موت الزعامات.. هل من سبيل إلى الفهم؟

في أدبيات علم الاجتماع السياسي ثمة حقيقة مؤداها”صناعة الزعيم والقائد نتاج سيرورة

تتبلور وفق مسار عمودي ا وافقي تغذيه الممارسة الميدانية وتؤطره التجربة،فيصبح محبوكا مستويا في مجال تخصصه..

هذه الحقيقة تنطبق على الرزئ الفادح الذي أهدرت فيه الروح الطاهرة لفقيد الشعب المغربي قاطبة؛شعبا وحكومة ومعارضة وقوى مدنية وسياسية ونقابية.

الشهيد المرحوم وزير الدولة عبدالله بها الرجل الحكيم داخل الحزب والحركة، رجل التوافقات، المهندس في التكنولوجيا الغذائية ،والإعلامي الذي اشتغل بجرائد “الراية و”الإصلاح” انتهاء” بالتجديد”.

القائد الذي اختار أن يتنقل في العمل السياسي من المحظور إلى المشروع،فدافع عن خيار العمل في إطار القانون،فاشرف على كل المحطات السياسية للحزب والحركة، فصنع المسار السياسي لقيادتها،محب لوطنه واضعا إياه فوق كل خلاف سياسي ضيق.

رجل تميز ببحثه الدؤوب عن الحلول الايجابية ، ومواقفه المتزنة التي كان لها وزنها ليس فقط بين عائلته السياسية،وإنما أيضا ضمن التطور الديمقراطي للمغرب.

كل هذه المواصفات والميزات الإنسانية العالية جعلت من الرجل شخصية تحضى بالاحترام والتقدير بين الرفاق والخصوم على السواء،وبين مختلف الفرقاء السياسيين.

وفي علاقة الفقيد برفيق العمر الاستاذ عبد الاله بن كيران ؛ فالرجل شكل العلبة السوداء لقائد الحكومة،وإلا لماذا أصر بنكيران على تقلده منصب وزير دولة لولا معر فته الحقة

برجاحة عقل الشهيد، وقدراته وكفاءته التفاوضية. خاصة أن الأنباء من داخل الحزب كانت تردد أخبار عن اثر دمغته الشخصية في مختلف الملفات الكبرى للحكومة بتدبير وتخطيط صامت بدون ضجيج اعلامي.

إلا أن المتتبع لما نقلته وسائل الإعلام السمعية البصرية والمكتوبة والالكترونية عن الأسباب والظروف التي استشهد فيها الرجل، وعن الطريقة والتوقيت التي وقع فيها حادث الاصطدام بالقطار مترجلا عن سيارته في نفس موقع استشهاد الفقيد الزايدي

يدعونا الى التوقف على المعطيات التالية:

  • الطريقة التي أزهقت بها روح الفقيد هي نفسها تقريبا التي غيبت المناضل السياسي اليساري والإعلامي الاتحادي الشهيد الزايدي قبل شهر. وان كان هناك اختلاف في شكل الوفاة؛ فالثاني توفي غرقا والأول توفي غدرا بصدم” قطار ليلي سريع”. فالرجلان يشتركان في الوفاة غير الطبيعية….
  • المكان او الموقع ، الفقيدان تقاسما عند مواجهة مصيرهما نفس الموقع ونفس المكان بأسفل قنطرة عبور القطار بمدينة بوزنيقة وبالضبط بجماعة واد الشراط الهادرة للأطر والكفاءات.
  • الزمان والتوقيت، فزمن استشهاد الفقيدين المناضلين لاتحكمه مسافة زمنية بعيدة

تصل الى فارق زمني قصير لايتعدى الشهر.

ولابد هنا من الإشارة إلى أن سبب- وفق مصادر اعلامية منقولة عن زوجة الشهيد- تواجد الفقيد بالموقع المذكور هو رغبة الرجل في استخبار جغرافية الموقع الذي ازهق روح الزايدي، لذلك ترجل عن سيارته التي وجدت بعيدة عن جتثه. فما كان إلا أن واجه مصيره المحتوم في المكان ذاته.

يبدو أن المتفحص ذو العقل الراجح لن تعوزه الرغبة في طرح جملة من التساؤلات:

كيف يمكن لهذه الزعامات أن تزهق أرواحها بهذه العبثية ؟ ولماذا هذا الرزئ الفادح وقع بنفس الموقع والمكان؟

والى حدود الإجابة عن هده التساؤلات من طرف الضابطة القضائية والسيد وكيل الملك

وإحاطة الرأي العام المغربي بكل صغيرة وكبيرة قصد ملء الفراغات وسد البياضات

التي ستتركها هذه القضية الى جانب قضية المرحوم الزايدي،يبقى السؤال المحرقي الحارق: ألا يكلف إهدار هذه الزعامات خسائر فادحة للشعب والدولة؛إن على مستوى التأهيل والتا طير والقيادة والتدبير أو على مستوى الممارسة السياسية والميدانية.

لكن من جهةاخرى ألا يشكل هذا المصاب الجلل قرعا لناقوس الخطر من اجل بعث رسائل

مشفرة أو مباشرة لمن يهمه الامر؟.

واقصد في هذا الصدد مختلف أطياف المشهد السياسي المتناحر والمتصارع حول كعكة الكراسي الوثيرة والمواقع النافذة. فلابد من إعادة الاعتبار في خرائط الطريق الموضوعة لمسارهم السياسي، وفي طريقة تدبير قيادتهم لمراكبهم الخاصة والعامة.

بعيدا عن الإغراق في النظر الى المرآة الأمامية خفية ونسيان العاكستين الجانبتين اللتين تضمانان ولو نسبيا تامين القيادة الى جانب تأبط حزام الأمان في طريق سيار قاتل.

حسنت الروح مستقرا ومقاما اثر هذا الرزئ الجسيم لرجل من رجالات هذه الامة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.