من سفر الى سفر …قصة قصيرة

محطة القطار بمدينة وجدة تعج بالمسافرين من مختلف الأعمار و الأجناس ،منظر الحقائب ، الأكياس و الأمتعة يقابلك  أينما يممت وجهك ،  ومشاهد أخرى .. !!

رجل يعنف طفلا صغيرا و يطلب منه أن يسرع لأن موعد  إنطلاق القطار قد إقترب ،إمرأة في مقتبل العمر تبيع المناديل الورقية و تطلب الاعانات المادية من المسافرين في نفس الوقت ،شاب متقد البصر يحدق يمنة و يسرة كثعلب جائع  يترقب فريسته بشغف ،ربما يكون لصا ؟ قاتل الله سوء الظن بالناس وما أدراك أنه كذلك !! شرطيان يقفان في زاوية المبنى و تبدو عليهما علامات التأفف و هما ينفثان  دخان سجارة رخيصة ،سائح فرنسي يمر بسرعة   وهو يجر حقيبة فريدة ،تنبعث منه  رائحة عطر  قريبة من رائحة علف الدواجن  … يتعقبه سمسار  يلح عليه لقبول عرض ما !

 

لن أسافر  اليوم ماذا سوف أخسر إن تأخرت ليوم اخر ؟ الرباط في مكانها لن تتحرك  !

خرج عبد الجليل مسرعا من محطة القطار وهم أن يدفن نفسه في أقرب حانة لعله يجد دفئا مع بداية المساء،لكنه عدل عن قراره هذا ودخل مقهى “إكسلونس “بعد أن إقتنى كتابا من الكشك المحاذي للمقهى، قرأ عنوان الكتاب و لم يتصفح فهرسه  ثم سأل عن ثمنه .

-بكم سيدي ؟

-60 درهما

-أه هذا كثير ؟ !

إنها طبعة جديدة مزيدة و منقحة ..

حسنا حسنا خذ..لكن يجب أن يعاد النظر في ثمن الكتب الورقية في هذا العصر الرقمي !

أخذ الكتاب  ، تسلل بسرعة الى المقهى  أخذ مكانه بين الجالسين ،و هو يتمتم حسنا فعلت لم ألج الحانة القذرة اليوم لقد قطعت وعدا على نفسي ألا أشربها ثانية كم تزري بي و تحط من قدري و تستنزف جيبي ما أصدق من سماها  “أم الخبائث” .

طلب كأس شاي منعنع و بدأ يقلب صفحات الكتاب الذي يحمل عنوان “زمن الثورة و الثوار”لكاتب مغربي شاب يتحدث عن ما سمي بالربيع العربي،و ما صاحب هذا الحراك من أحداث مثيرة أطاحت بأعتى الأنظمة في عدد من البلدان العربية ،قرأ عبد الجليل فصلا من الكتاب كاملا و رأى أن يعلق على بعض ما جاء فيه ،ويبدي رأيه في هذا الحراك الذي عقدت عليه امال كبيرة في بدايته قبل أن تخيب بعد ذلك لما الت إليه الأمور.

لم يكتمل المشهد و لم يحدث حسم ثوري لأن الذات الثورية و التنظيمية لم تقم على أساس متين فذهب الحلم أدراج الرياح على أمل أن يكرر الزيارة في أقرب فرصة ممكنة،هكذا علق عبد الجليل بخط بارز على اخر ورقة من أول فصل من هذا الكتاب.ثم أخرج هاتفه  شبه  الذكي و المتهالك الذي إقتناه بثمن زهيد من أحد أصدقائه ..فتح حسابه على الفايسبوك و ألقى نظرة عابرة على منشورات أصدقائه و خربشاتهم ،ظل يراقب خدمة الرسائل ينتظر رسالة ما قد تأتيه بجديد !و هذا ما لم يحدث طيلت جلوسه في المقهى…

فكر في كل شيىء المستقبل ،الحاضر ،و الماضي كذلك…حتى نسي نفسه وسط بحر التفكير المتلاطم.

الساعة تشير الى حوالي الثامنة و النصف مساء بدأت شوارع المدينة تخلو من المارة ،البرد قارس و الظلام دامس ،خرج من المقهى و  مضى الى وجهة غير معلومة لقد هده التعب و أخذ منه كل مأخذ ،بخطى متثاقلة يسير وحيدا فلم يجد بدا من العودة الى البيت، دخل غرفته شاردا غاص و سط أريكته دون أن يشعر ،لم يستفيق إلا على صوت اذان الفجر . كأنه أول مرة يسمعه تحرك شيىء ما بداخله لا يذكر أنه سجدة سجدة لله منذ أن كان طفلا !

بعد لحظات أحس بسحك نعال أمه و هي تخطو بصعوبة من أجل الوضوء و الصلاة ، ليس أول مرة   يسمع أمه و قت السحرو الفجر  ،لكن هذه المرة حدثته نفسه بأموركثيرة و خطرت بباله أسئلة ملحة تحتاج الى أجوابة أكثر إلحاحا ،رقت روحه في هذه الأثناء واعتقد أنه قاب قوسين أو أدنى من رحلة تغير مجرى حياته و تهز كيانه هزا كأنه اشتاق الى سفر ما …

كثيرا ما قرأ  لكبار المتصوفة الذين عاشوا حياتهم بالحب و القرب و الفناء في المحبوب و طال ما أعجب بهم دون أن يخطو نحو عالمهم الفريد ،لشدة جذب التراب و زخفر الدنيا  و التثاقل الى الأرض الان شعر أنه يدخل الى عالم اخر يعج بالأسرار عنوانه المحبة و السلام ..ما أحوجه لهذا العالم !

 

كان ينوي عبد الجليل السفر الى الرباط فسافرت به روحه الى عوالم القرب و الاصطفاء ذاق لذة سفر لا كباقي الأسفار عاقدا العزم ألا يعود منه حتى ترتقي روحه لا أن تغيب .

  • تــمـــت

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.