ملهاة الكوبل الحكومي

   في المغرب قد تقوم الدنيا ولا تقعد بسبب أغنية ل”فنانة” باغيا صاكها، أو بسبب دعوة افتراضية إلى حرية الإفطار العلني في رمضان، أو حتى بسبب طلاق وزيرة أو زواجها… وقد يكون الإهتمام بمثل هذه المواضيع دليل على التفاعل مع الأحداث الجارية والإرتباط  بها، خصوصا في ظل ثورة الإتصالات التي تكشف الأسرار والخصوصيات وتجعلها مادة للإستهلاك الإعلامي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه في علاقة بالأمر هو: ما الذي يعنيه هذا التفاعل والإرتباط؟. وما الذي يستفيده الشارع المغربي من التناول المكثف لقضايا عادية وسطحية أو من الإقبال على الأخبار والخصوصيات الشخصية؟.

  إن الإلتفاف حول “التفاهات” ونفخها إعلاميا لا يخدم في نهاية المطاف إلا الذين اختاروا اغتيال العقل الجمعي ونجحوا في توجيهه وتحويله عن القضايا الحقيقية والملحة التي تتعلق بالواقع اليومي للمواطن المغربي، وإغراقه في نقاش عقيم حول مواضيع يراد لها أن تكون محور الإهتمام بدل الالتفات إلى الهم اليومي المرتبط بالقدرة الشرائية والشغل والصحة والتعليم وغيرها من شؤون الحياة اليومية التي تمس المواطن المغربي.
يمكن أن نتفهم ميل الجرائد والصحف ومختلف وسائل الإعلام إلى متابعة وتسليط الأضواء على قضايا ترتبط بالحياة الخاصة للشخصيات العامة، وخصوصا تلك التي تتوشح بالفضائحية أو الإثارة. هذه الفلسفة الإعلامية هي التي أنتجت صحافة “الباباراتزي” ذات النفوذ الواسع في الغرب، حيث أصبحت أخبار النجوم محور اهتمام متزايد هناك، بل إن كثيرا من المنابر الإعلامية لا تعيش إلا على الإثارة، لذلك ارتفعت أسهم الصحافة الصفراء وازداد تأثيرها في توجيه اهتمامات الناس. وهكذا أضحى العمل الصحفي يقوم بالدرجة الأولى على تقديم الخدمة الإخبارية (حتى ولو كانت من قبيل ” أخبار السوق” التي تتداول في مجالس النميمة) .

  أما عندما يتحول شأن شخصي إلى قضية رأي عام، فإن ذلك يدل على خلل خطير في ترتيب الأولويات وتوجيه اهتمامات الشارع. وما نعيشه هذه الأيام من جعجعة بخصوص ما بات يعرف إعلاميا ب “الكوبل الحكومي” يدل على هذا الخلل. فحينما تصبح الحياة الخاصة والحميمية لشخصيتين حكوميتين قضية تشغل السياسيين والإعلاميين والحقوقيين الذين يستغلونها لتصفية حسابات ضيقة سواء بالتصريح أو بالتلميح، ويجعلونها موضوع الساعة وحديث المجالس والمنتديات، فإن ذلك يعني أن جميع هؤلاء يساهمون عن وعي أو بدونه في لعبة التضليل الإعلامي التي لطالما كانت سياسة ناجحة انتهجتها عدد من الدول لتوجيه الأنظار عن القضايا الإجتماعية التي تمس المواطن مباشرة إلى أمور أخرى ثانوية ولا معنى لها، فالمواطن البسيط لا يهمه غرام الوزراء والمسؤولين أو أسفارهم أو كل الأخبار التي تتعلق بحياتهم الخاصة، بل يهمه الإنجازات الحكومية في الأمور التي ترتبط بشؤونه اليومية. ثم إن الحياة الخاصة للوزراء والمسؤولين ولكل المواطنين المغاربة لا ينبغي أن تنتهك بهذا الشكل السافر، فالحبيب الشوباني وسمية بنخلدون شخصان راشدان وليسا في حاجة للوصاية أو الدروس.

  إن هذا الضجيج الذي رافق طلاق الوزيرة وإعلان خطبتها ليس إلا تعبيرا عن نجاح أساليب التضليل في إلهاء الشارع المغربي وتسليته. وهنا يحق لنا اليوم أن نتساءل عن الأولويات التي يجب أن تحظى باهتماماتنا، فما الذي يهم المغاربة أكثر؟. هل هو فصول الحوار الإجتماعي بين النقابات والحكومة أم حلقات الكوبل الحكومي؟. ما الذي ينبغي أن يعرفه المغاربة؟. أهو التحقيق في فاجعة طانطان وكشف المسؤوليات أم الحديث عن ربطة عنق بنكيران أو لون جلباب زوجته؟…. يبدو أننا لا نطرح الأسئلة الصحيحة. لذلك يحلو لنا أن نشغل أنفسنا بملهاة تلو الأخرى في مشهد يتكرر باستمرار، ومعه يتواصل نفس الجمود ويعاد إنتاج نفس الواقع. ذلك أن هذه الأسئلة المطروحة وغيرها تعبر عن مشكلة في تصنيف وترتيب الأولويات، لكن يبدو أنها عملية مقصودة يراد من خلالها للمواطن المغلوب على أمره أن يتفاعل مع كل ماهو ثانوي وبعيد عن عن همومه اليومية الخاصة، بينما في كل ما يتعلق بتكاليف الحياة يبدي انخراطا عجيبا في نغمة ” قولوا العام زين”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.