fbpx

مهاجرات جنوب الصحراء في المغرب..عنف مزدوج يحوّل الحلم إلى واقع مرير

كشف استطلاع أجرته المنظمة الدولية للهجرة (OIM) مع 1350 مهاجرا وصلوا إلى اسبانيا سنة 2018، أن الأسباب الاقتصادية للهجرة من بلدانهم الأصلية تأتي في المرتبة الأولى بالنسبة إلى الرجال (44 %)، ثم يليها أعمال العنف (32% ) ثم الحروب والصراعات (15%)، بينما بالنسبة إلى النساء تأتي أعمال العنف على رأس الأسباب التي حملتهن على هجرة بلدانهن الأصلية، إذ كشفت ( 58%) من النساء المستجوبات أن أعمال العنف هي التي دفعتهن إلى الهجرة، فيما كشفت (23%) أن الأسباب الاقتصادية هي من دفعتهن إلى الهجرة.
هذه الأرقام تكشف بوضوح أن النساء المهاجرات من جنوب الصحراء، يفعلن ذلك هروبا من العنف بالدرجة الأولى، ثم تأتي من بعده الأسباب الاقتصادية. قد يبدو هذا المعطى مفارقا، لكن من خلال ما لامسناه من الشهادات التي استقيناها لانجاز هذا التقرير الصحفي، اكتشفنا هول العنف والاستغلال الجنسي الذي تتعرض له هؤلاء النساء، يتعرّضن له حتى وهن في طريق الخلاص منه، إذ يظل العنف والاستغلال يلازمهن في مسار الرحلة، وخلال مكوثهن في المغرب في انتظار العبور إلى أوربا.
عادة، عندما تصل المهاجرات من جنوب الصحراء الراغبات في الهجرة إلى أوربا من بوابة المغرب، يخترن وجهتين أساسيتين: ضواحي مدينة الناظور شمال المغرب، لانتظار التسلل إلى مدينة “مليلية” عبر اقتحام السياج الشائك أو التسلل عبر الحدود البرية من خلال دفع أموال مقابل مساعدتهن على اجتياز الحدود البرية لمعبر مليلية ؛ المدينة المحتلة من طرف اسبانيا والمتواجدة بالشمال الشرقي للمغرب، ثم هناك منهن من يخترن التوجه إلى ضواحي مدينتي طنجة وتطوان القريبتين من مدينة “سبتة” المحتلة من طرف اسبانيا، لانتظار فرصة التسلل إلى المدينة الأوربية الواقعة على السواحل المغربية.


احتجاز واستغلال جنسي


في ضواحي الناظور، غالبا ما تلجأ النساء كما باقي المهاجرين إلى الاختباء في الغابات والجبال المجاورة، واشتهرت غابة “كوركو” ضواحي الناظور بوصفها ملجأ المهاجرين الأساس؛ يهربون إليها من عيون رجال السلطة حتى لا يتم القبض عليهم وترحيلهم بعيدا عن الشريط الساحلي الشمالي للمغرب.

مهاجرات من جنوب الصحراء في غابة “كوركو” نواحي مدينة الناظور/المغرب

داخل هذه الغابة، يعيش المهاجرون بصفة عامة حياة قاسية، حياة أشبه بحياة طفولة البشرية، حيث الاعتماد أساسا على ما تجود به الطبيعة من أجل المأكل والمسكن…
“ازابيلا”، مهاجرة شابة في الثلاثينات من عمرها، قدمت إلى المغرب من ليبيريا، في رحلة طويلة وشاقة، سكنها حلم الوصول إلى أوربا، وقرّرت أن تغامر من أجله، قطعت مسافة الرحلة في مدة تفوق 3 أشهر، إلى أن انتهى بها المطاف على تخوم مدينة مليلية، بعد مسافة ثلاثة أشهر، هاهي الآن على مرمى حجر من أوربا، لكن تجري رياح الواقع بما لا تشتهي سفن أحلام “ازابيلا”، تحكي لنا بمرارة، كيف شعرت بفرحة عارمة عندما علمت أنها وصلت إلى منطقة لا تبعد عنها مدينة مليلية إلا بعض الكيلومترات القليلة، وهي التي قطعت مئات الكيلومترات من أجل هذا الهدف، لكن هذه الفرحة سرعان ما تحولت إلى معاناة لا تنتهي.

من أجل الوصول إلى مليلية، قامت بالاتفاق مع شبكة مكونة في الغالب من الأفارقة، تقوم بتهجير المرشحين للهجرة إلى مدينة مليلية مقابل عمولات مالية، لكن بعد أن دفعت المال المتفق عليه، بدأ أعضاء الشبكة يسوّفون ويتماطلون، يطالبونها بالانتظار، لأن الحدود تحت مراقبة مشددة، وبعد أن خيّرتهم بين استرداد أموالها أو تهجيرها، قاموا باحتجازها في غابة “كوركو” ضواحي الناظور لمدة 8 أشهر، وقاموا باستغلالها جنسيا وممارسة العنف عليها.

بعد ذلك، تحكي ازابيلا بمرارة: “صار الأمر بالنسبة إليّ هو كيف التخلص من هذا الاحتجاز؛ لم تعد الأموال التي دفعتها تشغلني ولا الدخول إلى مليلية، ما يهمني أن أتخلص من هذا السجن الرهيب ومن هذا الاستغلال والعنف اليومي الممارس علي”.
استطاعت ازابيلا الفكاك من هذا الجحيم بعد معاناة طويلة، خرجت من هذا المحبس وهي تحمل في أحشائها طفلا لا تدري من هو والده، عندما احتجزها أفراد الشبكة، اخبروها أن عليها أن تلد طفلا حتى يساعدها وضع الأم المرفقة بابنها في تسوية وضعيتها القانونية بسرعة عندما تصل إلى التراب الاسباني.
بعد أن وضعت ابنها في مستشفى “الحسيني” بالناظور، بدأت تمتهن التسول في شوارع المدينة لتعيل رضيعها وتعيل نفسها، الآن ثلاث سنوات وهي تعيش على هذه الحالة، حصلت على أوراق الإقامة بالمغرب، لكنها لم تستطع أن تجد عملا يضمن لها العيش رفقة وليدها، وسط محيط حكم عليها أن تعيش الأمرّين: مطاردة رجال السلطة لها من جهة، والعنف الجسدي والمعنوي الذي مارسه رفاقها عليها ويمارسه المجتمع الذي تعيش فيه.

يسجّل عمر ناجي عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالناظور في هذا الصدد ما أسماه “العنف المزدوج” الذي تعاني منه النساء المهاجرات من جنوب الصحراء؛ ” فهن يعانين كباقي المهاجرين من المطاردات والمداهمات وإحراق مآويهن في الغابات المجاورة من طرف السلطات المغربية، كما يتعرضن أيضا للاعتقال التعسفي وترحيلهن في ظروف مزرية إلى الجنوب المغربي لإبعادهن عن محيط السواحل الشمالية المطلة على أوربا، رغم أن القانون 02-03 المتعلق بإقامة الأجانب في المغرب يمنع اعتقال النساء الحوامل رفقة أبنائهن، إلاّ أننا في فرع الجمعية سجلنا العديد من حالات الاعتقال للنساء، وترحيلهن في ظروف قاسية إلى الجنوب” يقول عمر.

إلى جانب هذا الضغوط التي تعيشها النساء من جراء المطاردات الأمنية لهن، يعشن عنفا آخر يمارسه عليهنّ رفاقهن الذكور، يقول عمر ناجي موضحا: “سجلنا في سنة 2018 حالات الاستغلال الجنسي من طرف أفراد شبكات تهريب البشر ومن طرف رفاقهن المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء، فقد وردت علينا حالات لنساء تعرضن للاحتجاز في الغابة المرفق بالاستغلال الجنسي لمدة سنتين”.


الجنس مقابل الحماية


“نامي” ليس حظها أفضل من ايزابيلا، هي أيضا تعيش نفس المعاناة ونفس المرارة، صادفناها تتسول أمام إحدى نقط إشارات المرور بمدينة طنجة، “نامي” قدمت من نيجيريا إلى المغرب، بغرض قطع بحر الأبيض المتوسط للوصول إلى أوربا، لكن وجدت نفسها مقيمة بطنجة منذ ثلاث سنوات، تمتهن التسول، وتعيش في بيت صغير رفقة طفليها في حي “مسنانة” بطنجة. تحكي “نامي” بمرارة كيف تحول حلمها بالوصول إلى أوربا إلى واقع العيش في مدينة طنجة متسولة تمدّ يدها لتعيل طفليها.

تحكي “نامي” قائلة؛ في طريق رحلة المسافات الطويلة للوصول إلى المغرب في انتظار، فرصة العبور إلى أوربا، كان لزاما عليّ أن أبحث عمن يحميني خلال مسار الرحلة الطويل والمحفوف بالمخاطر، لذلك ارتبطت بأحد زملائي في الرحلة، كان الأمر أشبه بمقايضة، أن امنح له جسدي مقابل أن يمنح لي الحماية، وأسفرت هذه المقايضة عن إنجابي لطفل، وها أنا الآن أصبحت المعيلة الوحيدة له بعد أن فقدت التواصل مع شريكي منذ سنتين، لحد الآن لا أدري هل نجح في الوصول إلى أوربا، أم مات في البحر، أم ما زال هنا في المغرب، وقرر الفكاك مني، فنحن لا ملك أوراق ثبوتية توثق هذه العلاقة بيننا.


من حلم الوصول الى اوربا الى العيش في قبو تنعدم فيه شروط السكن


“فيكتوريا” شابة من الكوديفوار، كغيرها من المهاجرات من جنوب الصحراء، قصدت المغرب من أجل انتظار فرصة العبور إلى الضفة الأخرى، تتواجد بطنجة منذ ثلاث سنوات، تتحدث بمرارة عن العنف الذي تقابله في الشارع بسبب لون بشرتها، تعيش في قبو تحت إحدى العمارات بمدينة طنجة، رفقة أزيد من 25 زميلة لها مع أطفالهن، هذا القبو هو في الأصل مقر جمعية تُعنى بالنساء المهاجرات من جنوب الصحراء، وحوّلنه إلى مقرّ للسكن بسبب صعوبة العثور على محل للسكن بطنجة، وبسبب رفض أغلب أصحاب المنازل الكراء للمهاجرات، وأيضا بسبب ارتفاع تكلفة الكراء بالمدينة، فاضطرّت “فيكتوريا” ورفيقاتها إلى العيش في هذا المكان الذي تغمره الرطوبة ولا تطل عليه أشعة الشمس، وتنعدم فيه أدنى شروط السكن الصحي.

  القبو حيث تسكن فيكتوريا وزميلاتها بمدينة طنجة/ المغرب

مرارة “فيكتوريا” لا يذيبها إلاّ أملها المستمر في أن تسنح لها الفرصة في أقرب وقت للعبور إلى أوربا، عندما طالبنا منها أن تمدنا بشهادة مختصرة مصورة، رفضت في البداية أن تتحدث إلينا، وبعد محاولات قبلت أن نسجل شهادتها للنشر، لكن دون أن يظهر وجهها، وعندما سألناها عن السبب، قالت أنها لا تريد مضايقات من طرف السلطات المغربية، ولا تريد أن يتم ترحيلها بعيدا عن الساحل الشمالي للمغرب، إذ ثمة حالات لمهاجرين ومهاجرات تم ترحيلهم من مدن الساحل الشمالي بسبب ظهورهم يتحدثون لوسائل الإعلام.
فهل ستتحقق رغبة “فيكتوريا” أم سيطول انتظارها هنا وتصبح مثل مهاجرات أخريات، مقيمة دائمة في طنجة، على بعد 14 كلم من أوربا؟



من خلال عملنا على انجاز هذا التقرير، لامسنا عن قرب غياب معطيات رسمية حول المهاجرات من جنوب الصحراء بالمغرب، كما أن وضعية هؤلاء النساء لا تلقى المتابعة الكافية حتى من المنظمات غير الحكومية والهيئات الحقوقية، إذ غالبا ما يتوجه الاهتمام من طرف هذه الهيئات إلى متابعة موضوع الانتهاكات التي ترتكبها السلطات في حق هؤلاء، بينما ليس هناك أي اهتمام بالعنف والاستغلال الجنسي الذي تتعرض له النساء داخل مجموعاتهن، يقول محمد بنعيسى رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان في هذا الصدد “تعد في حقيقة الأمر وضعية النساء المهاجرات المنحدرات من دول جنوب الصحراء من القضايا التي لم تلق الاهتمام من طرف الفاعلين المتعددين سواء الرسميين أو المنظمات غير الحكومية. نتيجة أنها تعيش وضعية هشاشة داخل المغرب. حيث أنها تتعرض في كثير من الأحيان إلى العنف المادي والرمزي والجنسي، اغلبه متجذر داخل المجموعات المغلقة من المهاجرين الذي تعيش وسطها تلك النساء” .
رغم الجهود التي قامت بها السلطات المغربية لتسوية الوضعية القانونية للنساء المهاجرات، والتعامل معهن بتمييز ايجابي، إلا أنهن ما زلنا يعانين من جانبين اثنين، لا يتم تسليط الأضواء عليهما بما يكفي:
أولا: ما زال استقرارهن النهائي في المغرب، تعترضه العديد من الصعوبات، خاصة لمن لديهن أطفال، هم في حاجة إلى المدرسة والتطبيب ولقمة العيش والأمن والاطمئنان، حيث يُواجَهُ هؤلاء الأطفال في الشارع وفي المدرسة بالميز والعنصرية، بسبب اللون واللغة، مما يضطر الأمهات إلى نقل أبنائهن إلى المدارس الخاصة التي تقل فيها هذه الممارسات العنصرية بين الأطفال، لكن هذا يتطلب مصاريف إضافية، وهذا المشكل تعيشه العديد من النساء، ممن استقينا شهاداتهن، مما يعني أن عملية الاندماج في المجتمع المغربي لا تتم بسهولة، بل تسير ببطء وتحتاج إلى المزيد من الصبر والانتظار.
ثانيا: تعاني هؤلاء المهاجرات الأمرين في صمت من جراء الاستغلال الجنسي والعنف الذي يمارس عليهنّ، من طرف رفاقهن ومن أفراد شبكات التهجير، فعندما تتعرض المهاجرة للعنف أو الاستغلال من طرف هؤلاء تجد نفسها مجبرة على الركون إلى الصمت وابتلاع مرارتها، إذ لا تجد من يستمع إليها ويكفك دموعها ويشد من أزرها، هكذا تظل تتجرع المرارة، بينما المجرم حر طليق لا احد يسائله على جرمه.

محمد المساوي

تم انجاز هذا التقرير الصحفي بدعم من المركز الاعلامي المفتوح بتمويل من الاتحاد الاوربي نتيجة فوز العمل بجائزة اعلام الهجرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.