ملامح من مقاومة الطغاة وأعوان المخزن والاستعمار بالريف

محمد السقفاتي

من الذاكرة: عملية استشهادية بالريف ضد الطاغية “عزي”

في محيط “رابع انتوراث” وقرب مدشر “ثيزمورين”.. يوجد هذا المكان الذي هو عبارة عن فج بين مرتفعين أو صخرتين وتم في غابر الزمان ربطهما بجسر لا زالت آثاره قائمة.. تتداول الحكاية الشعبية قصة حاكم او قائد حكم المنطقة أثناء فترة الإحتلال البرتغالي ويسمى عزِّي ( 3azzi مع لفظ غليظ للحرفين العين والزاي) كان ظالما طاغيا الى حد لا يطاق وتفنن في إذلال وإهانة الساكنة بشكل يومي حيث كان يشترط على النساء تزويده بالنوبة بوجبات الحّ فيها ان تخضع لوصفات شبه مستحيلة، كما يشترط على الرجال حمله على ظهورهم في جولة الى أعلى القمة كان يصر كل يوم ان يقوم بها..

في يوم من الأيام وبعد الصلاة في المسجد بدأ الناس يتظلمون لبعضهم البعض. ثم نهض رجل من بين الرجال وقال: سأخلصكم من هذا الطاغية، لكن بشرط واحد.. أوصيكم بأولادي ( اخ كوم وديغ ثاوا اينو) وافق الرجال على شرطه ( الإعتناء بأسرته) ثم انتظر حتى أتى دوره. حمل الرجل الحاكم عزي على ظهره وعندما عبر به الجسر ووصل الى أعلى مرتفع صاح بقولة لا زالت الساكنة ترددها الى حد الساعة: – “اقا موخاس تكان ايمزروغ انتاوا اينو ادتاوا ايناس…” وفي صيغة أخرى صاح ب “مٓنّٓخْرًُو انتاوا اينو اد تاوا ايناس..” ثم هوى به الى الأسفل في عملية انتحارية اودت الى هلاك الطاغية

الى حدود الساعة بقي هذا الحاكم حاضرا في ذاكرة اللغة والمنطقة حيث توجد تعابير كثيرة يحضر فيها اسمه من مثل:

– افغايد ادعزي…(صار لي مثل عزي)

– غاي دين عزي كي ثاداث..(لدي عزي في المنزل)

– الحكم ان عزي… الخ (حكم عزي)

استفزاز الذاكرة: شخصية الحياني

(نسخة عزِّي لكن من زمان آخر)..( 3azzi مع لفظ غليظ للحرفين العين والزاي.. (اقرأ تدوينة سبقت حوله))

مع الإستعمار البرتغالي لأجزاء من الريف في زمن غابر، ظهرت الى الوجود شخصية عزِّي ، واحتفظت اللغة الريفية والذاكرة الشعبية بهذا الإسم الذي يضرب به المثل في الإذلال والجبروت والطغيان.

قرون بعد مقتل هذا الطاغي في عملية استشهادية ، يظهر على الساحة، في حقبة الإستعمار الإسباني، “عزي” آخر ويحمل هذه المرة اسم “الحياني”.

ينحدر الحياني من قبيلة الحياينة العربية الأصول وجاء الى الريف بعد انهيار الجمهورية الريفية على رأس بعثة عسكرية أنيطت لها مهام البحث ونزع الأسلحة وتجريد الساكنة منها. كان الحياني ساديا الى درجة لا تتصور ويتفنن كثيرا في أساليب الإستنطاق والتعذيب والقتل والتنكيل وتحكي القصاصات الشعبية انه لا يعرف الرحمة وكان يجلد حتى تزرقّ الأبدان ويقطع أعضاء جسد المستنطَقين الضحايا، إربا إربا، وغالبا يكون مصير من يسقط في يده الموت الفضيع والمحقق… فإذا اعترفت الضحية بحيازة قطعة سلاح ، فستقتل .. وإذا لم تعترف أو لم تحضر السلاح الذي لا تملكه، فستعذب أيضا حتى لفضها الأنفاس الأخيرة. اشتغل الحياني في مداشر من الريف الأوسط ( رابع انتوراث، آيث جهزة، شقران، زاوية سيدي عبد القادر، بني عبد الله، بني حذيفة الخ…) وترك فيها أثرا موشوما في الذاكرة الى حد الساعة.

استقر الحياني بمدشر اغزار إمزيرَن بعد أن اختار أجمل فتاة في المنطقة وتزوج بها غصبا وبالإكراه. حتى زوجته التي نظمت العشرات من إزران هجاء حول زوجها وعبرت بجمالية شعرية عن معاناتها وتذمرها وسخطها، لم تنج من ساديته، إذ أعماها الحياني من عين بالضرب بحزام أو بسوط وتم تهريبها من طرف أهلها متنكرة في لباس رجولي (الجلباب والعمامة الريفيتان).

تعرض الحياني لعدة محاولات اغتيال فقد في أحدها عينه، وما هذا الإزري المقتبس من عشرات إزران شكلت فيما بينها ملحمة احتجاجية حوله، سوى شاهدا على عميه وجبروته: ” أيا الحياني أذاغار ماغا يوكي أذيحن أور ايناك///150 أنتيثا أمري صارنت أك عرو إيناك “” ( ايها الحياني الاعور لماذا لا يريد قلبك أن يرأف/// مائة وخمسون جلدة ليتها لو جاءت على ظهرك)، لقي الحياني حتفه في محاولة أخرى ثأر فيها أبناء لمقتل أبيهم بعد تعذيبه.

الى حدود الساعة بقي هذا الطاغي حاضرا في ذاكرة اللغة والمنطقة حيث توجد تعابير كثيرة يحضر فيها اسمه من مثل:

– دلحياني .. غاس أور وا يتحيني …(انه مثل الحياني قلبه لا يرأف)

– يكاس (G) أعموذ ام الحياني (قمعه قمع الحياني)

– غاس أور نلحياني .. الخ.(لديه قلب مثل قلب الحياني)

للأسف الشديد فنسخة “عزي” لم تستنفذ روحها مع الإستعمارين البرتغالي والإسباني وتقضي، بل استمرت في الظهور والإستنساخ والتناسل مباشرة بعد ما يسمى الاستقلال.

ملاحظة: الحياني شخصية وان ظهرت في الريف أثناء حقبة الاستعمار الإسباني لكنها كانت قد تدربت واحترفت التعذيب والقتل بأشكال مخزنية تقليدية مما يجعل هوية البعثة العسكرية التي ارسلت ( بين بعثة الإسبان أو بعثة السلطان)، لم يحسم فيها وتحتاج الى بحث اكثر قد يفضح بعض المستور من التاريخ.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.