من أجل المدرسة

يواجه التعليم في العالم مشاكل جمة. لكن المشاكل وأعباءها  ونتائجها تختلف من مكان إلى مكان. ففي حين تقر دول عتيدة ديمقراطيا بوجود مشاكل يواجهها قطاع التعليم تخص انسداد أفق التنظير والإبداع في الممارسة التعليمية، تعرف البلدان التي تعيش الاستبداد مشاكل أشد وطأة. وهذه مشاكل تضع استقرار أنظمتها ومجتمعاتها في موقع الفريسة الموالية للأصوات الناقمة على الأوضاع بها.

   فعلى الرغم من تأكيد برامج تكوين الأستاذ على الصيغ البيداغوجية والديداكتيكية والعملية الحديثة في التعليم إلا أن المدرسة في المغرب لم ترق بعد إلى المستوى المطلوب، فأين الخلل؟

    يلاحظ كثير من رجال التعليم والطلبة المقبلين على العمل الأستاذي اليوم تلك الهوة المثيرة للسخرية من شدة مرارتها بين فتوحات علم النفس التربوي الغربي التي تلقن في مراكز التربية وبين الأوضاع كما هي عليه في القسم. قد نختلف في الأسباب وراء هذا الوضع مع البعض، لكن، وبعيدا عن الاستشكال الذي لا يستحمله مقال صحفي بسيط نقول دون مواربة:

لا يمكن أن تطلب من أستاذ مراعاة الفروق الفردية بين تلامذته من حيث نوع الذكاء، ومن حيث الخلفية الاجتماعية، أي انتماؤهم الطبقي، ومن حيث انتماؤهم الجيو-مدني ( قروي أو ابن المدينة)، ومن حيث تكوينهم الجنسي (ذكر أو أنثى)، ومن حيث ظروف نموهم البدني والذهني وإرهاصاتهما (طفل أو مراهق أو راشد)، وهذا ليس سوى عرَضاً مُستحبا من أعراض دمقرطة الحكم، أقول، لا يمكن أن تطلب منه مراعاة كل هذا، بينما يعيش في بلد يبطش بمقدرات أهله رأس المال المحلي والعالمي. إن حجر الاقتصاد السياسي هو أحد أكثر أشكال الحجر الاجتماعي وقعا على كاهل المواطن البسيط، وليس هذا سوى وجها آخر من أوجه التعطيل المستمر للمشروع الديمقراطي هنا.

    لسنا أول من يقول بهذا، وحتى نوفي من سبقنا إلى الحديث عن الموضوع حقه، نذكر بأن الراحل محمد عابد الجابري كان قد أشار إلى أن  الحل الوحيد الممكن لإصلاح التعليم هو دمقرطة الحكم.

سنعرج بكم إذا إلى عمل الجابري تلخيصا وتعليقا ونقدا إن اقتضى ولاؤنا للحقيقة ذلك.

كان عمل الجابري الموسوم ب أضواء على مشكل التعليم بالمغرب (1974) أحد أول الأعمال التي اهتمت بالتعليم في مرحلة ما بعد الاستقلال بالمغرب. ورغم صغر عمله في الحجم إلا أنه أثبت ولا زال أنه عمل موسوعي مُقتدر يقوم منهجيا على عناصر ثلاثة:

  • التجرد الموضوعي في استقصاء الأسباب ماضيا وقراءة مخرجاتها حاضرا وتقديم البديل المُقبل مستقبلا: ويقوم هذا النهج على مبدأ دنيوي يقضي بالبحث في الماضي وميوله التي تحدد مآل الأمور في الحاضر، كما يستشرف المستقبل بناء على المنحى الغالب في الحاضر، ويطرح في الآن عينه حلولا ممكنة تجنبا للكارثة.
  • معالجة الموضوع بعيون السوسيولوجي: فليس عمل الجابري رياضة ذهنية فلسفية، بل بحث رصين عن المعلومة وقراءتها وتقييمها. يستقصي الرجل المصادر في البحث عن أعداد الطُّلبة والتلاميذ في الفترة الماقبل كولونيالية ثم الكولونيالية فما بعد الكولونيالية ويدرس كذلك خلفياتهم الاجتماعية وتحصيلهم الأكاديمي ثم الوظائف التي شغلوها وأخيرا أثرهم كأطر على المجتمع وعلى أسلوب الحكم السياسي.
  • الإعلان الشجاع عن القناعة الإيديولوجية: يكتب الجابري كناشط سياسي ومثقف مواطن توافرت لديه أسباب الكتابة كالإحاطة بالموضوع مع حصول القناعة الإيديولوجية، فأتى كتابه محاضرة موسوعية دون شطط لغوي، ودفاعا عن المدرسة العمومية المغربية. ويقترن الإعلان الشجاع عن القناعة الإيديولوجية لديه بالبدائل التي يستلهمها من قناعته السياسية اليسارية.

    أما على مستوى المحتوى فقول: إن عمل الجابري مرافعة فكرية دفاعا عن المدرسة العمومية موضوعية في تحليلها، شجاعة في الجهر بالحق في وجه السلطة المتخاذلة، وتقدمية في تطلعاتها. تقع جذور مشاكل القطاع حسب الرجل في طابعه الكسيح في شقه الأصيل (أقصد التعليم الأصيل)، وأشهر دلائل الجابري جامعة القرويين التي لقّنت حفظ المتون الفقهية، ولفظت الجانب التنويري في التراث الإسلامي فلسفة وكلاما بسخطها عليه، أو هو خوف السلطة من أثره على رعيتها الناشئة، وقد عرفت القرويين هذا النوع من التعليم قبل المرحلة الكولونيالية وإبانها مع تغييرات طفيفة.

لقد تشبثت السلطة، يقول الجابري، بتراث الانحطاط وأصرت على حجب إمكانيات التنوير الثاوية في هذا التراث، وأصرت كذلك على حجب أصداء التنوير الآتية من الشرق، والتي كانت مصر حضنها الأول في العالم الإسلامي آنذاك. وقد تقوى هذا الشعور بالخوف لدى السلطة بالمغرب مع الحرب المعلنة من طرف السلطات الكولونيالية على أشكال التنوير المذكورة. وهكذا أُقبرت إمكانات التعليم الأصيل. ماذا إذا عن التعليم العربي والكولونيالي؟

   لقد كان الوعي بخطر التعليم لدى السلطات الكولونيالية أمرا معاشا. فقد عمدت هذه السلطات إلى التضييق على التعليم الحر الذي كانت تقدمه مدارس وطنية بدعم شعبي، وبقيادة أطر وطنية تعلمت باكرا حكمة أبدية: وهي أن الشعوب الجاهلة لا يمكن أن تتحرر. ورغم التضييق المذكور المتمثل في الحظر على المدارس، والحبس لأطرها، إلا أنها استمرت حتى ما بعد الاستقلال، لكن تهافت الميسورين من المغاربة على الغنيمة المحصلة من المناصب الممكنة لأبنائهم الذين يدرسون فيها حوّلها فيما بعد إلى مدارس من نوع آخر.

فبعد أن كانت مدارس تعلم الناشئة باللغة العربية وعن الثقافة العربية تحولت إلى مدارس تقنية تمكن خريجيها من تقلد مناصب مغرية ماديا عبر فوترة التعليم وحصره لدى الفئة الاجتماعية القادرة على دفع تكاليفه.

     أما التعليم الكولونيالي فقد كان نخبويا اقتصر على فئة أبناء الأعيان البدويين وأبناء التجار الميسورين بالمدن. وكان همه الذي نجح فيه أيما نجاح هو تشكيل طبقة تشكل حلقة وصل بينه وبين طبقة جاهلة أكرهت على العيش في الوحل إلى اليوم تُقبّل كل يد امتدت لها ولو بقفة طحين… .

    ستتضح الآن أمام القارئ آنية عمل الجابري. فمعظم النخب في السلطة اليوم، مع استثناء بعض أطر حزب العدالة والتنمية درست بالخارج، وهذا نهج أرست دعائمه السلطة الكولونيالية بعد أن تأكدت من حتمية استقلال البلد العسكري. ومن نتائج هذا الوعي تمكين أبناء رجالات السلطة وبناتها من أسباب السيطرة عبر التحالف مع بقايا الاستعمار الاقتصادي في البلد.

وكانت نتيجة هذه السياسة الإقصائية في حق أغلب المغاربة وفود أطر سياسية تعلمت في فرنسا، واستقت من البلد حيث تعلمت التبرم من الثورة الذي غدا واقعا بعد الفشل الثوري (أحيل هنا إلى فشل انتفاضة 1968 في فرنسا) ومقتها للمثل الاشتراكية بعد انتشار أخبار الغولاغ وثورة الصين الثقافية، (وهذه ليست مزايدة، بل واقع ما حصل في فرنسا ما بعد سارتر وألتوسير)، وتبرمها المبدأي من الوقوف إلى جانب المعذبين في الأرض.

أما المآلات السياسة فتتمثل في الشرخ القائم إلى اليوم بين الأطر التي تعلمت في المغرب وتلك الآتية من فرنسا ما أدى بالبلد إلى الدخول في سياسات الوسطية التي استحقت عن جدارة سخط الجابري عنها. فإضافة إلى التأثير الأكاديمي الفرنسي في هذه الأطر، كان الولاء الطبقي لهذه الفئة واضحا بسبب ارتباطها كعائلات ميسورة ماليا برأس المال الأجنبي كشريك في الاستثمار أو كمستفيد محتمل منه. وكانت حكومة عباس الفاسي أحد أكثر أشكال تأثير عناصر القرابة والمصالح سطوعا في وحل السياسة المغربية. ثم تلته اليوم مهازل الحزب الحاكم ودفاعه المستميت المهين للروح والممارسة السياسية عن الرأسمال الأجنبي. لقد شكل الحفاظ على المناصب هوس هذه الطبقة، فكانت سياسات الوسط أو هو اللاقرار هي السائدة.

أمام هذا الشكل المرعب للسلطة التي نشهد اليوم نزرا منها، ما العمل إذا؟

  يقول الجابري في زمن لم يكن الإعلان عن القناعات الإيديولوجية نقيصة تُقطّبُ الجباه ردا عليها، وفي زمن سبق بعقود «إجماع واشنطن»: 1) استكمال التحرير، و 2) بناء عالم الغد.

  • سنبدأ باستكمال التحرير: يقصد الجابري بتعبيره هذا عملية تعريب «الحياة العامة». وقد أتى إصراره على هذا الأمر وعيا منه بالأهمية الكبيرة للغة كمكون من مكونات الهوية الوطنية. فالجابري يقترح عربنة (من عربية) الحياة العامة، والعمل الجاد على «إماتة» اللهجة العربية الدارجة واللغات الأمازيغية الثلاث، وتعويضها بعربية حديثة عملية وقادرة على مواكبة التغيرات السريعة في مجالات البحث العلمي وغيره. لكني، والصراحة تُقال، وجدت في طرحه هذا مسألة تستحق الكثير من العمل الفكري، وحصول إجماع وطني عليها، والحق أن طرح الجابري مغال في مثاليته. فبينما، ولو نظريا على الأقل، لن تجد صعوبة في إقناع متكلم للدارجة تكلم لغة عربية وسطى عملية، فإن ترك العنصر الأمازيغي للغته أمر يستحيل، والسبب حمولة لغته الثقافية الثاوية فيها واختلافه الثقافي والعرقي. والعنصرين الأخيرين يجب أن يُنظر إليهما على أنهما عنصري اغتناء للثقافة المغربية الوطنية، وليستا تقيصة وجب التخلص منها.
  • أما بناء عالم الغد: فيقصد به الجابري الديمقراطية: ولا يقصد الرجل هنا الديمقراطية ‘الليبرالية’ المُتأخرة الممسوخة، بل يقصد مفهوما تناساه اليسار اليوم. وهو الديمقراطية الاشتراكية. فإذا كانت الديمقراطية الليبرالية اليوم تعني الكيانات السياسية القائمة على غصب المواطنين البسطاء بالضرائب على المواد الاستهلاكية الأساسي منها والثانوي، وخوصصة مرافقهم الاجتماعية من المدرسة إلى النقل العمومي مرورا بالماء والكهرباء، وتفويض مسؤوليات الدولة إلى الشركات الخاصة، أي الأنظمة السياسية الشركاتية (corporatist polities)، بل يقصد ديمقراطية الحق في التعليم الجيد والتطبيب الجيد والشغل الكريم والحياة الكريمة والحق في المشاركة السياسية الديمقراطية، واتخاذ القرار ذي الصلة بأحوال معيشته وثقافته وهويته. ومن هنا تنهل دعوته إلى دمقرطة التعليم، فماذا يقصد الجابري بذلك؟

يقول الرجل بأن دمقرطة التعليم تعني «تمكين جميع الأطفال، مهما كانت أحوالهم الاجتماعية، من الوصول إلى أعلى مستوى من الثقافة العامة، والأهلية المهنية التي تناسب ميولهم واستعداداتهم.» (ص 152 من طبعة 1985). فهل تقدم المدرسة اليوم بعد مرور 44 عاما على صدور كتابه شيئا من هذا؟ هل يستفيد مثلا طلبة المعاهد التقنية، الذين يحتفي الإعلام الرسمي بتخرجهم سنويا، من حقهم في الوصول «إلى أعلى مستوى من الثقافة العامة»؟ الجواب دون مواربة هو: لا. فبعد الباكالوريا يتعلمون كيف يفككون بعض الآليات وكيف يجمعونها ثم ينتقلون إلى المدن الساحلية الغربية للعمل كأجراء مستعبدين بالحجر في العمل وقروض التمريض والسيارة…إلخ. وليس غريبا أن يسقط بعضهم فريسة لخلايا الإرهاب نتيجة التجهيل المدرسي الذي يتعرضون له.

هل يستفيد الأطفال سكان القرى النائية وخاصة الفتيات منهم من حقهم في التعليم؟ الجواب تقدمه الجرائد الوطنية عند بداية كل موسم دراسي وتؤكده تقارير المجلس الأعلى للتعليم. وهو بالتأكيد لا.

إن أحد أعمدة التعليم، يُقر الجابري، هو تدريس الثقافة القومية. لكن ما الثقافة القومية؟ يجيب الجابري: هي «الثقافة التراثية المتنورة والتربية السياسية والاجتماعية والاقتصادية». فبدون الوعي بالتاريخ (التراث)، والوعي السياسي الكفيل بترشيد اليافعين على كل مقومات حب الوطن، وتقدير الاختيار السياسي الحر في الانتخاب والتحزّب وفي الممارسة السياسية، والحس الاجتماعي القائم على التحصيل النزيه للثروة، وبدون الثقافة الاقتصادية العامة التي تؤهل المواطن لاستشعار أشكال الحيف الاقتصادي وصدها، لا يمكن الحديث عن التعليم.

إن تشجيع التلميذ على اختيار المجال الذي يفضله، وتوجيه مواهبه وشحذها، يقول الجابري هو «الاستثمار الوطني» الحق. لكن هذا لن يحصل في ظل شطط السلطة وحيف رأس المال. وعليه فإن التغيير يتطلب تعبئة القوى الوطنية على جميع الأصعدة اقتصاديا وثقافيا وإعلاميا وسياسيا واجتماعيا لوقف نزيف هذا البلد. فمن دون مشروع سياسي يقدم «ديمقراطية سياسية حقيقية» تقوم على الحق في المشاركة السياسية للجميع، ومن دون «ديمقراطية اجتماعية» تقضي على الفوارق الطبقية التي تحدد دائما سقف تطلعات التلميذ والتلميذة، ستبقى «ديمقراطية التعليم شعارا أجوف فارغا.» «فمشكل التعليم، إذن، لن يجد حله الصحيح، والوحيد، إلا في إطار حل جذري للمشكل العام، السياسي والاقتصادي والاجتماعي.»(154)، وليس اجتراح برامج كالعمل بالتعاقد التي أثبتت على أنها تجارب فاشلة قد ترفع منسوب الإحساس بالخطر الوظيفي لدى الأستاذ، لكنها لا تساهم لا من قريب ولا من بعيد في تجويد الأداء التعليمي والمدرسي عموما.

إن دمقرطة القسم لا يمكن أن تصبح واقعا معاشا إلا في ظل حصول ديمقراطية سياسية واقتصادية وثقافية تعددية حقيقية في أي تنظيم للحياة الجماعية الإنسانية. أما في ظل غصب الثروات من جيوب البسطاء بالضرائب، وإعفاء الأعمال المُتخمة ماليا من هذه الضرائب، والدعاوى المتتالية إلى فوترة التعليم وخوصصته، واستمرار أشكال التطبيب المهينة، وأنواع التشغيل الحاطّة من كرامة المواطن، والتضييق على الأصوات والحراك الرافض لنمط ‘الحياة’ المذكور، وسرقة المال العام فإن استقرار الوطن فعلا يقع على ذيل كلب.

فالتلميذ كما الأستاذ، وحتى وإن فشلت الصحافة الحرة في فضح ‘المستور’ من خبايا التنافس على جمع الثروة والتفاخر بها بين أعضاء الأحزاب الحاكمة، وأشكال التعصيب السياسي لثروات البلاد بين هذه النخب، فإنه يعلم أن شكل الحكم الحالي سيخذله في حال تبرمه الأخلاقي من الغش، وتورع ضميره عن الخديعة والسرقة، وميوله الطبيعي إلى عدم الرضا عن أشكال الفساد المحيطة به.

منادي إدريسي عبد الباسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.