالية لدُويلات الحوض لتُدبر أمورها، بدون خلق دولة مركزية ضاغطة، حيث كان التسيير محليا، و لم يَنْزَعٌوا إلى الغريزة الاستعمارية، مما أعطى غِناً و تنوعاً حضاريا للفترة الفينيقية، حيث كان السكان المحليون طرفا مهما في العملية التجارية، إلى درجة أن الديانة المعتمدة كانت بنفس درجة التنوع الحضاري، فقد اعتنقوا ديانة ثلاثية مبنية على المرأة، الشاب و العجوز، اختلاطا بين القوة، الخصب و الحِكْمَة، فلماذا تَلْفَظ أوروبا شبابنا و نساءنا.

فَما بال حُكام شمال الضفة ينتهجون سياسة استعمارية جديدة، أمام شباب و نساء مُحْبَطين، يَئِسوا من فساد و استبداد دُوَلهم، بل يحاولون الفرار من لعنة الحروب المُدبرة من طرف تجار سلاح الشمال، فلا حبوب و لا زيوت، فهم يشعلون النار حماية لمصالحهم حول آبار البترول. تعازينا طرابلس كُنتِ منارة الفينيقيين، حضارة و تجارة، صِرْتِ خرابا مُدبرا بين أنياب الناتو و همجية عصبية الداخل، فكيف لا يصير بطن الحوت ملاذا آمنا و الموت وراءنا.

لقد وصل حجم تأثير الفينيقيين، إلى أن الحروف الأبجدية السَّهْلَة التي يَسَّرَتْ علاقاتهم مع الشعوب، كانت المصدر الأساس لكتابة اللغات : اللاتينية، اليونانية و العربية، أما ساسة أوروبا فاختاروا مَسْلك قَصْفنا، استغلالنا و استعمارنا في إطار شعاراتهم البراقة حول العلاقات شمال ـ جنوب، أليس التبادُلُ المتكافئ و التنمية الحقيقية مَدخلا للحل. و حتى نبقى في إطار تقييم الذات أيضا، فليعلم حُكَّام دول الهامش بالبحر الأبيض المُتوسط، أن الإحصائيات تؤكد أن نسبة متدنية جدا من مُحاولات الهجرة للشمال، سُجِّلت إبان اندلاع الانتفاضات الإقليمية، لأن الشعوب أحست بإمكانية التغيير من الداخل، فتشبت الشباب و النساء بالبقاء في بلدانهم للمُساهمة في الحراك العام، لكن بعد مُؤامرات الداخل و الخارج، أكيد أن جو الإحباط العام بعد تمركز سلطة الاستبداد في نفس الأيدي، و إجهاض البناء الديمقراطي، والحروب الطاحنة، سيؤدي لا محالة إلى ارتفاع مُهول لموجات الهروب إلى شمال الحوض. ورغم ذلك فحُكامنا و حكامهم في انسجام تام لاغتيال أي هُبوب لرياح الديمقراطية، قد يُضِيعٌ مصالحهم.

ملحوظة لها علاقة بما سبق :
– نحتاج فعلا إلى قراءة جماعية لرواية الكاتب السوداني الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”.
– لقد عمل الإغريق و الرومان على محو الذاكرة الحضارية للفينيقيين، فهل تستطيع الكولونيالية الأوربية محو ذاكرتنا.

منعم وحتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.