ملف أيت الجيد بنعيسى.. استقلالية القضاء والتوظيف السياسي

شكل قرار قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بفاس موضوع تجاذب واصطفاف ولغو ولغط وتعويم للحقائق والوقائع، كل واحد ينظر الى الموضوع من الزاوية التي تناسبه وتلائم هواجسه، فغابت النظرة الموضوعية أو كادت؛ النظرة التي يفترض أن تنطلق من استحضار السياق العام، وقراءة القرار على اساسه، وليس النظرة القادمة من فوهة زاويةٍ لِلنَّظر مُستحبة ومرغوب فيها لغرض أو لآخر.

تفاعلا مع الموضوع، فيما يأتي بعض الملاحظات والنقط:

1- في تقديري، إن اعادة بث الروح في ملف اغتيال ايت الجيد بنعيسى ليس مبعثه البحث عن الحقيقة وتكريس العدالة، بقدر ما حسابات سياسية هي من أملت اعادة احياء هذا الملف، واعادة استجماع معطيات وادلة جديدة لاعادة فتح التحقيق فيه. اذن تحريك الملف بالاساس وراءه حسابات سياسية وليس تحقيق العدالة.

2- الملاحظة الأولى تقودنا الى تسجيل بعض التنبيهات الضرورية؛ إن القول بأن اعادة احياء ملف ايت الجيد وراءه حسابات سياسية، لا يعني البتة وجوب اغلاق الملف، ولا يعني ابدا “مادام الملف تم تحريكه لحسابات سياسية فليس لنا الا ان ندافع عن حامي الدين ضد السلطوية والتحكم”. في تقديري إن الارتكان الى هذه الخلاصة يعد اصطفافا حزبيا ضيقا بئيسا، ويعد ايضا اهانة للضحية ولعائلته. نعم الملف تحركه اياد سياسية، لكن هذا ليس ابدا مدعاة لاقبار الملف وطيه، وإلا سنكون بصدد المشاركة الجماعية في جريمة اغتيال الضحية مرة ثانية، من خلال استحضار “بعبع” التوظيف السياسي لاقبار ملفه وطيّه. ما الموقف السليم اذن؟

3- في الحقيقة ثمة ملاحظة موجعة تكرس الاصطفاف الحزبي اكثر مما تشيع الانتصار للعدالة والحقيقة، هذه الملاحظة هي: الانتقائية في اصباغ صفة التوظيف السياسية على الملفات المعروضة أمام القضاء. الحقيقة أن جل الملفات التي لها تماس بالسياسية يتم تحريكها والبث فيها بناءً على قرارات سياسية، فملف معتقلي حراك الريف، وملف معتقلي حراك جرادة، وملف بوعشرين وحميد المهداوي وغيرها كثير، كلها ملفات تم الحكم فيها بناءً على قرار سياسي، وليس قناعة قضائية خالصة لهيئة الحكم. فلا أدري لماذا يتحدث البعض عن التوظيف السياسي للقضاء في ملف حامي الدين، لكن يسكت أمام التوظيف للسياسي للقضاء في ملف معتقلي حراك الريف وجرادة، الخلاصة أن التوظيف السياسي للقضاء لم يبدأ مع حامي الدين ولن ينتهي عنده، انه علّة مزمنة تثخن جسد القضاء بالمغرب وتفضح “استقلالية القضاء”. لذلك كل محاولة للتعامل بانتقائية مع علّة “التوظيف السياسي للقضاء”، باصباغها على ملفّ وتحاشي الحديث عنها في ملف اخر، هي في اخر المطاف محاولة مبعثها الاصطفاف الحزبي، ومقصدها تبرئة أهل الدار، وليس الدفاع عن استقلالية القضاء. ومبدأ الدفاع عن استقلالية القضاء لا يمكن أن تحكمه الانتقائية، بل يجب أن يصدر عن نظرة شمولية تنشد استقلالية القضاء ولا تنشد تبرئة ابن الدار أو احد بعينه فقط.

4- إن التوظيف السياسي لا يعني بالضرورة أن الملف فارغ وأنه مفبرك وأنه كذا وكذا، اذ ثمة حالات تكون فيها الملفات مفبركة ب”طريقة قانونية” من خلال إعداد شهود الزور، وإعداد الدلائل وتكييف التهم. وهناك حالات لا يحتاجون الى كل هذا بل فقط يعمدون الى اخراج هذه الملفات من ادراج الحفظ والنسيان، واعادة تحريكها من جديد، طبعا هنا الجهة التي أخرجت الملف لا تكون بصدد نشدان العدالة، بل هي بصدد حسابات سياسية أملت عليها أن تُخرج الملف لاعادة فتحه من جديد لتصفي عبره الحساب مع المستهدف. لذلك فالقول بالتوظيف السياسي للقضاء في ملف ما، لا يعني بالضرورة أن المتهم في هذا الملف بريء تماما، بل قد يكون المتهم مذنب أو تحوم حوله الشكوك، لكن ملفه كان في درج الحفظ، والان تم اخراجه للانتقام منه. ومن هنا نخلص إلى أن ليس اصباغ صفة “التوظيف السياسي للقضاء” في ملف ما هو بالضرورة تبرئة للمتهم في هذا الملف. كما أن استنكار التوظيف السياسي للقضاء لا يجب أن يكون بهدف تبرئة المتهم وفقط، بل يجب أساسا أن يكون الهدف منه الدفاع عن استقلالية القضاء، اما المتهم فأي متهم ملزم بأن يثبت براءته أمام القاضي، لا أن يتوسلها من خلال قناة التحشيد والضغط والانتصار للاخ ظالما او مظلوما.

5- عطفا على ما ورد في النقط 4، فإن حديث البعض عن أن شكاية تحريك الملف ضد حامي الدين خرجت من مقر حزب الاصالة والمعاصرة بالرباط، في محاولة لتبرئة المتهم هي محاولة مضحكة وحجة متهالكة. إن خروج الشكاية ضد حامي الدين من مقر الاصالة والمعاصرة ليس حجة لتبرئة المتهم ولا حجة مقنعة لاغلاق التحقيق معه، بل هي حجة على وجود التوظيف السياسي وراء تحريك الملف، وهذا امر يتفق عليه الجل تقريبا. لذلك فإيراد هذا المعطى بغرض الايحاء ببراءة المتهم او الايحاء بعدم قانونية فتح التحقيق معه، فهي في تقديري تدخل في لب الاصطفاف الحزبي، كما أن المتكئين على هذه الحجة لا يرومون الدفاع عن استقلالية القضاء، بل يرمون إلى تبرئة صديقهم فقط، وهذه هي الانتقائية التي تحدثت عنها اعلاه، الانتقائية التي يحكمها الاصطفاف الحزبي لا الانتصار للمبدأ.

نعم، ولتكن الشكاية خرجت من مقر حزب الاصالة والمعاصرة، او لنقم بتمطيط الخيط الى مداه، ونقول أن الهمة هو من حرّك هذا الملف، لتصفية الحساب مع قادة البيجيدي، وخاصة مع حامي الدين المعروف بمواقفه الجريئة نوعا ما، طيب لنسلم بهذه الخلاصة على علاتها، لكنها حتى وإن كانت هكذا بهذا الشكل، فهذا يكرّس التوظيف السياسي للقضاء في الملف، لكنه ابدا لا يبرئ المتهم ولا يُسقط قانونية اعادة فتح التحقيق معه، اسقاط قانونية اعادة فتح التحقيق من جديد لا يجب أن يتم بقرار سياسي بل يجب أن يسقط  بالدفوع القانونية إن كان الملف لا يحوز شروط اعادة فتح التحقيق فيه من جديد، لان أي تسوية سياسية للملف فيه اهدار لحق الشهيد وذويه.
سواء الشكاية خرجت من مقر حزب البام او خرجت من يد الهمة نفسه، فلا يمكن أن يكون هذا حجة لتبرئة المتهم واغلاق الملف، بل هي حجة على التوظيف السياسي للقضاء نعم، وعليه علينا أن ندافع عن استقلالية القضاء، وليس الدفاع عن المتهم، الدفاع عن المتهم يجب أن يكون بمداخل قانونية لا سياسية حتى لا نسقط في مطب اهدار حقوق ذوي الضحية.

6- من المعروف أن المخزن يعمد إلى توظيف القضاء لتصفية الحساب مع اشخاص أو جهات، وهذه قناعة يدركها الكل تقريبا، هناك من يصرح بها علنا ويدعو إلى ضرورة استقلال القضاء، وهناك من يضمرها لحسابات هو يدركها، والمخزن يعرف أنه يستعمل هذه الالية لتصفية خصومه (الصحافة، خلية بليرج، معتقلي حراك الريف، معتقلي جرادة….)، ويغرف أن هناك من يغطي على استمرار الاشتغال بهذه الالية، ولعل خرجات وزراء البيجيدي في العديد من الملفات كانت خرجات تنخرط في “جهود” التغطية على استمرار الاشتغال بآلية تصفية الخصوم عبر القضاء، (تصريحات الرميد والخلفي حول اعتقال انوزلا، تصريحات الرميد حول محاكمة معتقلي حراك الريف..)، كما أن حامي الدين نفسه كثيرا ما كتب ونافح في مقالات له عن أن القضاء في المغرب مستقل، اذا جاء في مقال له كتبه سنة 2013، يتحدث فيه عما تحقق بفضل الدستور الجديد وبفضل مشاركة البيجيدي في تسييير الحكومة بعد انتخابات 25 نونبر 2011، يقول حامي الدين في مقاله: “رغم أن الصياغة النهائية لمشروع الدستور الجديد لم تكن محبوكة بشكل جيد، ومع ذلك فقد تم تحقيق الأهم.. فالحكومة منبثقة عن الإرادة الشعبية ورئيس الحكومة يعين من الحزب الأول في الانتخابات.. وهو رئيس السلطة التنفيذية، والسلطة مقرونة بالمساءلة والمحاسبة، والقضاء سلطة مستقلة.”

نعم، المخزن كثيرا ما استعمل قادة البيجيدي للتغطية على استغلال القضاء والترويج لاستقلاليته المزعومة، وهذا ما جعل هؤلاء يقعون في مفارقات فجّة، يقولون عن القضاء انه مستقل تعليقا على إنزال قرون من السجن على معتقلي حراك الريف، في نفس الوقت يقولون ان القضاء موجه بعد قرارا قاضي التحقيق اعادة فتح ملف حامي الدين؟

ونحن أمام هذا الوضع، لا يجب أن نشغّل الية التشفي والانتقام، أن نقول لهم اكتووا بما كنتم تروجون له، هذا لا يؤسس لمنطق الدولة والعيش المشترك، بل يؤسس لثقافة النكاية والانتقام والاحقاد، الذي يجب فعله الان هو أن نجعل مطلب استقال القضاء أس الاصلاح، ونجعله مطلبا انيا لا يقبل التأجيل، حتى نصون الوطن من استعماله لتحقيق مآرب سياسوية وتصفية الحسابات. لا يجب أن نناضل من أجل تبرئة حامي الدين بمبرر أن اعادة فتح التحقيق معه كان بقرار سياسي، بل يجب الدفاع عن استقلالية القضاء وعلى حامي الدين أن يثبت براءته بالدفوع القانونية، لان قضية الملف ليس هو موضوع الصراع مع الدولة، بل إن قضية الملف فيه البحث عن حقيقة وفاة الضحية، وفيه حقوق ذوي الضحية، لذلك لا يمكن استبعاد حق هؤلاء تحت أي مبرر كان، حتى لو كان الشيطان نفسه هو من حرّضهم على المطالبة باعادة فتح التحقيق، هم ذوي الضحية، من حقهم المطالبة باعادة فتح التحقيق ومن حقهم الاستنجاد او الاعتماد على من شاؤوا.

المدافعون على براءة حامي الدين عليهم أن يقنعوا الرأي العام ببراءته بمداخل قانونية وليس بادعاء المظلومة السياسية وبوجود اعتبارات سياسية وراء تحريك الملف، هذه الاعتبارات يجب الدفع بها للدفاع عن استقلالية القضاء وليس براءة حامي الدين، أما براءته هو فلا يمكن ان يستمدها من أي عنصر اخر من غير الدفوع القانونية، نعم هناك احتمال كبير لادانته حتى دون استكمال ادلة ذلك، وحينها علينا أن ندافع عن حقه في المحاكمة العادلة وليس الدفاع عن براءته، ما دام هناك طرف مدني طالب باعادة فتح الملف ويطالب بحقه بغض النظر عن سياق رغبة عائلة الضحية باعادة فتح الملف، فهذا حق مكفول لها في كل الظروف.

فهل المتباكون من اليمين واليسار والمؤلفة قلوبهم على استقلالية القضاء بصدد ملف حامي الدين وحده دون الملفات الاخرى، هل هم مستعدون لفتح معركة استقلال القضاء، ام أن خرجاتهم سقفها انتزاع البراءة لصديقهم، ومن بعد ذلك فليستأنف المخزن العمل بآليته المعهودة لتصفية من تشاء غرائزه؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يقض مضجع المنشغلين حقا بمستقبل هذا الوطن.

المقررة الأممية إ.تيندايي أشيومي تزور طنجة من أجل الريف و المهاجرين جنوب الصحراء

أمنيستي تنظم لقاءات لنوال بنعيسي بالمدن الايطالية للتعريف بحراك الريف في اطار حملة الدفاع عن الحقوق