ملحمة شاشا واسهال الناشط السرسري

فريد ايث لحسن

من روائع الأدب الانساني حول تراجيديا المنفى والاغتراب ، رواية “المرتجى والمؤجل” لغائب طعمة فرمان الذي مات في المنفى بداية تسعينيات القرن الماضي، رواية مجدت أحلام وتراجيديا المنفيين والمغتربين وارتقت بهم الى مقام المجد الأبدي.لم يسعف الزمن والمرض اللعين، الشهمين العراقي النبيل غائب طعمة فرمان والريفي الشجاع شاشا أشيليس أن يحققا المرتجى من احلامهما البسيطة والكبيرة، لذلك فكلما كانا قد اقتربا من انجاز مشاريع ما الا وتأجلت فصولها النهائية لسبب أو لآخر، وهكذا تشاء الظروف القاتلة أن يرحل الكبيرين بعيدا عن دفىء الأهل وحضن الوطن.

تذكرني حالة الافلاس التي وصل اليها قلة قليلة من “اشباه مناضلين” أو “اشباه امغناس” بعموم الريف وبهولندا خصوصا بحالة الشلاتي، ذاك الموظف المعين من قبل الحكومة في عهد الدولة العثمانية، وكان من المفترض أن يقوم بمراقبة الأسعار في السوق والتأكد من عدم التلاعب بها من قبل التجار، وعندما بدأ الشلاتي يأخذ الرشاوي من التجار، ويغض النظر عن التلاعب الحاصل بالأسعار، عينت الحكومة موظفا جديدا سمته السرسري، مهمته السامية مراقبة أعمال وسلوكيات الشلاتية والتأكد من قيامهم بعملهم الصحيح ونزاهتهم وواجبهم المهني،ولكن العدوى انتقلت للسرسري، وبدأ يأخذ الرشوى، وينشر الكذب وسط الناس أيضاً، وأصبح المصطلحين يطلقان على الفاسدين . ولعل الحالة الريفية اليوم، تختزل بكل المقاييس حالة شبيهة وجديدة يمكن تسميتها بالناشط السرسري، فئة جديدة افرزها الفراغ القاتل داخل الوسط المدني والسياسي الريفي، ممتهنة وظيفة جديدة، ترى في مجمل نجاحات الواجب الريفي للريفين تهديدا مباشرا لاستمراريتها وانكشاف عقمها.لذلك فوظيفة الناشط السرسري الريفي هي مراقبة ومحاولة تشويه وتخوين الذات الريفية وكذا كل النشاطات والمبادرات الصادرة عن افراد أو جماعات ريفية، اصوغ هذا الكلام وأنا أتابع الاسهال الفظيع الذي اصاب عناصر غريبة على المجتمع الريفي على هامش ملحمة شاشا التاريخية، ذات العناصر التي باتت توزع صكوك ” الامتياز النضالي” على المقاس من جهة والتخوين والتشهير من جهة أخرى، ترى من هو الناشط السرسري؟

ارتبط ظهور” ظاهرة” الناشط السرسري الريفي، بظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وبالخصوص ” آنأ أزكزا- البيدر الأزرق”، فضاء كان من المفترض أن يسوق المنتوج والمحصول الريفي الذي ينتج على الارض من طرف مجمل الأفراد والأطراف التي تشتغل على الشأن الريفي وكل من موقعه، سواء الثقافي أو السياسي أو الاجتماعي، خصوصا أن حقل ومجال عمل الواجب الريفي هو البيدر الريفي الأصيل على الأرض، وفي الآن والهنا ولا غير ذلك. في حين لا يتعدى مجال الناشط السرسري الريفي وعلى امتداد السنوات العشرالأخيرة البيدر الأزرق الوهمي. اصوغ هذا الكلام وانا أتذكر نقاشا مع اشيليس حول ظاهرة ما يسمى ب “التعليقات ” في بعض البازارات الالكترونية الريفية والتي ظهرت بالريف منذ مدة وصارت تتخذ من الشخصنة والتشهير بألأفراد والتنظيمات مجالا لعملها، نقاشا أحالنا أنذاك الى استنتاج يمكن تلخيصه في اعتبار ظاهرة الناشط السرسري الريفي ، امتدادا للوظيفة الهجينة والغير المسؤولة  التي أنتجها بؤس وضياع البازارات الالكترونية بالريف، أمرا يحيلنا الى القول أن الناشط السرسري الريفي هو نتاج مجمل حالات الفراغ الفكري والثقافي والاعلامي للحالة الريفية الراهنة التي اصابت الذات الريفية، مقابل انتشار ” ثقافة” البازار الاستعراضية.

ارتبطت الأحداث الملحمية الكبيرة التي لازمت التراجيديا الريفية المعاصرة والى حدود تسعينيات القرن الماضي، بالوجود والحضور القوي لفئة ” المقدم والشيخ” التقليدي داخل المجال الترابي  للبلدات والمداشر والمدن الريفية، فئة ارتبطت مهنيا بالسلطة المحلية ، وهي العين الساهرة ” الأمينة” التي لا تنام. لم يسعف – الزمن- الريف والريفيين وعموم أبناء وبنات الشمال بالداخل والشتات أن تتطور وتتقدم الدراسات السوسيولوجية والأنتروبولوجية حول مجمل هذه القضايا المرتبطة بالشان الريفي، كما أخفقت جل المحاولات النوعية في الكتابات الأدبية وبالخصوص الروائية، وغاب دور المثقف المستقل والمتخصص، حالة سهلت وعجلت بظهور الناشط السرسري الريفي لاحقا، ترى ماذا يريد الناشط السرسري من شاشا أشيليس؟

في المخيال الشعبي الريفي كلنا نتذكر ونستحضرجيدا حالتين جديرتين بالتمحيص والاقران بخصوص ملحمة شاشا، ويتعلق الأمرب  مفهومي: ” يازا ارفوجث ” و ” يازا أسوق” الريفيين، أو تلك الفئة التي تمارس الأعمال المرفوضة في الثقافة والأعراف الريفية ومن دوافع الحقد والجبن والانتقام ، تلك الفئة التي غالبا ما تكون منبوذة محليا وتلتجأ لممارسات غير أخلاقية وغيرمسؤولة!! لم يقرأ الناشط السرسري الريفي من الانتاج الأدبي للشهم شاشا الا بعض الجمل من عناوين اصداراته، ولم يرى في كتاباته اية ” قيمة مضافة” ، في حوار مطول سأنشره لاحقا أنجزته مع شاشا وحول سؤال : أين القارئ والناقد من أعمالك؟ وبحسرة كبيرة يجيب: ” …القارئ المفترض لما أكتب ربما سيظهر لاحقا….”!! لعل هذا الكلام يحيلنا الى ظاهرة العويل والتباكي والضجيج المفتعل حول كل ما رافق ملحمة عودة اشيليس شاشا لبلدته ” قابو ياوا” من اسهال في المداد ومن عناصر محدودة ومحصورة جدا من داخل فئة الناشطين السرسريين.

استنزف الريفيون في الزمن المعاصرمع بعضهم البعض، وقتا كبيرا في محاولات صياغة أحلامهم الحارقة، وسعوا لاحقا، الى نعي نفس الأحلام المجهضة. تطلعوا منذ العهد الجمهوري واخفاقاته  الى وطن حر ظل للأسف محاصرا ومنسيا، والى مستقبل وطموح يستعيد نقاء حلم عشرينيات القرن الماضي، وهكذا تحول الرئيس الى رمز يختزل صفاء كل صفات القديسين والأحرار،لذلك يقتضي الواجب الريفي أكثر من أي وقت مضى العمل ثم العمل ولا شيئ غير العمل والقيام بالواجب بعيدا عن ” نضال البازار الاستعراضي”.

كثيرة هي الدروس والعبر التي يمكن أن نستخلصها من ملحمة عودة الشهم اشيليس شاشا، تلك الملحمة التي عرت فئة العار الريفي في شقه السرسري من جهة وارتقت بفئة الناشط الأمازيغي والريفي الأصيل المسؤول/ الأغلبية التي بعملها استنهضت الواجب الريفي النبيل بعيدا عن الأنا واحتراما للارادة الحرة لأشيليس ولتلك الأم والعائلة الشجاعة التي أبانت عن حكمة ومسؤولية راقية، تلك الحكمة المستوحات من البيئة الريفية المحلية الأصيلة الزاخرة بقيم التسامح والتضامن والتكافل والوحدة والتآزر وقت الصعاب والمحن.
لأم اشيليس ولأشيليس ولعائلته ومحبيه وأصدقاءه الذين شاركوا وحضروا ملحمة العودة أينما تواجدوا ولكل مناصري العدل والحرية وقضايا الانسانية، حقا أنتم الأمل ايها الطيبون والطيبات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.