من وحي “ترشيد الاعتقال الاحتياطي”

“ترشيد الاعتقال الاحتياطي” من العناوين الكبيرة التي تحفل بها خطابات القيمين على تنفيذ السياسة الجنائية في المغرب، ففي كل مناسبة تقريبا يتم التنبيه إلى خطورة جبل الجليد هذا الذي يطفو على السطح كلما تحدثنا عن حصائل النظام العقابي المعمول به في منظومتنا الجنائية ككل.

بيد انه من الثابت أن الإجراءات المواكبة لتفعيل هذا الشعار أي “ترشيد الاعتقال ّ تظل مجرد صيحات في واد، إذ رغم كل البدائل المسنونة في قانون المسطرة الجنائية سواء تلك التي تتوفر عليها النيابة العامة أو التي وضعها المشرع رهن إشارة قضاء التحقيق، فان الأرقام الرسمية تبدو مقلقة وربما صادمة، فقرابة نصف ساكنة السجون هم معتقلون احتياطيون (أكثر من 40.19 في المائة ،33168 )

 إطلالة عجلى عن البدائل نجدها تصل إلى ثمانية عشر تدبيرا من الممكن الاستنجاد بها  كبديل عن الاعتقال سميت في القانون “الوضع تحت المراقبة القضائية” من بين ما تتضمنه على سبيل المثال :إغلاق الحدود، التقدم بصفة دورية أمام المصالح والسلطات المعنية، الاستجابة للاستدعاءات ..تقديم الوثائق خاصة جواز السفر ..المنع من الاتصال ببعض الأشخاص..الكفالة المالية ..وغيرها كثير…

 أضف إلى ذلك ما صرح به أحد المسؤولين عن  ابتداع تدبير جديد هو  الخضوع لنظام القيد أو السوار الالكتروني ..

الطبيعي أن نسبة مهمة من الأرقام المذكورة أعلاه  (15 في المائة ) يفرج عنهم إما بالسراح المؤقت أوان الحكم فقط يتضمن الغرامة أو يكون موقوف التنفيذ ، لكن والاهم أن هناك من تنتهي محنته بحكم بالبراءة .

 “أتخيل احدهم يدخل السجن لأول مرة في حياته ، تفتح في وجهه البوابة الكبيرة، ويغلق إلى حين العالم الآخر المسمى “حرية”. يدرج اسمه في سجل أسود جنبا إلى جنب مع رقم يليق باعتقاله، وصورة فوتوغرافية بالألوان كتلك التي نعد بها بطاقة التعريف. يدار المفتاح بيد كبيرة دورتين كاملتين ، فتتقدم خطاه خجولة إلى الفضاء المسمى ” مؤسسة “.

هنا الولادة الجديدة، ومن هنا أيضا ينطلق كرب المخاض للأسرة والعائلة، وبين طلب للسراح سيرفض على عجل وآخر لاستدعاء المصرحين ….وبين زيارة للعائلة وأخرى للمحامي يكون صاحبنا قد أمن لنفسه مبيتا لائقا وغطاء من نوع بايير، البذلة الرياضية ضرورية والجوارب  السميكة أيضا  وصحبة تشاركه صرف الاماسي الباردة في زنزانة “الضيافة” تسعفه على التفكير بهدوء في القضية التي ستكون جاهزة ذات خميس ..

أما ما أصاب حياته الأولى، ووضعه الاجتماعي والأسري فتلك حكاية أخرى: حسابه البنكي سيتجمد عند ذلك السحب الذي أجراه في “المول” لكي يستجيب لعناد ابنته ذات التلات سنوات وهي تتشبث بعروس باربي. صورته الأنيقة في الفايس التي لاقت إعجابا من طرف الأصدقاء والأهل والدار حيث يتكئ باسما على سور قصير بينما الأفق شديد الزرقة والسكون ستتجمد أيضا وكأنها صورة تركها شخص خطفته يد المنون.

سينسى هذه التفاهة كأنها لم تكن على الإطلاق، وسيركز الجهد كل الجهد، على جلسة الخميس:

تصريحات الشهود  وسائل الطعن في بعضهم ، القرائن والوثائق القديمة  سيتسلح بوصايا احد حكماء الزنزانة و سيمثل ببذلة سوداء ، سيشرح بكلتا يديه انه بريء .

سيقتنع القاضي ويصرح ببراءته ..

الأربعة أشهر الماضية من الاعتقال كانت كافية ، كافية لتتغير أشياء كثيرة في حياته ، سيفقد العمل لدى الشركة، و رب المنزل الذي هنأنه بحرارة  يوم البراءة المشهود سيتردد عليه كل صباح  لتسوية خمسة أشهر من الكراء لا زالت عالقة في ذمته.. طبعا سيرتب كل شيء وسيتغلب على هذا الخطب الطارئ فقط أن النيابة العامة استأنفت قضيته من جديد ..”

بكلمة موجزة ونحن نتحدث عن ترشيد الاعتقال الاحتياطي، حبذا لو تم تسليط الضوء على موضوع لا يقل أهمية: ترشيد الاستئناف.

 ذ.نبيل الحمري/ محامي من هيئة طنجة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.