من “شبرا” إلى “التحرير”.. مع مصر التي ولدت من جديد

شاهد على يوم 25 يناير عاش قبل عهد مبارك

أخرج في مظاهرات منذ نحو أربعين عاما ، لكنني اشهد أنني لم ألمس في حياتي متظاهرين بهذا الحجم والزخم و بهذا العزم و الإصرار إلا في يوم 25 يناير 2011 . في سبتمبر 1970 كان عمري 12 عاما حين توفي الرئيس جمال عبد الناصر فخرجنا من المدرسة الإعدادية لننضم لموكب حزن عم البلاد . و قد صدمني حينها أن عددا من المتظاهرين أخذ يقذف بالحجارة معهدا أزهريا دينيا رفض أن يفتح أبوابه لطلبته كي ينضموا إلى المظاهرة . لكن فيما بعد ـ وبالنسبة لي ـ كانت كل المظاهرات التي شاركت فيها معارضة للسلطة ، بدءا من مظاهرة 25 نوفمبر 1976 ، حين كنت طالبا بالسنة الأولي في كلية إعلام جامعة القاهرة . وفي يوم 18 يناير 1977 قطعت المسافة بين ميدان الجيزة و العباسية في رحلة عودة ، وأنا أرى الجيش ينزل الشوارع ويطلق النار في الهواء لفض أكبر مظاهرات عرفتها مصر قبل ثلاثاء الغضب 2011 .

صباح يوم الثلاثاء الماضي بدت القاهرة مستكينه تحت حصار جحافل الأمن السوداء . بعد الساعة الثانية عشر ظهرا ، قطعت المسافة من بيتي في المعادي الى نقابة الصحفيين بقلب القاهرة ، فيما كان ركاب مترو الأنفاق صامتين أكثر مما هو معتاد . وقبلها لا حظت في طريقي الى محطة مترو المعادي ملامح شبه لا تنكر بين صورة زوجة الرئيس المرفوعة على إعلان لمشروع ” القراءة للجميع ” وبين ملامح وجه “ليلي الطرابلسي” زوجة دكتاتور تونس الهارب “زين العابدين”، الذي طالعته في الصحف على مدى اسبوع مضى . وإن لاحظت أيضا إختفاء صور إبن الرئيس الممهورة بآيات النفاق الرخيص على لافتات نائبي الدائرة المزمنين . وأحدهما رجل أعمال من “القطط السمان “سيرته ليست افضل من أقرانه في لجنة سياسات الحزب الحاكم ، و الآخر رئيس إتحاد العمال الذي إحترف تزوير الإنتخابات النقابية وشاع عنه انه رجل أعمال أيضا.

وعندما وصلت الى ميدان الإسعاف بقلب القاهرة ، و أخذت طريقي الى نقابة الصحفيين في شارع “عبد الخالق ثروت” المتفرع من شارع “رمسيس” . بدا أيضا ان التظاهر سيكون مستحيلا ، إلا من مشهد الاحتجاج الفلكلوري الذي يتكرر عبثا منذ خمس سنوات أمام واجهتى نقابتي المحامين والصحفيين المحاصرة دوما بقوات الأمن المركزي وعملاء الشرطة السرية . ولكن سرعان ما اعتقدت انه حتى هذا لن يحدث بعدما دلفت الى بهو النقابة المعتم الخاوى إلا من نفر يعد على اصابع اليد الواحدة ،وقد تلقى رجال أمنها تعليمات من النقيب الحكومي ـ الذي بدأ حياته المهنية مندوبا صحفيا لدى وزارة الداخلية ـ بإغلاق الأبواب في وجه أي زائر أو ضيف .

خرجت من المبنى الكئيب و”الزميلة منال عجرمة ” من مجلة الإذاعة والتليفزيون و الزميل ” جمال الدين حسين ” من روزا اليوسف . وكلاهما مريض وخاصة منال التي كانت قبل ايام قد أجريت لها عمليه جراحية . وقصدنا السير في اتجاه ميدان التحرير بعدما قابلنا عددا من رموز حزب “الوفد” بينهم رجل الأعمال “رامي لكح” ، ووهم يهرعون في شارع رمسيس باتجاه الميدان .و فيما كانوا يعبرون الشارع الوسيع الى الجانب الآخر , شاهدت ومعي الزميلين “منال” و”جمال” بين صف طويل من عربات الأمن المركزي الزرقاء رجال الشرطة السرية و هم يجلبون بين قبضاتهم ثلاثة صبيه لا تتجاوز أعمارهم الثمانية عشر عاما .و في مشهد من عصر السينما الصامته أخذوا يوسعونهم ضربا ويلقون بهم داخل العربات . لم نملك ثلاثتنا ان نفعل شيئا . فقد كان الصمت مطبقا بالكامل . فقط وعندما ابتعدنا قليلا من المكان ، استخدم كل منا هاتفه المحمول ليبلغ زملاءه العاملين في مكاتب صحف وإذاعات غير مصرية بما رأي للتو.

وعندما بلغنا ميدان التحرير ، كانت حركة المرور متوقفه تماما، وقد احتلت جحافل الأمن المركزي و معها عملاء الشرطة السرية الميدان بالكامل . و اشاعوا فيه أجواء خوف ورهبة بين المارة الذين أخذوا في العبور مهرولين، و كأنهم يخشون كارثة . فقط همست لنا سيدة عجوز إحتمت بسنوات عمرها لتقف على الرصيف الى جوار باب محل مغلق :” مظاهرة كبيرة طلعت على كورنيش النيل من شويه ” . لكن بدا الوصول الى الكورنيش مستحيلا في ظل تقطيع الأمن لأوصال الميدان الفسيح . وعندها كانت الساعة تقترب من الثانية بعد الظهر ، تلقيت إتصالا من شبرا من زميلي الصحفي “ساهر جاد” الذي كان يستعد لدخول مستشفي في مصر الجديدة لإجراء عمليه جراحية خطيرة لا تحتمل التأجيل . و أبلغني ان شبرا الآن تجوبها أربع مظاهرات على الأقل . أحس الزميل “جمال” بالتعب فغادرنا . و اتجهت و الزميلة “منال” الى شبرا في سيارة تاكسي . و انضممنا الى أول مظاهرة صادفتنا في شارع الترعة . كانت تضم بضع مئات و تهتف بشعارات جديدة لم نألفها أبدا على مدى سنوات من محاولات التظاهر المحاصرة المجهضة في سنوات مبارك الأخيرة . و بدا لي منها أن نسمات تونس قد أخذت تهب على القاهرة ،رغم أنف متحزلقي النظام في إعلامنا الموجه بضراوة. و تذكرت عنوان مقال العمود اليومي لنقيب الصحفيين ” مصر ليست تونس ” ، والذي يكتب بانتظام و إلحاح في جريدتي التي لا تنشر لي و لغيري من زملاء يحترمون مهنتهم ، فابتسمت . كان العديد من الهتافات مستلهم من الثورة التونسية بلا جدال . وبدا المتظاهرون أكثر حماسة و إخلاصا وهم يرددون وراء التوانسة شعارات من قبيل :” خبز ,. حرية .. كرامة وطنية ” . صادفت عددا محدودا من وجوه الشباب الذين اعرفهم من قبل . إلا ان السواد الأعظم من المشاركين في المظاهرة كانوا وجوها جديدة بالنسبة لي. ولاحظت ان القبطيات والأقباط يشاركون بكثافة رغم تعليمات الكنيسة . و ابتكر قادة المظاهرة ـ وهم في الأغلب من الوجوه الجديدة ـ شعارا عبقريا :” يا محمد قول لبولس .. بكرة مصر تحصل تونس ” فتجاوب معه الجمع بمزيد من الحماس والإخلاص . وتراوحت الشعارات بين السياسي بسقف مطالبة “مبارك ” بالرحيل وبين الاقتصادي الإجتماعي المطلبي عن البطالة والغلاء . وحث المتظاهرون الناس الذين تجمعوا على أرصفة شوارع شبرا وكأنهم يرون للمرة الأولى مظاهرة على الانضمام .لكن بدت الاستجابة ضعيفة وفي العيون خوف عشرات السنين . لكن بعد نحو ساعة ونصف من التجوال ، بدأ نساء وأطفال و شيوخ يطلون من شرفات بيوت الطبقة الوسطي الشبراوية الأصيلة يخرجون عن الصمت ، ويتجاوبون ، فيلوحون بأيديهم و يشاركون في ترديد الهتافات .

كانت المظاهرة بالأصل يغلب عليها شابات وشبان تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة و الثلاثين .وتدل الملابس عن تفاوت إجتماعي ، وإن مالت الى طبقة وسطى تفصح أرديتها وأحذيتها عن إنهيار الحال ، فضلا عن أناس أكثر فقرا . و قالت لي زميلتي ” منال ” وهي تشق طريقها مغالبة آلام الجراحة الى مقدمة المظاهرة ومعها علم مصر بدون ساريه ان متظاهرا شابا أبلغها بانه بدأ هذه المظاهرة ومعه أربعة من رفاقه من زملائه الصنايعية العاملين في إحدى ورش بشبرا.

وعندما اقتربت المظاهرة من مدخل شبرا باتجاه رمسيس ، ظهرت للمرة الأولى صفوف قوات أمن مركزي تسد الطريق . فانحرف المتظاهرون الى شارع جانبي ، وأخذوا يجوبون أزقة شعبية تختلف في معمارها و أجوائها عن شوارع واجهة الحي . كانت المظاهرة آخذة في التزايد على مهل و بدون طفرة . لكن عندما هرول المتظاهرون من شارع جانبي خلف صفوف الأمن المركزي قاصدين نفق شبرا باتجاه وسط القاهرة التقطت أذناي أصوات هتافاتنا ،وهي تكسر صمت السنين و تشق بقوة عنان السماء : ” يسقط حسنى مبارك”. وعندما تمكنت من القاء نظرة عجلى الى الخلف هالني ما رأيت .الألوف انضمت . من أين خرجوا ؟.. لا أدري. فقد كنا للتو مجرد ألف واحدة .

في الطريق الى ميدان التحرير عبر شارع رمسيس بدت المظاهرة وكأنها سيل عارم من المستحيل على قوات الأمن اعتراضه ، وقد انزاحت جحافلها الى جوانب الطريق . و قدرت حينها المشاركين بنحو عشرة آلاف . و حينها تلقيت اتصالا من أخي استاذ الجامعة و الطبيب الدكتور”إيمان يحيى” يبلغنى ان المتظاهرين المحاصرين أمام نقابة الأطباء منذ الساعة الواحدة ظهرا كانوا قد تمكنوا من إزاحة الطوق الأمني ، وانطلقوا في شوارع جاردن سيتى ، وعادوا الى القصر العيني الذي شهد بالأصل اطلاق قنابل الغاز على متظاهرين قصدوا مبنى البرلمان . كما استخدمت القوات الهراوات و الحجار فسالت الدماء من الجباه ، وجرى اعتقال العشرات . حاولت الاتصال بصديقي وزميلي في ” الأهرام “علاء العطار، و نجح الاتصال هذه المرة . وعلمت انه وصل منذ قليل مع مظاهرة بالآلاف انطلقت من شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين .

قبل غروب شمس اليوم بدا مشهد التحرير ساحرا أخاذا ،وقد تجمع فيه عشرات ألوف يصعب حصرهم . و قد أخذت الجموع في ترديد هتاف طالما سمعته عبر الفضائيات من تونس على مدى اسبوع مضى :” الشعب .. يريد .. إسقاط النظام “. بدت محاولة الوصول الى مقر وزارة الداخلية كما كانت دعوة شباب “الفيس بوك “بلا جدوى في ظل حشود لا نهاية لها من قوات الأمن . و بالأصل فقد وجد المتظاهرون في احتلال أكبر ميادين العاصمة و المبيت فيه الى صباح اليوم التالي هدفا استراتيجيا بامكانه إنهاء حقبة الفساد والاستبداد .و قد قال البعض ان المصريين هنا سينهون عهد الاستبداد والفساد ويقطعون مشوار الثورة في ايام أقل مما احتاجه رفاقهم في تونس .

بمرور الوقت ، إنقطعت اتصالات شبكات المحمول الثلاث . و قال متظاهر ان رجال الأعمال اصحاب الشركات متواطئون مع الأمن ، فيما قال آخر انه رأي عربة تشويش على الاتصالات في أحد اطراف الميدان ربما تكون مسئولة عن الانقطاع .

وفي حوالي الساعة السادسة بدأ يتوافد الى الميدان نفر من رموز دعاية الحزب الحاكم ونظامه الأقل ظهورا في الفضائيات . شاهدت بنفسى الزملاء “حازم منير” و “أنور الهواري” و الدكتور “محمد عبد السلام” وقد بدا أنهم جاءوا يستفسرون . وفيما انصرفوا سريعا دون ان يتعرض أحد لهم و لضباط بملابس رسمية طالما جابوا المكان في أمان بين المتظاهرين ، قال لي زميل مهنة محترم :” يبدو أن جهة ما دفعت بهم في مهمة تقدير موقف”.

بمرور الوقت كان البرد يشتد ، لكن بدا واضحا ان أعدادا متزايدة من المصريين نزلت من منازلها للانضمام الى المتظاهرين في ميدان التحرير . وشاهدت بعيني هاتين أسر بكاملها ومعها أطفال رضع و لا تتجاوز أعمارهم السنتين يلتحقون بالميدان مع الجموع التي خرج سوادها الأعظم في مظاهرة للمرة الأولي في حياته . كان الناس لايعرفون بعضهم البعض ، لكنهم تحدثوا دون تحفظ او خوف كأنهم عاشوا سنينا تحت سقف بيت واحد . مختلف الأعمار والطبقات بميل واضح نحو طبقة وسطى مس شبابها جنون الإنترنت والبطالة والإفقار وإهدار الكرامة . نساء يشاركن بكثافة و للمرة الأولى.و منذ نحو اكثر من ثلاثين عاما أدرك انه في مصر لا يزال هناك عدد لا بأس به من غير المتحجبات أو المنقبات .وإن ظهرت محجبات ومنقبات انخرطن في حوار حميم مع غير المحجبات مسيحيات ومسلمات . عم الجمع الهادر دفء المكان الوسيع ، وذلك رغم اشتداد البرد مع الدخول الى قلب الليل . قرصني و صديقي علاء الجوع ،وإن كنا لم نشعر بالعطش أبدا . فتحركنا للخروج الى شارع طلعت حرب ، بعدما اكتشفنا ان الشرطة أجبرت محلات الطعام و أكشاك بيع ” البسكويت ” في الميدان على الإغلاق . وفي الطريق الى مطعم بطلعت حرب ، صادفتنا فلول من جنود منهكين حول صف طويل من عربات الأمن المركزي . سألت أحدهم :” أكلت ؟” . راوغت عيناه عينى وهو يرد باقتضاب :” لا .. من الصباح ما أكلوناش ” .

عندما عدنا الى الميدان التقينا بالأديبة والصديقة “سلوى بكر”، و قد جاء معها ابنتها “ريم ” وخطيبها . وفيما كانت الأعداد آخذة في التزايد ، قالت لي “سلوى” : “أنظر .. هذا شباب جديد لم تعرفه مصر من قبل.. حتى لو فرقوهم بالقوة الليله فهم قادرون على العودة للتجمع بفضل الفيس بوك والتويتر ” .

كنا بعد العاشرة ليلا عندما أخذ شباب كالورد في توزيع بيان مطبوع ببدائيه على ربع ورقة . البيان بالغ الايجاز والوضوح كما الجموع في الشوارع والميدان بلا رايات حزبية أو أيديولوجية , وقد خلا من أي توقيع .فقط ينتهى بعبارة “عاش كفاح الشعب المصري ” . ونص البيان :” نحن جموع المعتصمين في ميدان التحرير ، الذين اطلقوا شرارة الانتفاضة ضد الظلم و الطغيان ،انتفضنا بارادة الشعب القوية الذي عاني منذ 30 عاما من القهر والظلم و الفقر ، تحت حكم مبارك و لصوص نظامه في الحزب الوطني . لقد اثبت المصريون اليوم انهم قادرون على انتزاع الحرية و تحطيم الاستبداد . مطالب الشعب قالها في هتافاته اليوم في الشارع : 1 ـ تنحي مبارك عن السلطة فورا ..2ـ اقالة وزارة نظيف كاملة ..3 ـ حل مجلس الشعب المزور .. 4 ـ تشكيل حكومة وطنية . نحن مستمرون في الاعتصام حتى تستجاب لمطالبنا ، وندعو كل الجماهير المصرية في كل بر مصر و النقابات والأحزاب والجمعيات الانتفاض لانتزاع هذه المطالب . فلننظم الاضرابات و الاعتصامات والمظاهرات في كل مكان حتى اسقاط النظام “.

وبمرور المزيد من الوقت تحول الناس وهم جلوس على الأسفلت الى حلقات نقاش . أناس يلتقون للمرة الأولى ينخرطون في حوارات حميمة . الكل يحكي معاناته و احساسه بالقهر والذل . و بدأ الغناء يرتفع من بعض الحلقات باناشيد وطنية ،وعاد البعض لاستلهام تراث إمام ونجم . وفيما واصلت الألوف هتافات من قبيل : “الشعب .. يريد .. اسقاط النظام ” . ارتفع صوت شاب بشعار : ” لا إله إلا الله .. مبارك عدو الله ” . لكنه لم يلق استجابه . ونهره عدد من المحيطين به . فيم يعيدها.

قابلت شبابا كالورد أحدهم عمره 28 عاما . قال لي و الدموع تخنق صوته :” يا عمو .. إنت على الأقل شفت ريس غيره .. انا عمرى ما شفت إلا هو .. انا اتخنقت منه ” . و قال آخر وهو يكاد يبكي تأثرا :” أول يوم في حياتي أحس أني حر في البلد دي .. لو مت النهاردة مش هازعل على نفسي”. وكان الشابان من ضمن ألوف يخرجون للمرة الأولي في مظاهرة. وبينما كنا نتحدث مر شاب أنيق الملبس ، و قد انحنى على الأرض يجمع زجاجات المياه الفارغة،ويضعها في ” كيس بلاستيك ” تمهيدا للتخلص منها في صندوق قمامه ، فقبلته .

بعد منتصف الليل ، شاهدت مجموعات من الشرطة السرية قويي البنيان وقد بدأوا في الظهور . أخذوا في التجول صامتين على اطراف المظاهرة . وبعدها بدقائق وتحديدا في الساعة الثانية عشرة والنصف وخمس دقائق انهمرت على المتظاهرين المعتصمين بالميدان مئات من قنابل الغاز و القنابل الصوتيه . اقتحم الجنود بوحشية مقدمة عشرات الألوف من المتظاهرين من جهة شارع القصر العيني . فيما وصل قصف قنابل الغاز الى منتهى الجموع عند مدخل شارع طلعت حرب .و كان لافتا ان جنود الأمن المركزي المقتحمين أخذوا هم ايضا في التساقط بفعل التركيز المكثف للغاز . وبالأصل فان قادتهم قد دفعوا بهم دون ان يوفروا لهم كمامات واقيه . شخصيا كدت اسقط على الأرض تحت الأقدام بعدما شعرت بدوار واصابتني ازمة تنفس حادة لم اعهدها في حياتي من قبل . كما فقدت الرؤية تقريبا بفعل تأثير الغاز على العيون .

واندفعت في اتجاه شارع جانبي يقودني صديقي وزميلى الاستاذ “أبو المعاطي السندوبي” . و قابلتنا صيدلية صغيرة مفتوحة . أخذ المتظاهرون المصابون بأزمات التنفس و فقدان الرؤية يتدافعون عليها . و بشهامة المصريين قام اصحاب الصيدلية والعاملون بها بتقديم الاسعافات ، رافضين ان يتلقوا أي مقابل و غير عابئين باحتمال مداهمة رجال الشرطة السرية الذين انطلقوا كالوحوش الجائعة في تعقب فلول المتظاهرين لاعتقالهم .

و في عتمة الليل بعد الواحدة ، كان بامكاني والصديق “أبو المعاطي” أن نتحرك الى قلب القاهرة باتجاه ميدان “مصطفي كامل” حيث تناهت الى اسماعنا أكثر من محاولة لتتجمع والتظاهر مجددا . و شاهدنا في عتمة شوارع تكاد تخلو من المارة وبخاصة شارع شريف مجموعات من قطعان الشرطة السرية وهي تصطاد شبانا كانوا يتحركون منفردين .وقد علت صرخات وحشية من قادة القطعان وهم يتناولون الشباب بأقذع الفاظ السباب واكثرها انحطاطا ، فيما تكفل معاونوهم بسحلهم و ضربهم و جرهم الى عربات شرطة .

كان المشهد مرعبا على نحو لم أعرفه من قبل ،رغم انني شاهدت مرارا خلال السنوات الماضي حملات اعتقال وسحل في شوارع القاهرة طالتني شخصيا مرتين . لكننى و”ابو المعاطي” قابلنا شابا كوردة حمراء خرج الينا من عمق ظلام الليل. يمشى بخطوات غير هيابه في اتجاه اصداء تظاهرة بعيدة . وقد أبلغنا في نبرة تحد أنه سيواصل حتى لو ضربوه بالرصاص.

المصدر: البديل المصري
يعاد نشر المقال بالاتفاق مع الكاتب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.