من يُوقف الفرنكوفونية المدللة في المغرب؟

لم أتردد في حضور مهرجان يُدعى ” ليالي الفلسفة ” والذي نظمته الرابطة الفرنسية ” المدللة ” في الرباط نهاية الأسبوع الماضي، الرابطة الفرنسية هذه، أقامت محاضرات فلسفية في مختلف المواضيع الدينية والثقافية والكونية والسياسية.. وأطر ذلك عددا من الاساتذة باللغة الفرنسية .
وُزعت المطويات والملصقات، ونشرت لوحات الإشهار الخاصة بالمهرجان على المجلات والجرائد، باللغة الفرنسية طبعا، فكان يبدو، أن الرابطة الفرنسية، لا تهمها لا فلسفة ولا هم يحزنون ! بل كان الهدف من كل وراء كل هذه البهرجة هو ترسيخ الفرنكفونية وسط شبابنا، برعاية المخزن، ثم لا يفهم المرء أن البلاد كانت تحتفل قبل اسابيع بما يُسمى بالاستقلال، فإذا بها مجردة من مناقشة حتى مواضيع فلسفية بهويتها العربية مثلا !
حضر هذا المهرجان ” الفرنكوفوني ” عفوا ” الفلسفي ” المئات من الشباب والشابات، والذين تقمصوا رداء الفرنكوفونية، والبعض منهم، كان يطوف بين الحشود ليساءل أسئلة غبية باللغة الفرنسية.
إنهم يشبهون القطط التي تنفخ نفسها بالهواء لكي يكبر حجمها وتخيف أعداءها. والغريب في مرض الفرنكفونية ليس التطرف لصالح الفرنسية، بل هي العدوانية الواضحة ضد العربية، وسبب ذلك واضح، هو أن المنغلق على لغة واحدة يحس دائما بالخوف ويعتقد أنها أفضل لغة في الكون لأنه لا يملك غيرها، وهذا ما يجعل الفرنكفونيين يحسون برهاب اللغة الفرنسية، بينما المعرّبون يتصرفون بكثير من الثقة في النفس لأنهم في الغالب يتحدثون لغات أخرى إلى جانب العربية.
شخصيا، اعتبرت تنظيم الرابطة الفرنسية مهرجانا بهذا النوع والطريقة، هجمة شرسة بلا هوادة تضرب في عمق الهوية العربية.
مرة كان سائح دنماركي يجلس في مقهى في السوق الداخل بطنجة، ومرت قربه امرأة لم تتوقف عن مخاطبة طفلتها الصغيرة بفرنسية متحذلقة. ملامح المرأة تشي بأنها مغربية 100 في المائة. ضحك الدنماركي وقال إن هذه المرأة المعتوهة تذكره بتاريخ الدنمارك، لأنه، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كانت توجد طبقة من الدنماركيين المتحذلقين، الذين يتخاطبون في ما بينهم باللغة الفرنسية ويحتقرون اللغة الدنماركية. يومها كانت الدنمارك متخلفة ونخبتها تشبه نخبة المغرب في القرن الحادي والعشرين. وبعد عقود طويلة من الصبر انقرضت الطبقة الفرنكفونية من الدنمارك واستعادت اللغة الوطنية قوتها فاستعاد الدنماركيون ثقتهم بالنفس وهم اليوم يعتزون بلغتهم ولهجاتهم المحلية، وبات الإعجاب باللغة الفرنسية نكتة من الماضي.
فمتى يستعيد المغاربة هويتهم ويطردون الاستعمار الفرونكفوني، على الأقل لكي يحتفلوا المرة القادمة باستقلال ثقافي وفكري ويحتفظوا بهذه الهوية المُغيبة !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.