من دروس الفيضانات

ما وقع في جنوب المغرب، بداية من سهل الحوز على تخوم المدينة الحمراء، وإلى حدود العيون وما جاورها، ليس بالنكبة الطبيعية فحسب…. عادي أن تقتل الطبيعة الانسان والحيوان، وأن تدمر البنايات وتجرف المنازل، حين تكون هذه الأخيرة بدائية الصنع، وحين يكون الانسان منتم إلى القرون الوسطى، قبل انطلاق ثورة المرابطين، أو الموحدين….

حسب ما درسناه في كتب التاريخ الرسمية، وما تعلمناه منها بشكل رسمي، ما كان لهذه الأمطار والفيضانات، أن تدك الارض والنسل في عهد السعديين مثلا، فقد اشتهرت دولتهم بالقوة والاعمار، وبنوا القناطر ومجاري المياه وقنوات السقي، وتعاملوا مع الوديان بعقلانية وحزم، ولا علم لي في اثرهم عن نكبة مثل هذه التي حلت بالجنوب المغربي….

الكارثة هي ادانة للدولة وإعلان عن فشل مشروعها السياسي في منطقة هي المرتكز الحيوي والجغرافي لمشروعيتها الدينية والتاريخية وهي قبل ذلك، محاسبة تلقائية لمجموع السياسات العمومية التي أعلن عن تطبيقها في هذه المناطق بشكل خاص، أو في المناطق الهامشية بشكل عام، على امتداد رقعة الوطن والتي تشكل هذه المناطق جزءً كبيرا منها….

منذ بداية ما سمي بالعهد الجديد، وباستثناء السنوات الخمس الاولى، التي أشرف فيها الملك على انطلاق ما سمي بالاوراش الكبرى، ميناء طنجة المتوسط، توسيع مركب جرف الاصفر، القطار الفائق السرعة في الجانب الدراسي له، توجه اهتمام الدولة نحو ما سمي بالمشاريع الاجتماعية القريبة، سواء في اطار كارثة ما سمي بمشروع التنمية البشرية، أو في اطار تعزيز القدرات في المجالات الهامشية التي اشرفت عليها الدولة شخصيا، والمبادرتان استنفذتا خطوطا مالية كبيرة جدا، تقدر بالملايير الدراهم، دون أن تجد لها اثرا على أرض الواقع كمشاريع مادية، أو تجد لها اثرا على بناء قدرات المواطنين، المفروض فيهم أنهم مستهدفون….

واقعة الفيضانات عليها أن تشكل منعطفا حاسما لمحاسبة الذات، وللبحث والتقصي في مألات كل الموارد التي أهدرت في مشروع التنمية البشرية هذا، عبر افتحاص المشاريع التي خربت بفعل هذه الفيضانات أولا، من سدود صغيرة وقناطر على أودية ضيقة وغيرها مما هو ظاهر وكان هدفا لهذه التمويلات، ثم العروج على المشاريع التي استهدف الرأسمال اللامادي، سواء منهم الفردي أو المجتمعي، والتدقيق فيما إن كانت الاموال العمومية المرصودة قد أخذت طريقها الصحيح أم أنه تم تبخيرها في الهواء….

الواقعة عليها أن تدفع المسؤولين، وعلى رأسهم قيادة الدولة، إلى مراجعة خطابهم وربما سياستهم،فلا معنى للحديث عن اصلاحات اقتصادية عميقة لتعزيز البنيات التحتية للمدن وتحسين تهيئتها وفك العزلة عن العالم القروي من خلال تزويدها بالتجهيزات اللازمة كما ورد في الخطاب الملكي الموجه للامة في 18 مايو 2005، فالكارثة التي ضربت الجنوب، قد تكون محت كل آثار هذه الانجازات، إن كانت حقا قد أنجزت، والحال أن المنطق يقول، أنه ما كان لهذه المناطق أن تنكب لو بالفعل تم انجاز هذا الذي تم سرده في الخطاب…..

طبعا دون مزايدات ودون لغة شعبوية، ما وقع في الجنوب مرتبط أساسا بموارد مالية المفروض فيها أن تتعبأ، ذلك المبلغ الهزيل الذي صرف على منتدى حقوق الانسان والذي لن يحل مشاكل المغاربة، قادر على انقاذ دوار أو دوارين في نواحي تزنيت، افضل بكثير مما قد يترتب من نتائج جراء عقد هذا المنتدى…. ذات المنطق في مجموع المبالغ التي تشكل تكلفة التدشينات الملكية، والتي تفوق في حجمها بعض الاحيان قيمة المشروع في حد ذاته، ومن بينها مشاريع جرفتها الفيضانات كما سبق الذكر، هو أيضا ذات المنطق في المبلغ التافه الذي يؤطر مهرجان مثل موازين أو تيمتار أو غيره…

في الحاجة الآن لاعادة الاعتبار لقيمة التضامن وسط المغاربة، خارج التدجين الذي كانت ضحية له هذه القيمة، حين وضعت الدولة يديها عليه عبر مؤسسة محمد الخامس للتضامن، والتي لم يظهر لها أثر في هذه الفيضانات…. قيمة التضامن لن تعود إلا في اطار مبادرة مجتمعية مشعود لها بالصدق والنزاهة….

هي دروس كثيرة تلقنها لنا الطبيعة، دروس في السياسة، وفي الاخلاق وفي الحياة….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.