ممارسة السياسة بالحب في زمن الإخصاء

أقدمت أحزاب المعارضة البرلمانية على رفع مذكرة إلى الملك تطالبه فيها بالتحكيم الملكي على إثر التصريحات التي أدلى و يدلي بها رئيس الحكومة عبد الاله بنكيران، وأشارت المذكرة تحديدا إلى ما ورد في خطابه بالراشدية، حين قال أن الملك تعرّض لضغوط من أجل اسقاط حكومته لكن جلالته لم يذعن لتلك الضغوطات.

المعارضة تشتكي كون بنكيران يوحي للمغاربة أن حزبه الذي يترأس الحكومة يحظى بعطف وتأييد الملك، وهو ما يجعل المنافسة السياسية غير شريفة، لأنها توظف ثوابت الامة (الملكية) في صراعها السياسي، لذلك اجتمع هؤلاء ليلتمسوا من الملك دفع بنكيران لوضع حد لهذا التوظيف الانتخابي للملكية.

بكل تأكيد بمثل هذه الممارسات السياسية الصبيانية، يبدو بما لا يدع مجالا للشك أن الواقع السياسي المغربي أشبه بمسرح دمى العرائس، وزعماء الاحزاب كراكيز لا تملك ارادتها بل ترقص وتتراقص على ايقاع الايادي التي تحركها من خلف ستار، واحيانا من تحركها امام الستار وامام الجمهور بالواضح والمكشوف…

هؤلاء، معارضة وأغلبية، بممارساتهم تلك يجعلون أنفسهم حجة لمن قالوا ويقولون أن النخب السياسية المغربية ليست مؤهلة للممارسة السياسية في نظام لا يعمل بالوصاية، وغير مؤهلة للممارسة السياسية في نظام لا يكون فيه الملك هو الآمر والناهي… وستكون معادلة أولئك وحجة هؤلاء صحيحتين لو كانت أرض المغرب لم تنجب إلا هذه الكائنات التي تستلذ ممارسة الاخصاء السياسي على نفسها، والاستمتاع بحماية صاحب السدة العالية بالله. بيد أن خريطة السياسة بالمغرب ليس فيها هؤلاء فقط، ثمة من يشتغل خارج قواعد لعبة “الإخصاء السياسي” ويناضل فعلا من أجل ممارسة سياسية تكون مقرونة بالارادة والمحاسبة، لا أن يكون السقف هو التباري على تطبيق برنامج الملك كما يفعل الإخصاء السياسي.

لنترك قليلا دلالات هذا “الصراع” الي نشب بين عبد الاله بنكيران وزعماء المعارضة البرلمانية، ولنبحث شيئا ما في خلفياته، وما يتحرك خلف مظاهره…

الذي يحدث في المغرب الآن، ومنذ انتخابات 25 نونبر 2011 هو انه ثمة “صراع” او لنقل أفضل، ثمة تنافس، بين تيارين، كل واحد يقدم نفسه على أنه القادر على حماية الملكية والدفاع عنها، والدفاع عن امتيازاتها وتوغلها. العدالة والتنمية يقدم نفسه للملك بوصفه البديل عن “طغمة الحداثيين الاستئصالين” الذين يقودهم أمنياً؛ مستشار الملك فؤاد عالي الهمة، ويقودهم سياسياً؛ اليد اليمنى للهمة الياس العماري، لذلك فالممارسة السياسية المغربية آنيا، يسيطر عليها مشروعان يتنافسان في اظهار من يقدم خدمات اكثر للملكية.

القصة وما فيها أن التنافس أضحى على أشده في الأيام الأخيرة، ربما بسبب قرب الاستحقاقات الانتخابية، فراح كل فريق يصوب بنادقه تجاه الفريق الآخر ويرسل رسائل إلى الملك، مفادها :”أرأيت يا صاحب الجلالة نحن الاقوى ونحن القادرين على ضمان مصالحكم الشريفة”.

بنكيران راح في خطبه الأخيرة، يكثر من حديثه عن علاقته بالملك، وأن الملك ينال ثقته، ويخاف عليه، إلى درجة قام بتخصيص حراس شخصيين له، في المقابل يكشف بنكيران أيضا أن من جهته لا يملك إلا أن يرد عن الحب الملكي الذي ينعم به بحب أشد، لا يعرف حدود، إلى درجة لو أن الملك قال لبنكيران رأيا وكان لبنكيران رأيا اخر، فبنكيران سيأخذ برأي الملك حتى ولو بدا له مخالف للشرع، انها قمة طاعة أولي الامر منكم. بنكيران يعلن هذا ولسان حاله يقول: “لا تصدق يا مولاي من يقولون لك أن ليس في القنافذ أملس، فحتى إن كنا قنافذ فنحن مستعدين أن نكون مُلْساً إلى حد الطاعة في امر قد نراه يخالف الشرع”.

هذا الانبطاح الكبير بات يشكل خطرا على مشاريع الهمة وخدامه، وهم من سمحوا باعتلاء بنكيران رئاسة الحكومة ليس انصياعا لنتائج الانتخابات ولا انصياعا لدموقراطية الصناديق، بل لأن مشروعهم لم يكن حينئذ ممكنا أن يكون في رئاسة الحكومة لذلك حفاظا على استمرار الحياة في مشروعهم اثروا الرجوع شيئا ما الى الوراء من أجل ترتيب الأوراق، والاعداد لانطلاقة جديدة ريثما تهدأ العواصف التي حملها الحراك الشعبي، لكن يبدو أن ينكيران استطاب كرسي رئاسة الحكومة ويطمح بقوة إلى استمراره في الجلوس عليه لولاية ثانية، وهو ما قد يصيب مشروع الهمة بالتوتر وفقدان الأعصاب.

حينما قال بنكيران أن الملك تعرض لضغوطات لاسقاط حكومته، فهو يقصد بكل تأكيد تلك التي مارسها فؤاد عالي الهمة موزاة مع تحريك اداوته السياسية التي سهر الياس العماري على ايصالهم الى قيادة احزابهم. ف”شخبطات” شباط لم ير فيها بنكيران إلا ضربات من خصمه اللذوذ فؤاد عالي الهمة، لأن المعادلة بسيطة ولا تحتاج إلى تمحّل وتأمّل، فالعديد من الاخبار تناولت أن وصول شباط الى الامانة العامة لحزب الاستقلال كان بدعم جهات خارجية، وبلغة واضحة فوصول شباط الى الامانة العامة للحزب كان بفضل فؤاد عالي الهمة الذي كان ينوب عنه في السهر على الترتيبات الياس العماري، وهو نفس الشيء حدث مع ادريس لشكر، لذلك فبنكيران عندما يلعب معه شباط أو لشكر أو العماري فهو يعرف جيدا انه يلعب مع فؤاد عالي الهمة.

وما قاله بنكيران في الراشيدية، فَهِم منه فؤاد عالي الهمة انه يستهدفه شخصياً، وفيه “حشيان الهضرة” موجه له من طرف بنكيران مفاده:”انك فشلت في كل العراقيل التي ما فتئت تضعها في طريق هذه الحكومة، والفضل في ذلك، بعد الله سبحانه وتعالى، يرجع الى جلالة الملك الذي لم يأخذ برأيكم وفضل استمرار الحكومة”. هذا القصف الذي أطلقه بنكيران أمام حشد من أنصاره، استفز الهمة فأوحى إلى خدامه ليتحركوا بمبادرة نحو الملك، فكانت هذه المذكرة التي تشكي بنكيران إلى الملك، وهي مذكرة أشرف على فكرتها ثلاثة اشخاص لا غير، هم خدام فؤاد عالي الهمة: الياس العماري، ادريس لشكر، وحميد شباط.

إن المذكرة التي رفعها هؤلاء الى الملك هي بداية تنافس قوي على اظهار حب الملكية من أجل الاستئثار بمهمة تطبيق برنامج الملك، ستزداد شراسته طردا مع اقتراب المواعيد الانتخابية، وليس مستبعدا جدا أن نرى بعد غد المتنافسين على حب الملك وهم معا في حكومة واحدة، إذا ما اقتنع الملك أنه في حاجة إلىهما وغير مستعد للتضحية بأحدهما، حينها سنمل من سماع لغة خشبية سيرددها الجميع، من شباط الى بنكيران الى الياس العماري، لغة تتحدث عن “الواقعية السياسية” وعن”المصلحة العليا للوطن” و”كل شيء ممكن في السياسة”…

إن كان حال السياسة والساسة في هذا البلد هو هكذا، وإن كان يحدث هذا كله في بلد يروج لأسطورة الاستثناء، فهل لنا أن نسأل صفية عن الوطن؟؟؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.