من وحي حراك الريف

احماد بويسان

ليست هناك منطقة في المغرب ثورية بطبيعتها(جينيا) وأخرى خانعة خاضعة للنظام المخزني الحاكم، كل ما في الأمر أن ظروفا موضوعية وذاتية توفرت واجتمعت خلال فترة معينة بمنطقة ما حفزتها دون غيرها من المناطق للتمرد ضد سلطة المخزن و ما يرافقها من ظلم و استبداد ونهب للثروات.
بالرجوع الى الماضي القريب، نجد أن شباب مدينة سيدي إفني الغنية بثرواتها البحرية، الطبيعية، الفلاحية و التاريخية ،انتفضوا هم أيضا سنة 2008 ضد جبروت المافيا المخزنية وقادوا تمردا مدنيا من أجل العيش الكريم واقتسام عادل للثروة. صيف 2001 قرية بني تدجيت المحاذية للراشدية بالجنوب الشرقي للمملكة انتفض أهلها على إثر اغتيال شاب فقير”ياسين العثماني” وأتذكر انهم قدموا ملفا مطلبيا متكاملا للسلطات من أجل تنمية منطقتهم،، الامر ايضا ينسحب على انتفاضة إملشيل مستهل سنة 2000 ضد الحكرة و العزلة والتفقيرالممنهج للمنطقة، دون أن ننسى الاعتصام البطولي- أطول اعتصام في العالم ولازال مستمرا لحد اليوم- والصمود الأسطوري للجماهير الشعبية بإيميضر ضد طغيان شركة أونا الملكية التي تخرب البيئة وتنهب ثروات المنطقة المعدنية والمائية في تحد سافر لكل القوانين والاعراف الانسانية. كل تلك الانتفاضات الشعبية تمت في غياب تضامن فعال من طرف باقي مناطق المغرب. هل هذا يعني أنها أي تلك المناطق لا تعاني بدورها من نفس التهميش أو أن أبناءها تنقصهم الشجاعة؟ الجواب طبعالا.لأن الارضية الموضوعية والذاتية لم تكن ناضجة لتمرد شعبي مواز لانتفاضة أهالي إملشيل،، إميضر، سيدي افني وبني تدجيت. لكي يتم تجاوز زمن الانتفاضات المتفرقة والمنعزلة بعضها عن بعض ، التي يتمكن المخزن غالبا من إخمادها بشتى الوسائل بما فيها ‘ التبوحيط”(الدروشة) المرحلي والتنازل التكتيكي، مستعملا،،توظيفات هنا وهناك،تنقيلات و إعفاءات لمسؤولين، رشاوى لأفراد وجمعيات ضمن سياسة إعلامية خادعة( مثلا ظهور خادع لبعض المسؤولين بمظهر المتجولين البسطاء في شوارع مدينة الحسيمة الريفية الثائرة) كل ذلك لدر الرماد في العيون، وهو في الحقيقة يستعد- اي المخزن- لاستعادة وضعه الطبيعي المألوف أي إدامة سياسة الاستبداد والاستغلال. قلت لكي نتجاوز الانتفاضات المتفرقة يتعين في نظري توحيد رؤية استراتيجية مشتركة بين مناضلي “بؤر” التمرد المدني السلمي وتكثيف التنسيق بينهم لتبادل الخبرات النضالية والمعلومات والمعطيات، في أفق إنشاء قيادات جهوية ووطنية للمقاومة المواطناتية السلمية ضد المافيا المخزنيةالمتحكمة دون استنساخ تجربة التنظيم الحزبي البيروقراطي العقيم و القيادات الانتهازية من أجل فعالية ميدانية تستعين بتقنية الانتخاب والقرعة في توزيع المسؤوليات بين المناضلين.
وما يعرفه حراك الريف بالمغرب من إبداع في التنظيم المحكم والعفوية الجماهيرية ومشاركة للمرأة دليل على ميلاد وعي تنظيمي و سياسي جديدين شبيه بما عرفته سابقا امريكا اللاتينية حيث تحالفت حركات تحرر الهنود مع قوى اجتماعية وبيئية مناضلة ضد الليبرالية المتوحشة ، ويجتاح حاليا إيطاليا، إسبانيا (بودموس)، فرنسا(حركة لزانسومي لزعيمها ملنشون ونوي دوبو) ميزة هذه الحركات أنها تريد القطيعة مع العمل السياسي التقليدي في الوسائل و الأهداف تزاوج بين الاحتجاج وبناء ثقافة ومشروع مجتمعي مضادين لواقع بئيس وحاضر سياسي أسن ومنهك. إنها تحمل معها نفسا جديدا وفي نفس الوقت تهدم القديم المعرقل للتطور ” التجديد التدميري”-Inouvation destructive – اي ان الجديد بالنسبة لها لا يأتي من العدم بل يولد على أنقاض القديم . نعم نحن أيضا في المغرب امام بزوغ ثقافة سياسية جديدة ناشئة تقطع مع اللغة الخشبية لمحترفي السياسة وجيل جديد صاعد متعطش للحرية والعدل و الكرامة ومساواة الجميع أمام القانون،و يجيد استعمال قنوات التواصل الحديثة البديلة عن الإعلام الحزبي والرسمي. الخلاصة أنحراك الريف فتح افاقا جديدة لحراك مدني نوعي و متحضر سيعم باقي ربوع الوطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.