موت الإنسانية في أحضان الفكر الدوغمائي

نعم الإنسانية تعيش المخاض الكوني في ظل تنامي الفكر المتعجرف وتناسل الروح النرجسية وتوغل السادية السلوكية على الغير، هي الدوغمائية في أدق تفاصيلها البنيوية لا تعتد إلا بنفسها ولا ترى غيرها في البناء الوجودي المشترك، توحش دفع بها إلى ممارسة كل مقومات الفعل العنفي ابتداء من الشراسة الرمزية إلى اللفظية إلى الفعلية الجسدية.
دوغمائية قائمة على فلسفة الاغتيال، اغتيال كل ما هو على غير الأنا الواحدة ومن تم غير الأنا الجمعية، هي – أنا – تتأسس على فلسفة الإبادة والتقتيل، إبادة كل مخالف وتوعده بدائرة النيران الجهنمية التي تحرق المخالفين، وتقتيل كل من يرفض إيديلوجية المطلق، لسان حال الدوغمائيين فلنحارب الاشرار فالسماء معنا والآلهة تبارك لنا، والنصوص التاريخانية المقدسة تعدنا بالخمر والنساء والفواكه … هيا إلى النعيم فالحياة فتنة.
الدوغمائية اتجاه غير عقلي قائم على التعصب والتطرف والمواجهة، لا اعتراف فيها بوجود الاخر المختلف او العالم المختلف، فالدوغمائية تحاول أن تجعل العالم كله على نمط واحد، حياة أحادية، تفكير واحد، بل حتى هوايات واحدة، وان كل موجود في الوجود على غير شاكلتنا فهو في خانة العقوق والخيانة والعهر.
تتنوع اشكال الدوغمائية ما بين الدوغمائية السياسية التي لا ترى إلا الحزب الوحيد والسلطة الوحيدة التي يحق لها الحكم والتدبير، والدوغمائية الفلسفية التي لا ترى إلا نمط واحد للحياة ونظرة تحليلية واحدة للكون والوجود والإله ،والدوغمائيات العرقية واللغوية والثقافية التي لا تعتد بالتنوع ولا الاختلاف وتنحوا اتجاه الصدام، والدوغمائية الدينية سواء أكانت سماوية أو أرضية ترى في نفسها الهدى والحق وفي المخالف الضلال الظلام ، والعذاب الشديد الذي ينتظر كل من زاغ عن هداي وسبيلي.

في نظر الباحثين أن أخطر دوغمائية منتشرة بقوة في العالم والتي بسببها تحول العالم إلى مساحة للدماء والحرب والمعاركة المقدسة هي الدوغمائية الدينية – أما الدوغمائيات الأخرى فتوظف الدين للوصول إلى الغاية، فالغاية تبرر الوسيلة – لأن النصوص الدينية في بنيتها تعد المخالفين بالحرق والتعذيب المستمر، وتصفهم بأقبح النعوت، لذا من الطبيعي أن تجد الفاعل الديني  – بغض النظر عن إيديلوجيته الدينية سواء أكان سيخيا او شيعيا او سنيا أو مسيحيا او زراديشتيا او يهوديا أو كاثلوكيا … – يمارس الفعل العنفي اتجاه المخالف براحة وبطمأنينة، والسبب بسيكلوجي باعتبار  أن الفعل العنفي داخل في مسمى الإيمان الأصلي، بل أكثر من ذلك فهو في إطار تبليغ الرسالة الدينية والتي لها من الجزاء الكبير، لذلك لا نتعجب من الكم الهائل من الحقد والكراهية والوحشية التي يمارسها الفاعلون الدينيون بتنوعهم في العالم على الذين يختلفون معهم في الفهم والتحليل والتفكير.

الدوغمائية بأشكالها تؤسس لعالم مليء بالحقد والكراهية والعنف، هي منبع للدماء في سبيل فرض الأفكار والآراء على الانسانية جمعاء، الدوغمائية اتجاه حربي يدمر كل شيء في طريقها مخالف لبنيتها المنغلقة.

الإنسانية تتعرض للذبح من الشرايين على يد الدوغمائيين، تحتضر في أحضانها تتعرض لأبشع التصفيات الدينية والعرقية واللغوية والثقافية.. والعجيب في الأمر كله ان الصراع الحالي ليس بين الدوغمائيين و عالم الانسانية  كما هو متصور، بل هو صراع  ما بين الدوغمائيين أنفسهم، فكل طائفة دوغمائية تحاول نحر الطوائف الدوغمائية الأخرى من أجل أخد السلطة المطلقة في العالم.

* باحث في فلسفة التاريخ والأديان بجامعة محمد الخامس الرباط .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.