من يريد أن يجرّ الريف إلى العنف؟

محمد المساوي

اندلعت أحداث خطيرة ومفاجئة مساء أمس بمدينة إمزورن أقليم الحسيمة، حدث هذا بعد أن كان كلّ شيء في الأيام القليلة الماضية يوحي أن المخزن بدأ يخفف شيئا ما من القبضة القمعية التي مارسها ضدّ الحراك الشعبي السلمي منذ التدخل لفض اعتصام ساحة الشهداء يوم 5 يناير.
وهو الامر الذي يدفع إلى طرح أكثر من تساؤل، مصلحة مَن إشعال نار العنف والفوضى والتخريب؟ بدأت أحداث الامس من مسيرة تلاميذية كانت مقررة في بعض مناطق الاقليم للتوجه إلى الحسيمة حيث كان من المفترض أن تلتقي كل المسيرات، لكن السلطات كان لها رأي اخر، ونزلت بقوة لتفريق هذه التجمعات التلاميذية في مهدها. إلى حدود تفريق كل التجمعات لم يحدث أي احتكاك او مواجهة، لكن بعد ساعات قليلة من فض هذه التجمعات التلاميذية ستندلع مواجهات عنيفة بين أفراد من القوات العمومية ومحتجين أغلبهم أطفال صغار ومراهقين، نتجت عنها أحداث خطيرة تمثلت في احراق سيارات الشرطة وحافلة تابعة للامن، كما تم استعمال القنابل المسيلة للدموع، وتم اطلاق يد القوات العمومية لتعيث عنفاً واستفزازاً لم يسلم منها المارة ولا منازل وممتلكات المواطنين، مع تسجيل اصابات كثيرة في الطرفين واعتقال 15 شخصا بينهم قاصرين…
حتى لا يتم النظر إلى الموضوع من زاوية ضيقة، لابد من التأكيد أن الحراك الشعبي في الريف انطلق منذ 6 اشهر، والنقطة التي دفعته للانطلاق هي حادث استشهاد محسن فكري الذي كان بالنسبة الى ساكنة المنطقة غنوان ممارسة الشطط السلطوي، لذلك انطلق الحراك منذ البداية متمركزا حول شعار”كفى من الحكرة”، و هو تعبير عن احتقان دفين، ناتج عن توالي ممارسات سلطوية محكومة بمنطق فرض القبضة الامنية وامتهان كرامة المواطنين..
للاسف عوض أن تعمل الدولة على نزع فتيل هذا الاحتقان وحاولة معالجة أسبابه، نهجت أسلوبا اخر اعتمد على الانسحاب في البداية وترك الحراك يعبر عن غضبه واحتجاجه كما يشاء، لكن في المقابل لم يسجل على الدولة أي تفاعل مع الحراك ولا مع مطالبه، و قبل شهرين تقريبا حلّ الشرقي الضريس الوزير المنتدب في الداخلية بالحسيمة على اثر قمع مسيرة 5 فبراير، وتحدث الضريس في تصريحاته الصحفية أن الدولة ترحب بالحوار مع المحتجين، قال هذا ثم ولى ادباره وعاد إلى الرباط، دون أن يُفتح أي حوار ودون تجاوب حقيقي…
واليوم سيصلا الشرقي الضريس ووزير الداخلية محمد حصاد إلى الحسيمة للاجتماع مع المنتخبين والسلطات المحلية غدا، فهل سيحملان معهما مقترحات حلول وارادة سياسية للانصات إلى صوت الاحتجاج، أم ستكون زيارتهم لذر الرماد في العيون كما فعل الشرقي الضريس قبل شهرين؟
ابسط المؤشرات لوجود ارادة سياسية لدى الدولة لنزع فتيل الاحتقان، هو مساءلة ممثلي السلطة المحلية من العامل إلى القائد والباشا وكبار مسؤولي الامن… فكما هو مثبت أن الحراك الشعبي منذ انطلاقه لم يظهر عليه أي نزوع للانجرار نحن العنف، بل سلمية مسيرات الحراك الشعبي بالحسيمة شهد لها الكل وتناقلت الحديث عنه كبرى وسائل الاعلام الوطنية والدولية، لكن كلّما تدخلت القوات العمومية إلا وتحولت هذه السلمية إلى فوضى وتخريب للمتلكات ومواجهات عنيفة، والكل تابع فيديوهات تبين بوضوح أفراداً من القوات العمومية يقومون بتكسير مصابيح الانارة في الشارع ومهاجمة منازل المواطنين يوم 5 فبراير، كما سجلت فيديوهات ليلة أمس عناصر من القوات العمومية تقوم بمهاجمة المحلات التجارية وتكسير أبوابها وتكسير نوافذ منازل السكان؟؟؟ قبل ذلك بمناسبة مقابلة شباب الحسيمة مع الوداد البيضاوي  تحدث الكل عن التقصير الامني الواضح، مع تعمد اخراج الجمهور من الملعب في نفس الوقت على عكس ما جرت به العادة… اضافة الى الكثير من التصرفات التي تصب في خانة شحذ الاحتقان ومدّه بالوقود اللازم لاشعال المنطقة.

لكن رغم كل هذه التصرفات لم تعمد الدولة إلى معاقبة أي مسؤول محلي ولا إلى مساءلة أحد، مع أن المنطق يقتضي أن فيديو واحد للقوات العمومية ترشق مصابيح الانارة العمومية ومنازل المواطنين كافٍ بجر كل هؤلاء إلى المساءلة، وإلاّ فمن تحصيل الحاصل أن يعتبر المواطن ما يحدث ليس مجرد تقصير أمني وشطط في استعمال السلطة بقدر ما هو تعامل ممنهج يأتي من الرباط وهو ما يزيد في زرع أسباب الاحتقان والغضب..
مبدئيا لا يمكن إلا ادانة أي عنف سواء أتى من المحتجين أو من قوات الامن، مع التأكيد على أن الحراك الشعبي في الريف تبنى منذ اليوم الأول شعار السلمية ومازال مصرا عليها، لكن الوقوف في موقع الادانة فقط واستحلاء التفرج لن يحل المشكل، كما أن زرع أسباب الاحتقان، وممارسة القمع والاستفزاز، في منطقة حساسة تاريخيا هو لعب بالنار، إذا كان المخزن ينتظر مثل أحداث الليلة الماضية، ليخرج في العالمين قائلا: “أرأيتم هؤلاء فوضويون وأصحاب عنف وليسو أصحاب مطالب” فهذه لعبة حقيرة لن تفعل شيئا سوى أنها ستعمل على كبّ المزيد من الزيت على النار..
إن كانت للدولة إرادة سياسية فعلية لنزع فتيل الاحتقان، فأولى الخطوات هي مساءلة ممثلي السلطة المحلية في الاقليم، وعزل المسؤولين المباشرين على تغذية هذا الاحتقان بتلك الممارسات السلطوية، منهم عامل الاقليم وكبار مسؤولي الامن ثم العمل على فتح حوار جاد مع المحتجين على أرضية مطالب الحراك الشعبي، بغير هذا فإن استمرار مثل هذه الممارسات السلطوية القمعية سيجعل الافق مفتوحا على المجهول … فحذار حذار…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.