يوم السطو على العيد الأممي للعمال

محمد المساوي

كان فاتح ماي اخر ما تبقى للعمال والأجراء ليشعروا بأنهم بناة الوطن، وأن سواعدهم هي من تُنتج كلّ شيء من أجل الفتات أو لا شيء أحيانا…

كان هذا اليوم فرصة يلتقي فيها العمال، يصرخون بأصواتهم المجلجلة ليذكروننا أن لولاهم لما قيض لنا أن ننهض صباحا، فنجد كل شيء متوافر عند البقال والخضار والكتبي وبائع السمك…، في ذاك اليوم كنّا نتذكر أن اضرابا بسيطا  لأيام قليلة في أكبر موانى البلد ومعامله وضيعاته الزراعية كفيل بأن يجعلنا نستشعر أن المجاعة قادمة…

 كان ذاك اليوم فرصة العمال لتجديد اواصر التواصل والاتحاد والتضامن مع بعضهم البعض، وكان فرصة لتوزيع البيانات والمنشورات السرية والعلنية للتعريف بهذه القضية أو تلك…

في السنوات الأخيرة حُرم العمال حتى من تخليد هذا اليوم، في السنة الماضية اختارت النقابات عدم الخروج في فاتح ماي احتجاجا عما اسمته ب”تعنت الحكومة”، في مفارقة عجيبة، اصبح معها الكف عن الاحتجاج هو احتجاج في عرف ديناصورات القيادات النقابية، وهكذا انصرم الموسم الماضي دون عيد للعمال…

هذه السنة، ثمة من النقابات من خرجت للتظاهر وتخليد فاتح ماي، وثمة نقابات اخرى اختارت مكانة “البين بين”، لا ندري هل خرجت لتخليد يوم العمال ام لم تفعل، لكننا شاهدنا وتأكدنا بأم أعيننا وسمعنا بأب اذاننا أن الحكومة في شخص رئيسها  وأعضاء حزبه خرجوا ليحوّلوا عيد العمال الى منصة ل”الخطابة والفرار”، وشاهدنا معارضة صاحب الجلالة هي أيضا ترتمي على الميكروفونات لتتحدث في عيد العمال، وتوجه ضرباتها المضحكة لبنكيران لوحده وكأنه هو الآمر والناهي، وهم يعرفون انهم يضحكون علينا وعلى انفسهم، ويعرفون أن بنكيران لا يفعل شيئا ففاقد الشيء لا يعطيه، يعرفون ان بنكيران فقط ينافسهم على حبّ الملك…

في البيضاء ذرف بنكيران الدموع، وتحدث عن التماسيح والعفاريت، وعن استعداده للموت في سبيل الله، بينما في الرباط تحدث بنعزوز الذي سقط مقايضةً على نقابة لطفي مقابل تمكين هذا الاخير من مقعد في المكتب السياسي لحزب الاصالة والمعاصرة، فقفز بنعزوز الحاصل على التقاعد النسبي من التعليم والمتفرغ لانشطته التجارية الى منصة الخطابة وتمثيل الاجراء في الغرفة الثانية..

بنعزوز الذي الف خطابات فاتح ماي منذ ثمانينيات كدش بالحسيمة، استعاد خطابه التمثيلي، لكنه هذه المرة لم يتحدث عن الباطرونا وعن مصاصي دماء العمال، بل تحدث عن بنكيران الذي ينافس جماعته على حبّ الملك، فاجتهد بنعزوز لحشو خطابه بكل عبارات القدح والذم في حق بنكيران ليؤكد انهم هم الأجدر بحب الملك..

بينما كان بنكيران وبنعزوز يلهبان منصات الخطابة ويتباريان على حب الملك والتودد إليه، تنافست وسائل الاعلام على نقل عبارات القدح والذم التي تفوه بها كل واحد منهما في حق الاخر، في المقابل كانت القيادات النقابية المتكرشة تحتفل على طريقتها في شُرب نخب دموع وعرق العمال، فاختار الميلودي مخاريق احد فنادق البيضاء ليوجه خطابه في حضور منتقى بعناية…

وحدهم العمال من كانوا يئنون في عيدهم الاممي، يئنون من وضع الهشاشة الذي بات يهدد قوتهم اليومي، يئنون من تسلّط الباطرونا تحت تهديد سلاح البطالة وفقدان لقمة العيش، يئنون من ارتفاع الاسعار المهول مقابل تدهور الاجور…

ورغم ذلك، فلم يتحدث أحد عنهم في عيدهم الأممي، ولم يخصص أحد لهم حيزا من تغطياته الصحافية، بل كانت دموع بنكيران، وهجاء “فرزدق البام” بنعزوز، من تصدّرا عناوين الاخبار، وبهما انشغلت تحاليل الخبراء والمحللين والصحافيين المتمرسين على البحث عن موضع أكْلِ الكتف؛ ألم يحذّر أحدهم بمناسبة خطاب فاتح ماي من مغبة دفع بنكيران لاخراج مخالبه؟ لكنه تناسى أن يحذّر من مغبة دفع مئات الاف الاسر إلى وضع الهشاشة المزمن.
هكذا تم السطو على عيد العمال، بعد ان سرقوا منهم كلّ شيء، طمعوا حتى في عيدهم الاممي فنطوا عليه ليجعلوه منصة للخطابة والتباري على حب الملك، واطلاق حملات انتخابية بئيسة، واصطفت وسائل الاعلام تساعدهم على عملية السطو، فريق ينتصر لهذا واخر لذاك، ولا احد انتصر للعمال؛ بناة الوطن..

هؤلاء القناصة يقودون ببهلوانيتهم الوطن الى الانهيار، لقد تجاوزوا كل الحدود، وأضحت الساحة مُشرعةً أمام المجهول، فبين رئيس حكومة لا يحكم، فقط يتقن التباكي ولَوْك الكلام والتودّد إلى الملك والانبطاح التام للسيدة كريستين لاغارد كبيرة مصاصي الدماء (صندوق النقد الدولي)، ومعارضة مضحكة لا تفعل شيئا سوى أنها تنشّط سهرة الضحك على الشعب (معارضة وحكومة صاحب الجلالة) وتراقب درجة صدق حبّ بنكيران للملك، لتشي به اذا ما زلّ لسانه.

أمام هذا البؤس السياسيوي المقيت اصبح الوطن على أبواب الانفجار..
ف”حذار حذار من جوعي
ومن غضبي”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.