من أجل إنهاء الاحتفال بعيد المرأة.

غداً سيتداعى الرجال التقدميون جداً ليقدموا وروداً لزوجاتهم وحبيباتهم وصديقاتهم وسينسون أمهاتهم وأخواتهم وخادماتهم ومنهم من سينسى أو يتناسى حتى زوجته …

غداً ستنتظر النساء المثقفات المتحضرات ورودا حمراء، وسينتظرن معاملة خاصة في ردهات بعض الادارات ووسائل النقل..

غدا ستنتظر النساء العاملات وسائل النقل المهترئة لتقلّهن في عز الصباح الى المعامل والضيعات الفلاحية حيث تُهدر كرامتهن بالتقسيط..

غداً ستخرج باكراً الآلاف من بنات وطني الفلاحات البسيطات إلى الحقول في موعد يومي مع الشقاء الأبدي..

غدا ستُنَظّم بعض الوقفات تؤطرها نساءٌ ويساندهن رجال، وقفات تُرفع فيها شعارات “الانصاف ولابدا، المساواة ولابدا”..

غدا ستنظم ندوات هنا وهناك، ندوات فقيرة وأخرى غنية حدّ التخمة، ندوات في أحياء شعبية وأخرى في صالات أرقى الفنادق، لتنخرط كلّها في البحث معاً في “إشكالية” عويصة قديمة قدم البشرية، اسمها المرأة، سيتحدث الرجال بحرقة أكثر وستصفق النساء بحرارة أقوى..

غدا ستطلق بعض الشركات عروض خاصة للنساء بمناسبة عيد المرأة، وشركات الاتصالات ستتنافس على اهداء النساء مكالمات “مجانية” وتقديم عروض خاصة لهواتف حمراء منمقة بشكل جميل، ولا أدري لماذا الأحمر دائما… مرة، دخلت إحدى محلّات شركة للاتصالات، سألت البائع عن ثمن هاتف أحمر، فقال لي هو ليس لك انه هاتف نسوي صُمّم لهن بمناسبة عيدهن…

غدا ستقدم وسائل الاعلام المخزنية وغير المخزنية، المسموعة والمكتوبة والمرئية، التابعة للمعارضة والتابعة للحكومة…كلها ستنبري لتمنح حيّزا هاما من مساحتها لموضوع المرأة، هناك من سيستدعي التاريخ، وهناك من سيأخذ تصريحات نسوية، وهناك من سيتحدث عما وصلت اليه المرأة المغربية من رقي وازدهار (كذا)..

غدا سيتعدّد المحتفلون والمحتفل به واحد هو المرأة، لكن هل فعلا المرأة واحدة، هل كلّ النساء لهن نفس المشاكل ويسعين إلى نفس الحلول؟؟

سنة 1975 غداة المؤتمر العالمي الأول للمرأة بالمكسيك الذي نظمته الأمم المتحدة، صرخت عاملة المناجم البوليفية “دوميتيلا دوشنغارا” صاحبة كتاب “دعوني أتكلم”، صرخت في وجه رئيسة وفد المكسيك قائلة :”إنك تحضرين كلّ صباح بثوب جديد، بشعر مسرّح بعناية، ووجه مبرج بدقة، وهذا يعني أن لديك متسعا من الوقت للتردد إلى صالونات التجميل، وأن لديك أيضاً مالا تنفقينه.. وكل مساء هناك سائق ينتظرك على الباب الخارجي ليعيدك إلى بيتك…أما نحن زوجات عمال المناجم، فكل ما نملكه هو بيت صغير بالإعارة، فهل من علاقة بين وضعك أنت ووضعي أنا؟ الحلّ في نظرك هو محاربة الرجل ؟ ! هذا كل ما في الأمر؟ لكن بالنسبة إلينا نحن فإن هذا الحل ليس بالحل الأساسي..”

قبل عقود من ذلك، يوم 8 مارس 1856 خرجت عاملات النسيج في مدينة نيويورك الأمريكية للاحتجاج على وضعهن المزري في العمل، حيث كنّ يعملن ل 16 ساعة متوالية، خرجن ليطالبن بساعات عمل أقل وتحسين شروط العمل للنساء والرجال وأيضا للمساواة في الاجر مع الرجل، فكان الرصاص هو من أجاب على مطالبهن وحصد منهن 129 شهيدة والمئات من المعتقلات…

في البدء كان يوم 8 مارس يوم المرأة العاملة والآن صار يوما للاحتفال وتبادل الورود و الأنخاب، يحتفل به الكلّ في يوم واحد، من صنوة “دوميتيلا دوشنغارا” الى رئيسة الدولة والأميرة “موزة”، على أن نعود جميعاً غداً باكراً لاستئناف حياتنا العادية في انتظار ثامن مارس العام المقبل…

في الحقيقة لا أحبّذ 8 مارس، ذاك الذي تنزّ منه رائحة النضال من أجل ترسيم حق “الكوطا”، ذاك الذي يروم وضع الطماطم والتفاح في سلة واحدة لأن لونهما أحمر رغم أن احداهما فاكهة والاخرى من الخضر… أحب 8 مارس أن يكون يوماً للنضال ضدّ الاستغلال، للنضال من أجل الكرامة والعيش الكريم، للنضال من أجل دستور يقر بجميع الحقوق لجميع المواطنين على نفس درجة المساواة بغض النظر عن الجنس والعرق والدين واللون… هكذا لن نكون في حاجة الى حجز يوم في السنة نخصصه للمرأة، علينا أن نناضل من أجل انهاء الاحتفال بعيد المرأة، بتحقيق المساواة الفعلية من خلال تسييد القيم الانسانية والقطع مع الاستغلال أنى كان شكله ولونه وطبيعته… أما الاصرار على تبجيل 8 مارس والتهويل من بهرجة الاحتفال به فهو اصرار على عدم بلوغ المساواة الحقيقية .

فليظل 8 مارس ذكرى تنفع المؤمنين بالقيم الانسانية وتحرّض على المضي قدماً للنضال ضدّ الاستغلال، لا يوماً للاحتفال والبهرجة وتعويم قضية المرأة.

4 تعليقات
  1. جمعية نور للماقين ذهنيا بشمال المغرب يقول

    فليظل 8 مارس ذكرى تنفع المؤمنين بالقيم الانسانية وتحرّض على المضي قدماً للنضال ضدّ الاستغلال، لا يوماً للاحتفال والبهرجة وتعويم قضية المرأة.

  2. فاطمة ياسن يقول

    رائع استاذ موساوي، تحليل مقنع

  3. ali dioubane يقول

    ألاحظ أنك تتناقض هذه الحالة بين فئة وأخرى من النساء ولم تتجرأ لتتكلم عن الحالة الأخرى التي تعني الجنس الآخر “الرجل” نتكلم سوى عن المرأة ونتجاهل حالة الرجل في نفس الموقف ومواقف أخرى الذي ذكرته عن النساء. إن كنت تتناقض حالة المرأة في عيدها، فكان من البديهي والأحسن أن تتناقض مسائل لها قيمة أكثر، إنسانية، اجتماعية، ثقافية ذوا أهمية فعالة لكسب الرهان ومسائل أخرى حساسة التي ذكرها الكتاب والسنة اعترافا وتكريما لهذه الإنسانة البريئة سواء كانت حضارية مثقفة أو غير ذلك.لماذا لم نعترف ولم نأخذ بما أتى به الكتاب وأشرف الخلق؟
    لا يوجد رجل في الكون لا يحمل صفات متناقضة في الشخصية التي يملكها؛ فهذا التناقض في شخصية المرأة هو الذي يحيرنا كمجتمع مسلم. ونفهم أن المرأة غير قادرة على فهم شخصية الرجل، فمثلا نجد الرجل يحب زوجته بشدة ولا يستطيع العيش بدونها، ولكن لا يوجد مانع إذا مرت أمامه امرأة

    جميلة من أن ينظر إليها، مما يجعل المرأة تشك في حبه لها،.
    وكذلك من الممكن أن تجد الرجل يتحمل مسؤولية عمله على أكمل وجه، ولكنه غير قادر على تحمل مسؤولية بيته وأولاده؛ فتعتقد المرأة أن هذا الرجل يحمل شخصية لا تتحمل المسؤولية، هذا التناقض الموجود في شخصية معظم الرجال تجعل المرأة في حيرة من أمرها في كيفية التعامل مع الرجل، كما يجعل الرجل نفسه في صراع دائم مع تناقضات صفات شخصيته.

  4. جمعية تهتم بحقوق النساء يقول

    القضية النسائية توجد في صلب النضال الشعبي و و ليس على هامشه ، مطالبها تتماها و تتطابق مع مطالب الشعب المغربي في الحرية و الكرامة و المواطنة الكاملة المبنية على حقوق الانسان الكونية
    تحياتي الاستاذ الجليل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.