من أجل أفق جمهوري لبلادنا.

بابلو إيغليسياس:أمين عام حزب أونيداس بوديموس و نائب رئيس الحكومة الائتلافية الإسبانية.

#ترجمة حماد البدوي

عندما بدأت في الظهور قضايا الفساد التي تورطت فيها الملكية الإسبانية ، كان لا بد من مرور وقت طويل، و من تناسل الكثير من الأخبار في الصحافة الأجنبية، قبل أن يتم كسر التابو الذي كان يمنع السلطة الإعلامية في إسبانيا من تناول ما كان العالم بأسره يتحدث عنه. و هذا ما يحدث كذلك اليوم مع النقاش المجتمعي حول إمكانية التوجه نحو أفق جمهوري جديد في إسبانيا. فمعظم وسائل الإعلام مصممة على إخفاء ما أصبح بديهيا: تزايد عدد المواطنين الذين سيختارون الجمهورية لو سمح لهم باتخاذ القرار. و هذا ما تؤكده جميع الاستطلاعات المتاحة؛ و أحدثها الذي يستند إلى عينة عالية التمثيلية يظهر أن أغلبية المواطنين يفضلون الجمهورية.

أحيانًا يكون الصمت في منابر السلطة أكبر دليل على الصخب الموجود في الشارع.

أنا لا أشكك في قناعات رئيس الدولة و في قيمه الديمقراطية. فهو يستحق، إلى جانب المؤسسة التي يمثلها، كل الاحترام والمجاملة المؤسساتية من طرف من يتولى منا مسؤوليات حكومية. لكن احترامنا للرموز الرسمية للدولة و مجاملتنا لها كسلطات لا يحرمنا من حريتنا في إبداء رأينا كسياسيين وكديمقراطيين. و لهذا السبب لا ينبغي أن يُهان أحد إذا قلنا ما هو واضح: أن الملكية اليوم تشكل موضوعا لنقاش مجتمعي في إسبانيا؛ نقاش يتعاظم بفعل مغالاة اليمين المتطرف في انتسابه لهذه الملكية.

هناك عاملان يفسران سبب فوز الهوية الجمهورية وسط الرأي العام. من ناحية ، بسبب ما يعرّفه العديد من المحللين صراحة بأزمة الملكية، و هي بكل تأكيد الأعمق منذ إعادة إرسائها من طرف فرانكو. و ترتبط هذه الأزمة اجتماعيًا بالتدهور الخطير لصورة المؤسسة نتيجة هروب خوان كارلوس دي بوربون إلى الإمارات العربية المتحدة بعد ظهور معلومات حول أنشطة فساد مزعومة منسوبة إليه ، ولكن لها أيضًا علاقة بانتساب اليمين واليمين المتطرف لهذه الملكية و الدفاع عنها. بحيث إن تحويل اليمين المتطرف للملكية إلى لوائه الرئيسي قد ألحق بها ضررا جسيما. في الواقع ، إن ما ساعد خوان كارلوس الأول على ضمان استمرار عرشه كانت هي قدرته على “إظهار” ابتعاده عن أصله الفرانكوي، وكسب دعم جزء من القطاعات التقدمية في المجتمع الإسباني.

فقد كان أنصار الملكية المعتدلون في الماضي يدّعون بأن الملكية تمثل وحدة الدولة. لكن اليوم فإن الجمهوريين يشكلون الأغلبية في كاتالونيا وبلاد الباسك، و يشكلون الأغلبية أيضًا بين ناخبي اليسار؛ بينما يتركز دعم الملكيين وسط ناخبي اليمين و اليمين المتطرف. و لا ينبغي أن يشعر أحد بالإهانة عند إقرارنا بما هو بديهي: فالملكية لا تعد اليوم، بالنسبة لملايين الإسبان، رمزا للوحدة بين المواطنين و لوحدة الوطن.

لكننا نواجه أيضًا تحولًا عميقًا في فكرة إسبانيا والدولة و هو يشكل تحديا لجميع المؤسسات ، بما فيها المؤسسة الملكية، سواء فيما يتعلق بشكل معين من التنظيم الترابي أو بالنموذج الاقتصادي الإسباني السائد حتى الآن. فالصراع المجالي (الترابي) الذي عشناه في السنوات الأخيرة له علاقة قوية بالتوترات الناتجة عن النموذج المركزي الذي لا يشعر ملايين المواطنين بالإندماج فيه. أما فيما يتعلق بالبعد الاقتصادي ، فقد بينت حالة الطوارئ الناجمة عن الوباء نقاط ضعف النموذج الاقتصادي و المقاولاتي القائم على غلبة القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة المنخفضة ، الموسمية وغير السيادية ، و على الريعية و المضاربة العقارية و الصفقات العمومية ، و هو ما أرسى الأسس الهيكلية للفساد. و قد أراد رواد هذه النموذج من المقاولين أن تكون الملكية علامتهم وسفيرهم. أما اليوم ، فلم يعد هناك مجال للشك بأن إسبانيا بحاجة إلى مواهب ريادية جديدة أكثر حداثة ، وأكثر تمثيلاً لأقاليم الدولة و للقطاعات الأكثر تقدمًا والتزامًا اجتماعيًا. و أعتقد أن هذه المواهب الريادية الجديدة المدعوة للعب دور رئيسي في إعادة البناء لن تتماهى مع العلامة القديمة.

أما العامل الثاني الذي يفسر دنو الأفق الجمهوري فهو التوافقات الواسعة التي خلفتها في المجتمع حالة الطوارئ الصحية والاقتصادية والاجتماعية التي نمر بها. فبينما يستمر الوباء في فرض نفسه ، باعتباره الطارئ الأساسي أمام القضايا الأخرى ، فإنه يضع على الطاولة أجندة جمهورية متمثلة في الدفاع عن الخدمات العامة ، و عن حقوق العمال والنسوية واستدامة الحياة، و عن مؤسسات تُقدم الرعاية و تُدمج ، و عن التآخي والتضامن ، و عن المصلحة العامة. إذ و بغض النظر عن اللغة التي نتحدث بها أو الرموز التي ينفعل معها كل واحد منا ، فإن أجمل علم يوحدنا كبلد هو ياقة المهنيين الصحيين.

لقد تميز تاريخ إسبانيا في القرنين الماضيين بتوتر دائم ، وبحركة تأرجح بين مراحل التقدم الديمقراطي ، التي كانت بمثابة لحظات “فدرلة” كذلك؛ ومراحل رجعية كانت مرفوقة بالعودة إلى المركزية. من جهة ، بين إسبانيا المؤسسة الحرة للتعليم (Institución Libre de Enseñanza) ، و الاقتراع العام ، و العلمانية ، و حقوق الطبقة العاملة والنساء ، و التعددية كثروة جماعية. إسبانيا لا باراكا (فرقة مسرحية جامعية متجولة ذات توجه شعبي تأسست سنة 1931 و كان ينسقها الشاعر فيديريكو غارسيا لوركا. المترجم) والبعثات التربوية. إسبانيا الواسعة والفدرالية؛ إسبانيا الجمهورية. و من جهة أخرى ، إسبانيا الإقتراع النخبوي و الإنقلابات العسكرية ، و الاستبداد ، و القوة العسكرية والدينية ، و ازدراء كل ما هو عمومي ، و رفض التنوع المؤسساتي والثقافي واللغوي. فكرة إسبانيا الضيقة والمركزية ، التي دافعت دائما عن الملكية.

و لا يزال نفس الجدل حاضرا اليوم في وطننا. من جهة ، تكتل يميني يدافع بحدة غير مسبوقة عن النظام الملكي ، و هو لا يزال يعتقد أن الدولة مِلك له ، ويصف الحكومة بأنها غير شرعية ، رغم أنها تجسد إرادة البرلمان الذي انتخبه المواطنون، و يدافع عن منع القوى السياسية الكتالونية والباسكية من المشاركة بأي حال من الأحوال في تجديد الهيئات الدستورية، أو حتى في التفاوض معها بشأن قانون المالية (وهو النهج الذي كان سببا في الكثير من التوترات الترابية/المجالية و في الديناميات الطردية التي شهدناها في السنوات الأخيرة). فالذين يمارسون الآن القيادة الأيديولوجية والثقافية لهذا التكتل يدافعون علنًا عن حظر الأحزاب ويبررون الديكتاتورية من منبر مجلس النواب.

و يوجد أمام هذا التكتل حكومة ائتلافية تقدمية ، وهي الأولى من نوعها منذ استعادة الديمقراطية ، مسنودة من طرف أغلبية برلمانية تجددت مرة أخرى في الساعات الماضية عند موافقتها على قانون المالية، الذي يعد الأول من نوعه في تاريخ البلاد، و الذي خصص أكبر مستوى استثمار للخدمات العمومية و الحقوق الاجتماعية. و هي الأغلبية التي تصوغ مشروعا للبلاد يتميز ب: قدر أكبر من العدالة الاجتماعية ، و من التعددية ، و الديمقراطية ، والفدرالية، و التآخي ، و التعدد القومي. مشروع جمهورية إسبانية لشعوب و مواطني البلاد.

إننا نعيش اليوم في واقع اجتماعي وديموغرافي مختلف تمامًا عن واقع السبعينيات، بحيث: لم يعد الشباب يفهم لماذا لا يُسمح له ، في القرن الحادي والعشرين ، بانتخاب أعضاء جميع المؤسسات بشكل ديمقراطي ، بما في ذلك رئاسة الدولة؛ و لا يفهم لماذا لا تجوز إحالة مؤسسات أو ممثلين معينين أمام القضاء عند ارتكابهم لجرائم مثلما يحدث مع أي مواطن. فقد تضمن ميثاق الانتقال الديمقراطي قبول المعارضة الديمقراطية التي واجهت الديكتاتورية النظام الملكي، كشرط لقبول ورثة نظام فرانكو بأن تصبح إسبانيا ديمقراطية مماثلة للديمقراطيات التي أسست المجموعة الأوروبية بعد هزيمة الفاشية. و قد قيل يومها بإن خوان كارلوس الأول هو الضمانة الوحيدة لتجنيب البلاد الانقلابات ولبناء الديمقراطية. و إذا كان هذا صحيحًا قبل 40 عامًا ، فهو ليس كذلك اليوم ، بالنظر لعدد البيانات والرسائل التي كتبها بعض من لايزالون يحنون للنظام الفرانكوي. لكننا اليوم نجد أنفسنا أمام مجتمع مختلف تمامًا ، يسود فيه نقاش متزايد حول الفائدة من النظام الملكي، و حول أفق جمهوري جديد يمكنه أن يكون نقطة للوصول، و هو نقاش عرفته البلاد عبر تاريخها في مراحل التقدم الديمقراطي بإسبانيا.

لقد ولى زمن الاحتفال بيوم إقرار دستورنا بتلك الطريقة “الضيقة” التي تقتصر على تذكر “الآباء” الرسميين للوثيقة الدستورية ، والذي كان يسعى إلى إبراز وحدة صف النخب السياسية حول العناصر الأقل تقدمية في الوثيقة ، وعلى وجه التحديد تلك التي فرضتها القطاعات التي لم تؤمن، لا بالأمس و لا اليوم، بالروح الاجتماعية و الديمقراطية لدستورنا. و نحن فخورون في حزب أونيداس بوديموس بانتسابنا لتقاليد أحد الأحزاب الذي جعل انتزاع دستورنا ممكنًا، و الذي قدم قدم أكبر التضحيات من أجل ديمقراطيتنا. و اليوم ، لتكريم ذكرى أولئك الذين خاطروا بحياتهم وحريتهم لإعادة الديمقراطية لنا ، يجب أن نقول بأن الآباء والأمهات الحقيقيين للدستور هم الرجال والنساء المجهولون الذين خاطروا بكل شيء لاستعادة الديمقراطية، و لبناء مراكزها الصحية ومستشفياتها، ومدارسها و ثانوياتها وجامعاتها، و مراكز عملها، وحدائقها العامة و سكنها الائق، وحقوقها. و أفضل تكريم يمكننا تقديمه اليوم لهؤلاء الأبطال والبطلات هو التطلع إلى جمهورية جديدة ، والتي ستكون بالتأكيد مختلفة عن تلك التي حلموا بها ، ولكنها تظل المصير التاريخي الثابت للديمقراطيين في لحظات تقدم إسبانيا.

و في هذا اليوم الذي يصادف السادس من دجنبر من هذه السنة الصعبة جدا، نحن الجمهوريون نكرم الإنجازات الاجتماعية و الديمقراطية التي تجسدت في الدستور و ننظر إلى أفق يكون فيه بلدنا أفضل مما هو عليه الآن.

الشاوي: وزارة الداخلية تتماطل في الاستجابة لمطالب شغيلة الجماعات