ملحمة الشهيد محسن فكري وانبعاث حركة مولاي موحند

أواخر عشرينيات القرن الماضي، لخص الرئيس المصير النهائي للتراجيديا الريفية المعاصرة، بخصوص ثنائية الهزيمة والانتصار في تصريح وعبرة حكيمة تختزل مسار الانكسارات والعذابات الريفية المعاصرة كلها ، وقتها عزا القائد اسباب هزيمة مشروع الانعتاق الريفي الى الادراك المبكر والوعي الثاقب والحكيم بضرورة الحفاظ على البقاء الوجودي لهذا الشعب ولأجياله المقبلة حيا، كي تستنهض تلك الأجيال لاحقا مجمل الوسائل والطاقات الذاتية المؤدية للانتصار وتقرير مصير الشعب في الحرية والكرامة. تبصرا عميقا نادرا ما يستحضره قادة حركات التحرر الوطني وهم في اوج المقاومة حين تشتد عليهم المحن والنكبات .

أنا مسؤولا عن هذا الشعب الذي يجب أن يبقى حيا، فقد أهزم أنا ولكن الأجيال القادمـة، لايجب أن تنهزم لقد إستسلمت ليبقى هذا الشعب حيا، وبذلك أعطيه فرصة الإنتصار مستقبلا فأذهب أنا و يبقى الشعب ، كلاما مسؤولا يلخص الجوهر والبعد الانساني الراقي للاسباب العميقة لاعلان ايقاف المقاومة ويحيل الى مغزى الحفاظ عن حلم الانعتاق للأجيال المقبلة، حلما يستلهم أيضا اخلاقيا وسياسيا وثقافيا المشروع النبيل لمدرسة الرئيس في التحرر والانعتاق.

وبديسمبر 2008، وبمدبنة لاهاي الهولندية وعلى هامش تخليد الذكري الخمسينية لانتفاضة الكرامة والحرية، انتفاضة 58/59 يصرح كوماندانتي الرئيس، الراحل الهاشمي الطود بما يلي:  في زمن الأمير كان الكل فداء بروحه وكل ما يملك للقضية ، لكن كانت تنقصنا الكوادر المتعلمة. مبتغى تصريح الكوماندانتي سيحيلنا الى أنية الوضع الراهن للزمن الريفي ( le temps de  (Rif ودور تلك النخبة المتعلمة التي رضعت مبكرا من  أمهم قرنسا وأنتجت لاحقا أسطورة المجدالسياسي الممسوخ بدءا بمؤامرة نخبة ايكس ليبان المعروفة بنزهة (خمسة + سبعة وثلاثون) تلك النزهة السياحية التي احتضنتها منطقة رون – ألب الفرنسية،تلك النزهة التي كان المقررون فيها كل من رئيس الحكومة الاستعمارية و بيناي، وزير الشؤون الخارجية والجنرال كوينغ وزير الدفاع وروبيرت شومان وبيير جولي ، مقابل 37 متحاملا على القضية العادلة للشعب المراكشي. وقتها اوردت جل الصحافة العالمية المعتمدة بالقاهرة تصريح الرئيس التالي:

“..وقد اقتدت جماعة الرباط بجماعة تونس المستسلمة فأبرزت اتفاقية إكس ليبان إلى حيز العمل والتنفيذ، وأخذت تناور وتدلس وتغري الشعب المغربي بالكلام المعسول. وهي سائرة في نفس طريق اتفاقية تونس وستطالب المناضلين بإلقاء السلاح، بعدما طلبت منهم الهدوء بحجة أن المفاوضة لا تكون إلا في الهدوء، والهدوء لا يكون إلا بإلقاء السلاح وتسليمه لهذه الجماعة الرباطية الجالسة على عروشها حين يتفرغ الأعداء للقضاء على الجزائر. فحذار من السقوط في الفخ المنصوب، وإننا على يقين من أن الشعب المغربي سوف يستمر في الكفاح والنضال إلى أن يخرج من بلاد المغرب بل من شمال إفريقيا كلها آخر جندي فرنسي يحمل السلاح من جماعة المستعمرين. أيها الإخوان دعاة الهزيمة موجودون في الأقطار الثلاثة من بلادنا، فلا يجوز بأي حال من الأحوال بأن يسمح لهم أن يثبطوا من عزائمنا أو يوهنوا من عقيدتنا في الكفاح الشريف. فالنصر حليف المناضلين في سبيل الحق. وإننا لا نريد أن تفوت هذه الفرصة من غير أن نلفت نظر الشعب الفرنسي إلى أن إهدار كرامة الشعوب ليس من شيم الأمم المتمدنة…تصريحأ استقرأ واستبق مبكرا المأل النهائي لجماعة ايكس ليبان، مألا سيبين لاحقا وبالملموس أن لامشروعية ولاشرعية تاريخية لفريق 37، ذاك الفريق الذي سيفرخ وسيؤثث مشهد المسخ السياسي على امتداد العقود الماضية، بأحزاب بدون مجد ومشروعية، وقتها سينبه الرئيس الشعب المراكشي قائلا :  أيها المغاربة مصيبتكم في أحزابكم؟

يقتضي الراهن الريفي ، استحضار الركائز والأسس المتينة لمدرسة الرئيس، كي نزيل الغبارعن بعض التشوهات والممارسات الهجينة لأشباه المثقفين واشباه المتعلمين الذين نراهم اليوم ،عراة عارهم، يتفرجون وناقمون ومتأمرون، على اي انسان حر يستحضر التراجيديا المعاصرة لشعب عبد عبد الكريم ومحنتهم التي مازالت مستمرة وتتوارث جيلا بعد جيل، بدءا لمقاوتهم لمجرمي الحرب الاستعمارية بدايات عشرينيات القرن الماضي ومرورا بجماعة  الاحتقلالووصولا اليوم الى جماعة الكوركاس الريفي الوظيفية، هؤلاء الناقمون والمتأمرون نسوا أو ربما تناسوا أن الزمن الريفي هو زمن الانعتاق لكل الشعب المراكشي بمختلف شعابه وجهاته التاريخية التي ناهضت وقاومت عنجهية التسلط والاستبداد على امتداد القرون والعقود السحيقة ومنذ زمن طويل، لذلك فما نراه اليوم من بشاعة وانهزامية شبه مطلقة للنخبة العريضة والمتنوعة التي كان من المفترض أن تصطف وتقود الراهن الريفي نحو الانعتاق والخلاص، سيدفعنا الى التساؤل المشروع حول ما مغزى العويل والنباح المناسباتي اليتيم كلما حلت مناسبة من مناسبات التراجيديا الريفية، اذا لم يعطى للمشروع الأخلاقي والسياسي للرئيس مكانته في الأن والهنا ببلاد الريف وباموراكش.

ليس جديدا، اذا قلنا أن المنتسبين لمدرسة مولاي موحند، قدموا تضحيات بالدم والنفي وسعوا الى تحقيق أحلام الشعوب مغاربيا وأفريقيا وعالميا، تضحيات مازالت تقدمها الأجيال الجديدة لعل أخرها لا الحصر المصير الماساوي للشهيد محسن فكري.

مثل نكران الذات، ونبذ افتعال وتقمص الألقاب والزعامات المغشوشة والوهمية ، مبدأ اخلاقيا عريضا للعمل داخل مدرسة مولاي موحند، تجلى مبكرا في سلوكيات قادة الثورة والدولة في عشرينيات القرن الماضي، ولاحقا ابان فترة النفي الثانية بمصر، ذاك المبدا النبيل الذي سيورده الكوماندانتي الهاشمي الطود بحرقة في اللقاء الذي سبقت الاشارة اليه باقتضاب أعلاه. مقابل هذا سعى المخزن الى تثبيت دعائم وركائزالأعيان تارة بمرجعية دينية ترتكن لوجهاء الزوايا والعشيرة، وتارة بنخب مفلسة تعيش على حافة التماس بين الهزيمة والافلاس، لذلك سيظهر بالريف ولأول مرة، ومنذ عشرينيات القرن الماضي، ومباشرة بعد تراجيديا الزلزال سنة 2004، حالة جديدة للمسخ السياسي المستورد ببلاد الريف سيحاول اصحابها بالدسائس والمؤامرات الاجهاز وعلانية ولأول مرة على كل الوجود المادي والغير المادي لمدرسة الرئيس مولاي موحند، مجالا وبشرا وقيميا عبر محاولتهم عرض الريف والريفيين في مزاد النخاسة المخولج عروبيا والمفلس مخزنيا، أخرها خلق جهوية الموت الاقتصادي للريف الأوسط والسعي لاستنساخ متروبول الدار البيضاء بطنجة لهدف استنزاف وقتل الرأسمال الريفي في مشاريع الاسمنت المسلح والسياحة المفلسة. ولذلك كان طبيعيا وبدون لغة الخشب وبعيدا عن منطق المصلحجية الظرفية ، على أغلبية الشعب الريفي أن يبقى بعيدا عن جماعة الكوركاس الريفي، وفاء لمدرسة الرئيس ووفاء لتاريخ الريفيين من جهة ومبتعدا عن الفعل السياسي والمدني العريض الملوث من جهة أخرى، حفاظا على الرصيد القيمي والأخلاقي لمدرسة الرئيس، هذا النفور والبعد عن الكوركاس الريفي يتجلى اليوم بشكل ساطع مع يوميات ملحمة الشهيد الريفي النبيل محسن فكري، شهيد انبعاث حركة مولاي موحند لكل الريفيين ولكل الشعوب المغاربية التواقين للحرية والانعتاق، لذلك يمكن الجزم بالقول أن معركة انبعاث حركة مولاي موحند ومن عمق بلاد المقاومة هي معركة كل الأحرار الذين يستنهضون المحلي ويعطونه اشعاعا اقليميا ودوليا.

تسعى الكتائب الوظيفية لأحزاب القصر وكذا الحزب الاسلامي، وكذا بعض شيوخ الظلام في الأيام الأخيرة وبالحاح كبير الى محاولاتهم تسريب مفاهيم غريبة عن المجتمع الريفي، فذاك يحذر بالفتنة والأخر بالانفصال. يحيل واقع الانبعاث الريفي اليوم ومنذ الساعة الأولى لانطلاق الاحتجاجات الشعبية بالبلدات الريفية الى رقي لم يسبق له مثيل لدى الجيل الجديد الغير الملوث، يتجلى ذلك بوضوح في التنظيم الراقي والانضباط والمسؤولية الجماعية العالية للشباب والشابات، وكذا مختلف الشرائح الاجتماعية الريفية، حيث لم يشهد الريف ومنذ عقود من من الزمن هكذا احتجاجات.

نفذ المخزن سياسة الانفصال ألأحادي الجانب عن الريف منذ خمسينيات القرن الماضي، وهكذا تم تهميش البلاد وتهجير شبابه وتجريم جزءا من مجاله الجغرافي، وتقطيع أوصاله الى كانتونات أمنية، هذا الانفصال الأحادي الجانب هو الذي يجب أن نستحضره اليوم، ويجب أن يعرفه الرأي العام المحلي والدولي ، بخصوص الدين التاريخي للريفيين لسياسة العقاب الجماعي للريف منذ الخمسينيات ، من طرف المخزنـ ، اذ يكفي أن تستحضر وبعجالة ظهير الشؤم الساري المفعول وليومنا هذا، المعروف بظهير بلافريج الصادر يوم 24 نونبر لسنة 1958 ابان انطلاق انتفاضة الكرامة بالريف.

ان الريفيين اليوم، ومعهم أحرار العالم وكل الشعب المراكشي، قد أدركوا ان زمن الأعيان والوصاية السياسية للرباط قد انتهت فليس هناك مجالا يدعو للشك ، أن الذين خرجوا في ملحمة الشهيد محسن فكري بالريف وبكل المدن الأخرى، هم ضمير هذا الشعب، لذلك فلا مجال للشك أن نقول أن زمن الوصاية السياسية وخلق الأعيان قد انتهى، وضمنه نهاية زمن كوركاسات المخزن السياسية والمدنية والدينية.

ان حزب مولاي موحند هو حزب لجميع الأحرار، اذ لا مناص لجميع الريفيين الأحرار والمغاربة منه، فقط مدرسة مولاي موحند هي من ستنقذهم من الانحطاط والهزيمة والخنوع وسترتقي بهم الى مقام الشعوب المتقدمة والمتحضرة، وستخلصهم من المخزن وسياساته بالداخل والشتات.

فريد أيث لحسن

لاهاي – هولاندا

فاتح نونبر 2016

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.