ملف تحدي التعريف بالشهداء: شهداء 20 فبراير بالحسيمة.. زنابق شاهدة على زمن طمس الحقيقة

شهداء 20 فبراير بالحسيمة

في اطار المبادرة الجميلة التي أقدم عليها الزملاء في موقع “طريق الثورة” والتي تقتضي بالعمل على نشر ملفات تعريفية بالمعتقلين السياسيين وشهداء الشعب المغربي، وهي مبادرة ترتكز في فكرتها على مبادرة “تحدي دلو الثلج” التي انتشرت كالنار في الهشيم على المواقع الاجتماعية و فضاء الانترينت، ونحن في “أنوال بريس” قبلنا التحدي، ووعدنا بنشر ملف تعريفي وتذكيري بقضية شهداء 20 فبراير 2011 بمدينة الحسيمة، هذه المدينة التي أفاقت يوم 21 فبراير على اكتشاف خمس جثث متفحمة في احدى الوكالات البنكية، وهو الخبر الذي أكده في الندوة الصحفية التي عقدها وزير الداخلية انذاك والذي أكّد منذ البدء أن أمر الجثث المتفحمة تتعلق بلصوص كانوا بصدد سرقة البنك فأتت عليهم النيران، ظلّت هذه الرواية الأمنية غصة في حلق العائلات التي لم تصدّق أن فلذات أكبادن فعلا ذهبوا الى البنك بقصد السرقة فسقطوا ضحية النيران الملتهبة. في هذا الملف سنحاول تركيب القصة بما توفر لنا من معطيات، سواء من عائلات الضحايا أو تلك التي أدلت بها السلطات المحلية والوطنية في الموضوع وكذا تقارير الجمعيات الحقوقية ومناضلي حركة 20 فبراير وغيرهم.

في البدء كانت رائحة الموت:

يوم 20 فبراير 2011 لم يكن يوما عاديا للمغرب ولا كان كذلك للمغاربة، إذ كان يوما استثنائيا مفرطا في استثنائيته، خاصة  في مناطق أكثر من الاخرى، احدى أهم هذه المناطق كانت مدينة الحسيمة، المدينة الحالمة والهادئة، التي تعيش على تخوم تاريخ تزخرفه ندوب لم تندمل، مدينة حيث سكانها ما زالوا يتذكرون همجية “اقبان” اواخر الخمسينات، حينما جاؤوا لينتقموا من رجال قالوا لا، لا للظلم، لا نريد هذا التسلط بعد أن قاومنا بدمنا وأرواحنا ضد الاستعمار دفاعا عن أرضنا. بعده جاءت سنة 1984 ومعها خرجت دبابات الجيش لتحرس شوارع هذه المدينة الهادئة، وكان للاعتقال نصيبه الأكبر، بعده بثلاث سنوات ستكون الحركة التلاميذية بهذه المدينة في قمة عنفوانها، وكانت هي المحور الذي حمل مشعل التذمر من الظلم والسخط على قدر سُطّر بالنار والحديد وقضبان السجون، فكانت الضريبة قاسية، شهدين في ثانوية امزورن وهما تلمذين يافعيين، استشهدا تحت التعذيب بعد اقتحام وحشي لثانوية امزورن يوم الاربعاء 21 يناير 1987.. من بعد ذلك صارت القصة هكذا: ساكنة ترفض أن تذعن “للمخزن” رغم كل أصناف التعذيب والتضييق…إلى أن رحل الملك الحسن الثاني، وحلّ محله محمد السادس، فشرعت الدولة في تغيير خطتها تجاه المنطقة، لم تعد العصا هي لغة الحوار الوحيدة بل صارت لغة الحوار الجديد تعتمد ثنائية “العصا والجزرة”، الجزرة أولا، من أراد أن يطيع بالجزرة فهو المواطن الصالح الذي ينسى احقاد الماضي ويستحق اكراميات الانصاف والمصالحة، ومن اختار التعنت والبحث عن جبر الأضرار لا طمسها سيكون مصيره العصا، والعصا الآن ستكون مستساغة ومحلاّة بتبريكات أصحاب الجزرة…
بعده، جاءت كارثة الزلزال سنة 2004  لتكون فرصة أخرى لفتح صفحات جديدة، والبحث عن وصفات جديدة للنسيان، جاء الملك إلى الحسيمة وزار بعض مناطقها، كما استقبل العديد من “نشطاء” المجتمع المدني الذين يتشكلون في معظمهم ممن كانت لهم مساهمات بهذا القدر او ذاك في اذكاء روح العناد والتمرّد على ظلم الدولة، تم تشكيل لجن كثيرة ومتعدّدة، لكن هدفها كان واحد؛ ايجاد أقراص مناسبة للنسيان، كانت جلسات الاستماع التي نظمتها هيئة الانصاف والمصالحة احدى هذه الاقراص، لكن مرّة أخرى لم تعقد جلساتها إلا تحت حراسة بنادق “المخازنية” و”هروات” السيمي وفي بطن ليل بهيم، وفي مكان هو عنوان نجاح سياسة الجزرة.

ذاك كان وضع المدينة والمنطقة بعد الزلزال، وحينها استعر أوار سياسة الجزرة، وتم تحييد العصا مؤقتا، فكثر المنتفعون حتى تضخمت اثدائهم، وأصبح الوضع أشبه بوقع ضجيج السوق في إذن من أضاع حماره كما في القصة المشهورة، وحينما حملت منطقة “تماسينت” مشعل التمرّد من جديد لتقول لا لهذا الاعمار البئيس بعد كارثة الزلزال الذي يكن زلزالا طبيعيا فقط بقدر ما كان زلزالا سياسيا واجتماعيا عرى عورة البؤس الكامن في أقصى زوايا المنطقة، ولم يرض المخزن الجديد والمنتفعون من الجزرة أن تخرج جماهير المناطق الهامشية لتقول لا للنسيان المدفوع الثمن، تكالب المنتفعون بشتى ألوانهم، وكشّر المخزن عن أنيابه من جديد، فسلّ العصا وكانت مجزرة 19 ماي 2004، حينها عوى الرصاص المطاطي والقنابل المسيل للدموع في المنطقة، كما تحرّكت المروحيات العسكرية والكلاب البوليسية لتمشيط منطقة “ذدوكاث” حيث تم توقيف المسيرة الشعبية التي كانت متجهة نحو الولاية للاحتجاج على برنامج الاعمار.

لكن، مرة أخرى استطاع المخزن أن يسل هذا الاحتجاج كما تسلّ الشعرة من العجين، معتمدا على جيش من المنتفعين الجدد والمروضين على حلبة “سياسة الجزرة”، فتم وأد الاحتجاجات في مهدها، وتم التحكم فيها وتوجيهها بدقة ليتم افراغها بعيدا عن استهداف سياسيات المخزن.

بعد الهدوء الطويل نسبيا، ستعرف منطقة “بوكيدان” انتفاضة شعبية عارمة ضدّ التدخل الامني في حق امرأة حُرمت من السكن وكانت قد قرّرت الاعتصام في الشارع العام إلى أن يتم احقاق حقّها، وحينها اندلعت مواجهات قوية كانت تنذر باتساع رقعتها لتتحول الى انتفاضة عارمة، كان يحدث هذا اواخر سنة 2010، حينما كانت تلك الشرطية تتحرش بمحمد البوعزيزي وتمنعه من بيع خضاره، كانت “بوكيدان” تشتعل قبل أيام من أن يشعل البوعزيزي جسده رفضا للحكرة واعلان عن ولادة هبة شعبية وصلت شظاياها إلى جل دول المنطقة. بعده تم احتواء الوضع سريعا ولأول مرة لم تلجأ الدولة المغربية إلى الاعتقالات الانتقامية العشوائية، بل تعاملت مع الموضوع وكأنها أصبحت دولة ناضجة، تتفهم الاحتقان الشعبي وتبحث عن اسبابه الحقيقية للتخلص منه.

لم تمض 3 أشهر حتى كان الموعد مع المسيرات التي دعت اليها حركة 20 فبراير عبر ربوع الوطن، فتداعت ساكنة المنطقة للمشاركة في هذا الشكل النضالي غير المسبوق، فانبجست مسيرات شعبية من كل مناطق الاقليم، كلها تأخذ المسير باتجاه الحسيمة/ المدينة وفي زوال يوم الاحد 20 فبراير كان ما يقارب 20 الف مواطن من مختلف الاعمار يصرخون بملء حناجرهم ضدّ الفساد والاستبداد ومن أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وعندما حلّ المساء كانت مجموعات من المحتجين هنا وهناك تفرغ حقدها الدفين على سياسات الدولة  تجاه المنطقة من خلال مهاجمة مؤسسات الدولة والوكالات البنكية، كان المساء مساء الفوضى العارمة، وازاه انسحاب الامن من الشوارع، إلى أن جنّ الليل وسقط الظلام، حينها سقطت المدينة تحت حملات اعتقالات عشوائية واسعة شملت كل ما قادته المصادفة للتواجد في المكان الخطأ، هكذا كانت ليلة 20 فبراير 2011، إلى أن استفاقت المدينة صباحاً على خبر/فاجعة، العثور على خمس جثث متفحمة في احدى الوكالات البنكية، كانت الامهات يمسكنا قلوبهن بأيدينا وهن يبحثن ويسألن عن فلذات أكبادهن ليتأكدن أنهم ليسوا من الجثث المكتشفة في الوكالة البنكية، بعدها ستأتي الندوة الصحفية لوزير الداخلية انذاك ليعلن فيه روايته التي تحدثت عن تفحم خمس جثث في احدى الوكالات البنكية بالحسيمة، وأوضح وزير الداخلية الراحل بكل وثوقية أن الجثث الخمس تعود للصوص حاول سرقة الوكالة البنكية.

رواية العائلات تربك الرواية الامنية:

بعد ذلك بأيام بدأت مصالح ولاية الامن تتوصل باستفسارات من عائلات واسر تبحث عن حالات اختفاء لابنائهم، إلى ان تمّ أخيرا تحديد هوية الجثث المتفحمة، حينها لم تصدق العائلات الروايات الامنية، لم يخطر أبدا ببالها أن يكون ابناؤهم كانوا بصدد السرقة عندما تعرضوا لما تعرضوا له، كانت قلوب الامهات أقوى من كلّ الروايات، ظلت قلوبهن تقول أن ثمة شيء غير صحيح، فما كان من العائلات إلاّ أن صدقوا قلوب الامهات وراحوا يبحثون عن الحقيقة، فشرعت تظهر معطيات جديدة وتفاصيل دقيقة كلها تذهب عكس الرواية الامنية حول تفحم جثث هؤلاء، مما دفع العائلات الى المطالبة بالاطلاع على شريط كاميرا الوكالة البنكية للتأكد من الصور التي سجلتها كاميرا البنك، غير أن وكيل الملك حسب تصريح العائلات طالبهم قبل الاطلاع على الشريط تأدية مبلغ يقدر بملياري سنتيم هي مجموع خسائر الوكالة البنكية، ومع هذا التعامل الصادم من وكيل الملك، كثفت العائلات مجهوداتها رفقة نشطاء الحركة وبعض الجمعيات الحقوقية، بل إن منتدى الكرامة الذي كان يترأسه وزير العدل الحالي السيد مصطفى الرميد طالب في بيان له حينذاك بإلحاحية إنجاز خبرة تشريحية تتوفر على كافة ضمانات الحياد والنزاهة للوقوف على حقيقة الأسباب والظروف التي تمت خلالها ”وفاة” المواطنين الخمسة. كما أبرز البيان أن المنتدى يتابع بقلق شديد بعض المعطيات التي تثير الشكوك حول ظروف وفاة خمسة مواطنين مساء يوم 20 فبراير والذين وجدت جثتهم مفحمة بأحد الفروع البنكية بمدينة الحسيمة على إثر الحريق الذي لحق بهذه المؤسسة إثر اضطرابات شهدتها المدينة، وأضاف البيان أنه حينما يتعلق الأمر بالحق في الحياة، فإن من واجب السلطات العمومية والقضائية أن تقطع الشك باليقين، وذلك بإنجاز كافة أنواع الخبرة التي من شأنها طمأنة عموم المواطنين فضلا عن أسر الضحايا حول ظروف وفاة المواطنين”.

بعد ذلك سرت مياه كثيرة تحت ملف هؤلاء الشهداء، أصبح الرميد وزيرا للعدل وضرب صفحا عن فضيلة “قطع الشك باليقين” الذي كان قد طالب به في بيانه عندما كان على رأس منتدى الكرامة، و انتهى الامر بأن تدخل المجلس الوطني لحقوق الانسان وأبلغ العائلات أن ملف أبنائهم هو الآن بين أيدي القضاء، ووعدهم بأنه إذا لم ينصفهم القضاء فسيتدخل المجلس الوطني، لكن في المقابل على العائلات أن تلتزم الصمت وتنتظر ما سيقوله القضاء، وأن تكف عن تعاملها مع الجمعيات الحقوقية وحركة 20 فبراير.

من حينها والعائلات تنتظر وما زالت تنتظر، فيما الحقيقة تبدو أنها سقطت ضحية الذئب الذي أكلها في غفلة من الجميع.

تعريف موجز بالشهداء:

. جعفر نبيل/ 19 سنة، تلميذ في التكوين المهني اختصاص ميكانيكا، ناشط على مستوى الفايسبوك، الساكن بـ 5 زنقة ابن خلدون، الحسيمة 
. سمير بوعزاوي/18 سنة، تلميذ بالسنة الثالثة إعدادي {القسم التاسع}، ساكن بسيدي عابد رقم 43، الحسيمة
. جواد بن قدور/25 سنة، يشتغل نادل بمقهى ميرا مار بالحسيمة، ساكن بشارع تزي وسلي رقم 34، حي الباريو الحسيمة
. جمال السلمي/25 سنة، يشتغل خياطا، من مواليد تازة، متزوج ومقيم بالحسيمة، الساكن بشارع بدر رقم 20 حي دهار المسعود الحسيمة 
عماد أولقاضي/19 سنة، يشتغل في التجارة، مستواه الدراسي الثانية إعدادي { القسم الثامن }، الساكن بزنقة سعيد، حي مينا دور الأسفل، رقم 3 الحسيمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.