fbpx

من حراك الريف إلى حراك السترات الصفراء: في أفق حراك إنسانية القرن الواحد والعشرين

تعرف فرنسا منذ أسابيع حراكا احتجاجيا بات يعرف بحراك السترات الصفراء. وقد فجر هذا الحراك قرار الحكومة الفرنسية الزيادة في الضريبة على المحروقات. وعوَض أن تخبو وتتلاشى هذه الموجة الإحتجاجية في غمرة برودة فصل الخريف وينصرف الفرنسيون للإنشغال بالإستعداد للإحتفال برأس السنة الميلادية الجديدة فقد تواصلت على امتداد التراب الفرنسي وخارجه بشكل مزلزل. ما يعني بأن الأزمة التي فجرت حراك السترات الصفراء هي أعمق من مشكل الزيادة في الضريبة على المحررقات، ومن ثم فإن التراجع عن تلك الزيادة ومغازلة المحتجين وترهيبهم، في نفس الآن، لن يوقف الإحتجاجات وإنما سيغذيها بفتح أفق انتظار المحتجين على مكاسب ومطالب جديدة.
وهذا ما عبر عنه فعلا نشطاء حراك السترات الصفراء، في تزامن مع الأسبوع الرابع من سلسلة مسيراتهم، بالإعلان عن ملفهم المطلبي الذي يتضمن مطالب اجتماعية واقتصادية وبيئية وسياسية وقانونية، من أهمها: الحق في السكن، الرفع من الحد الأدنى للأجور ومعاش التقاعد مع خفض سن التقاعد، التراجع عن الضريبة عن المحروقات، وضع حد لخوصصة مؤسسات الدولة والتراجع عن خوصصة المحروقات والكهرباء وخفض أثمنتها، توفير الشغل للعاطلين، التراجع عن التشغيل بالتعاقد المؤقت، حماية المعاقين والعجزة والأطفال ومنع الإغتناء على حسابهم، معالجة مشكل الهجرة، ومساعدة اللاجئين وحمايتهم ومنحهم حق اللجوء مع سن سياسة للهجرة تحترم الهوية والثقافة الفرنسية، حماية الصناعة الفرنسية ومنع ترحيلها، إنهاء سياسة التقشف، تخصيص كل مداخيل الطرق السيارة لصيانة الطرق وتعزيز السلامة الطرقية، إلغاء التعويضات الرئاسية مدى الحياة، إلغاء امتيازات المنتخبين وتحديد أجورهم في الحد المتوسط للأجور مع ضرورة إثبات نفقاتهم أثناء أدائهم لمهامهم للتعويض عنها، تكريس الاستفتاء الشعبي في الدستور…
ومن حيث طبيعتها فإن هذه المطالب لا تختلف عن مطالب حراك الريف إلا من حيث إن حراك السترات الصفراء هو حراك شعب يطالب بالحد الأدنى من الرفاهية، فيما إن حراك الريف هو حراك شعب يحلم بالحد الأدنى من العيش الكريم والحقوق الأساسية. إلى جانب أن مطالب هذا الأخير تهم منطقة الريف وتحديدا إقليم الحسيمة، وكان من الممكن أن تتحول إلى مطالب وطنية لو لقيت التجاوب المطلوب من المغاربة وفِي حينه. وهذا اللاتجاوب شجع الدولة على المغامرة باتهام حراك الريف بالإنفصال لتبرير ما لا يمكن تبريره: الحملة القمعية الهمجية على الريف بحراكه ونشطائه وعموم سكانه. أما مطالب حراك السترات الصفراء فهي مطالب تهم كل الفرنسيين وكل المقيمين بفرنسا، وذلك أمر طبيعي مادام أن هذا الحراك اتخذ طابعا وطنيا منذ انطلاقه.
وفِي مقابل الفوارق الناجمة عن خصوصية واقع الحراكين وذواتهما فثمة نقط تقاطع كثيرة بينهما.
ويمكن المجازفة بالقول بإن حراك السترات الصفراء يضعنا أمام موجات الحراكات الإحتجاجية المؤسسة للقرن الواحد الوعشرين الذي نحن بالكاد على وشك ولوجه، إذا ما أخذنا بعين الإعتبار، حسب رأي بعض المؤرخين، بأن العقدين الأول والأخير من أي قرن يشكلان مرحلة انتقالية يتعايش فيها ويتجاذب ما هو في طور الإنتهاء مع ما هو قيد التشكل في مجرى الزمن التاريخي.
وكما كان القرن العشرين موشوما بالثورة الريفية ضد الإستعمار التي كان لها منذ انطلاقها تأثيرا بارزا على الحركات التحرية والثورية والإبداعية العالمية فكرا وممارسة، فإن الحراك الشعبي بالريف كان وسيكون له مفعولاته على حراكات القرن الواحد والعشرين، منذ ما قبل حراك السترات الصفراء فصاعدا.
ومما يثير الإنتباه من حيث نقط التلاقي بين حراك الريف وحراك السترات الصفراء بفرنسا هو انبثاقهما من خارج الأحزاب السياسية والنقابات وغيرها من التنظيمات المهيكلة وأخذ مسافة نقدية منها. لكن في الوقت الذي تم فيه مغربيا تحريف نقد نشطاء حراك الريف للأحزاب السياسية عن سياقه ليُوظّف للكيد بهم واتهامهم بالخيانة والتآمر والتمويل الخارجي والمس باامؤسسات… فإن نقد نشطاء السترات الصفراء للأحزاب بفرنسا يتم التعامل معه بشكل موضوعي ديموقراطي. مع ذلك، وفِي كل الأحوال، سواء هنا أو هناك، فإن أطروحة نهاية الأحزاب السياسية تفرض نفسها بقوة المايحدث. ونتيجة لذلك فإن إنسانية القرن الواحد والعشرين أصبحت في حاجة ملحة لممارسة سياسية جديدة تستثمر إبداعيا ما تتيحه الثورة الرقمية من إمكانيات غير مسبوقة للتواصل مع استلهام خلاق لما راكمته الإنسانية تاريخيا من تجارب في مجال التنظيم والمقاومة. وفِي هذا الإطار يظهر أن أحد أوجه التقاطع بين حراك الريف وحراك السترات الصفراء بفرنسا يتمثل في تبلورهما في مواقع التواصل الإجتماعي وخروجهما من الإفتراضي إلى الواقعي وارتدادها إليه تفاعليا. بالإضافة إلى أن كليهما انخرطت فيهما مختلف فئات المجتمع وأطيافه خاصة الشباب والمرأة، ما يجعلهما بدون إيديولوجيا محددة ومجالا حيويا للحوار والعمل المشترك بين مختلف التوجهات والتيارات المنخرطة فيهما. ولعل الإلتفاف الشعبي حول الحراكين نابع من بساطة وعدالة مطالبهما ومن مصداقية خطابهما، كما هو نابع من فقدان الثقة في الساسة الذين كفوا عن أن يكونوا ممثلين للشعب بعد أن أصبحوا ممثلين عليه.
ويبقى أن التشابه البارز بين الحراكين يكمن في رعب الدولتين الفرنسية والمغربية منهما، واستنفارهما لكل أجهزتهما الأمنية وأدواتهما القمعية لمواجهة احتجاجاتهما الشعبية، بما في ذلك استغلال أعمال الشغب والفوضى والعنف بفرنسا وفبركة تلك الأعمال بالريف ونسبها ظلما لنشطاء الحراك الريفي لقمع الإحتجاجات وشن حملة اعتقالات مسعورة هنا وهناك. إن هذا الخوف الهستيري من الحراكين ينم عن أزمة عميقة تعيشها الدولتين وكل الدول في زمن نهاية الدولة بتحولها إلى أداة في خدمة الشركات العابرة للقارات والأبناك العالمية. وهي أزمة عالمية متراكمة لعقود مطبوعة بسكرة نشوة انتصار الرأسمالية على خصمها الأحمر. تلك النشوة التي أغوتها بالإسراع في الإجهاز على ما كانت قد انتزعته الشعوب من حقوق اقتصادية واجتماعية وسياسية: الزيادة في الضرائب والأسعار، تجميد وتقليص الأجور، البطالة، الرفع من سن التقاعد وإعادة إصلاح أنظمة التقاعد على حساب المأجورين. والإجهاز على المرافق العمومية والتسريع في خوصصة قطاعات حيوية منها.
إن الرأسمالية التي عودتنا، عبر تاريخها، على تدمير الآخر والطبيعة لبناء أمجادها لا تتردد عن تدمير نفسها حين تشتد بها الأزمة وتضيق بها السبل، ويبدو أن عدوى التدمير قد بدأت ترتد إليها وفِي عقر ديارها. هذه الرأسمالية التي بسبب تناقضاتها ومن أجل مصالحها زجت بشعوب العالم في حروب استعمارية وعالمية، واختلقت حروبا أهلية وإقليمية للتنفيس عن أزماتها، كما اختلقت بعد انهيار جدار برلين ما يسمى بالحرب على الإرهاب لتستأنف حروبها على الشعوب المستضعفة لنهب ثرواتها وتخريبها ولتكبح مسيرة ترسيخ حقوق الإنسان، هذه الرأسمالية التي تريد إقناعنا بأنها قدرنا المحتوم الذي لا راد له، ها هي، ومرة أخرى، تختنق أمام موجات إحتجاجات حراك السترات الصفراء.
بيد أنه لا بد من التمييز ببن تعامل الدولتين الفرنسية والمغربية مع الحراكين. فالدولة الفرنسية رغم استنفار أجهزتهما الأمنية لمواجهة أعمال العنف والتخريب التي يقوم بها بعض المحتجين ورغم تجاوزات تلك الأجهزة من قبيل تعنيف الواطنين واجتزاجهم، فإنها إجمالا تتعامل مع الوضع بمسؤولية والتزام بالقانون. فلم تلجأ إلى منع الإحتجاجات واعتقال كل محتج بدعوى التظاهر يدون رخصة، لم تلجأ إلى تلفيق تهم خيالية لنشطاء حراك السترات السفراء بعد اختطافهم وتعذيبهم وترهيبهم، ثم الحكم عليهم بأحكام قاسية تصل عشرين سنة سجنا نافذا، كما أنها لم تلجأ إلى تخوين نشطاء الحراك فتتهمهم بالتآمر على الدولة، كما فعلت الدولة المغربية مع حراك الريف.
وهنا يكمن الفارق بين حراك قام في دولة عقلانية فيها فصل السلط واحترام حقوق الإنسان وإرادة الشعب وبين حراك قام في دولة مخزنية استبدادية فردانية مزاجية تحتقر إرادة الشعب.
وهو ما يفسر كيف أن الدولة الفرنسية تعاملت بجدية مع حراك السترات السفراء منذ البداية، فسارعت إلى إلغاء الضريبة على المحروقات ثم الزيادة في الحد الأدنى للأجور، وحين واصل الشعب الفرنسي مسيراته بغضب مخيف، سارع رئيس الدولة إلى مخاطبة الشعب الفرنسي معترفا بمسؤوليته عن تفجير غضب الشعب وقدم مكاسب جديد للفرنسيين ودعى إلى فتح نقاش عمومي وطني عاجل لتشخيص الأزمة وتحقيق مطالب المحتجين. وكل هذا في طرف شهر من زمن حراك السترات الصفراء الممتد. أما شعب حراك الريف فقد ظل لسبعة أشهر وهو يخرج في مسيرات سلمية حضارية تاريخية يطالب بمطالب هي في الأصل حقوق أساسية. ورغم كل محاولات جرهم إلى العنف والفوضى ظل نشطاء الحراك متمسكين بالسلمية إلى غاية تحقيق مطالبهم. وحين انتبهت الدولة إلى أن الحراك ” يتمدد ويتقوى ” وطنيا ودوليا، حركت قادة أحزاب الأغلبية الحكومية لإصدار البيان المشؤوم، ثم وعلى إثر حدث خطبة جمعة زائغة ستتوالى على الريف الإختطافات والمحاكمات والمداهمات. تم اعتقال جل نشطاء الحراك، لم يسلم تقريبا ولو واحد من شباب الحراك الذين كانوا يرتدون السترات الصفراء، أولائك الشباب الذين كانوا بسلاسلهم البشرية يحمون قوى الأمن ومقراتها وغيرها من الممتلكات العمومية والخاصة. تم اعتقال من أعتقل وبالمائات، حوكموا محاكمات صورية وزعت عليهم قرونا من السجن النافذ. وهم مشتتون على أكثر من خمسة عشرة سجنا. إن الإعتقالات والمحاكمات لم تتوقف منذ أكثر من سنة ونصف. ومن لم يعتقل وجد نفسه مدفوعا للتفكير في الهجرة إلى أوروبا. ما جعل منسوب الهجرة/ النزوح إلى أوروبا يرتفع بشكل رهيب منذ بدء الحملة القمعية على الريف. وإذا ما كان بعض المحضوضين يتمكنون من بلوغ الشواطئ الإسبانية فإن الكثيرين منهم يظلون في عداد المفقودين ومجهولي المصير.
ومن أغرب الغرائب هو أن الدولة التي نكلت بشعب حراك الريف ونكبته تدعي أنها تستلهم النموذج الفرنسي وهي أصلا وفعلا منتوجه الممسوخ عبر مخاض حقبة الإستعمار المباشر. فكيف إذا لدولة تجاوبت بسرعة فائقة مع مطالب السترات الصفراء أن تكون راعية لدولة تقمع حراكا سلميا وتحاكم من طالب بالكرامة والجامعة والمستشفى بعشرين سنة نافذا؟ ألا تخجل من نفسها الدولة التي رفضت التفاعل مع مطالب بسيطة لحراك سلمي وأقدمت على حملة قمعية مجنونة على الريف وهي ترى سيدتها الأولى: فرنسا، تتصرف بوداعة وسخاء مع احتجاجات السترات الصفراء المتواصلة؟ إن ما يحدث بالريف وبغيره من مناطق الحراكات الإحتجاجية بالمغرب يعري نفاق الدولتين ويفضح تواطئهما على مصادرة حقوق المغاربة وحرياتهم.
وإذا ما كان القرن العشرين هو القرن الدي اغتنت فيه المراكز الرأسمالية على حساب شعوب هوامش الرأسمالية، فإن إمكان تشكل حراك مؤسس لإنسانية القرن الواحد والعشرين يستلزم أولا تكسير تلك المفارقة وردم الهوة ببن مطالب حراك مجتمعات نحو الرفاهية ومطالب حراك مجتمعات نحو العيش الكريم، والكف عن تحقيق رفاهية شعوب بتجويع وإبادة شعوب أخرى. وطبعا لن يساعد على ذلك استسلام شعوب الهوامش لقدرها التعيس أو انخراطها في حركات متطرفة أصولية منغلقة. بل إن طابع عصرنا الرقمي والإفتراضي وصيرورة – حقوق الإنسان والبيئة والمصير المشترك يضعنا أمام ضرورة الإنخراط في حراك كوكبي يتأسس في كل منطقة وفق خصوصيتها بشكل متفتح على المشترك الإنساني والقيم الكونية. وترسيخ هذا المسار يستدعي فتح قنوات الحوار بين نشطاء الحراكات عبر العالم والتفكير في خطوات نضالية مشتركة من أجل مطالب إنسانية كونية تكون داعمة لتحقيق الأهداف الخاصة بقدرما أن النضال من أجل مطالب محلية يجب أن يكون في تناغم مع المطالب الكونية. ولماذا لا يكون مثلا التحرك من أجل حرية المعتقلين السياسيين، حرية معتقلي الحراكات الإحتجاجية عبر العالم، وفِي مقدمتهم معتقلي حراك الريف، منطلقا من منطلقات هذا الحراك العالمي؟

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.