ملاك البحر

لقد تحدثت الميثولوجيا و الثيولوجيا عن ملاك السماء وأنواعه وأشكاله بل حتى عن بعض أسمائه، لكن ما من علم أو دين أو حتى أسطورة تحدثت عن ملاك البحر، ملاك النجاة ، لقد تحدثوا عن حوريات البحر و عن عروس البحر، لكن ما من حديث عن وليات البحر.
من قال أن الانسان يقل ملاكا من الملاك ؟ حين يحب ،حين يعطف، حين يرحم من في الأرض ،حين يرقى وحين يستجيب لنداء داخلي” ومن أحياها (النفس) فكأنما أحيا الناس جميعا” القران الكريم .انها نوال عفوا حديثي ليس عن نوال الزغبي أو نوال الكويتية أو نوال المتوكل أو حتى الشابة المشاغبة نوال السعداوي. انها نوال الصوفي أو الصوفية المتصوفة أو ماما نوال كما يناديها السوريون .
من قال الولادة لا تتم فقط إلا عبر الاتصال الجنسي بين الذكر و الأنثى وأن الاستثناء الوحيد هو لمريم وللنبي اليسوع ؟ هذه الشابة العازبة تلد وتنجب كلما ساهمت في انقاذ أرواح آلاف المهاجرين من غرق البحر. من قال المرأة المغربية لا تصلح إلا لتأثيث بيتها وتتحول هي الأخرى مع الرتابة والملل والروتين اليومي الى حيوان داجن الى أثاث كأثاثها المنزلي ؟ من قال أن الفتاة المغربية خارج الوطن لا تصلح إلا كديكور يؤثث ملهى ليلي أو حانة يرتادها زبناء يبحثون عن لذة ورغبة عابرة ؟ من قال المرأة لا تحج إلا بمحرم ؟ فهذه المرأة الشابة تحج كل يوم كل نهار كل ليلة كل ساعة كل دقيقة ومحرمها هو جوالها البسيط السخي وعزيمتها اللامتناهية.
بوجه ملائكي، بابتسامة تحمل أمال كل المهاجرين التائهين في بحر يشهد على فظاعة عالم يأكل أبنائه، بحزن عميق يحمل أسرار البحر الأبيض المتوسط، بجسد نحيف لكنه قوي قوة و عزيمة أصحاب الرسالة.ألم يقل في حقها أحد الكهان . «وقال الكاهن موسي زرعي الذي يتلقى منذ 2003 اتصالات من الاريتريين التائهين في البحر أو ما زالوا عالقين في ليبيا أو في سيناء، “هذا أمر لا يمكن احتماله إلا عندما نتقبله باعتباره رسالة. إنه عبء ثقيل، لكن هذه هي قسوة العالم”.
وأضاف: “ما يفرحنا هو وجود عدد كبير من الشبان المتطوعين مثل نوال (…) تعجبني شجاعتها، الامر ليس سهلا، خصوصا بالنسبة الى شابة في جنوب إيطاليا”. ». كلام منقول عن أحداث أنفو
نوال ليس لها وقت للنوم أو للحزن، نوال بوصلة الحياة ،نوال فنار كل الأرواح التائهة بين جحيم الاستبداد العربي وصقيع الضمير الانساني الغائب .جوالها هو الحياة والحياة هي جوالها . وان انتهى زمن الأنبياء فزمن الأولياء لا زال مستمرا فينا لا زال ينجب الأولياء والوليات.
منكم من سيقول و لو في قرارة نفسه :”كاتب هذه الكلمات يبالغ” أبدا لا أبالغ وان فعلت هنا فلما جعلت المبالغة ان لم تسعفنا في هذه اللحظات ؟ لماذا وجد المجاز ان لم نلتجئ اليه في هذه المواقف ؟ لماذا جعلت الاستعارة ان لم نستعين بها في هذه الأوقات ؟.
على فيديو من عشر دقائق واحدى وعشرين ثانية، طل علينا وجه ملائكي ،لملاك البحر.أنا لا أتحدث عن عروس البحر أو حورية البحر لا بل اتحدث عن حبل نجاة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في البحر الأبيض المتوسط الذي لم يعد لا أبيض ولا متوسط. أتحدث عن عدوة القرش البحري والقرش البري مافيا المتاجرة بحياة وأرواح المهاجرين . بلهجة سورية سلسة تحدثت نوال المغربية أليس من عاشر قوما أربعين يوما صار منهم ؟. وفي برنامج تحت عنوان مسابقة ” مبادرة صناع الأمل ” سردت شدرات من تجربتها الغنية . في سؤالين لأحد أعضاء اللجة المكلفة بالمسابقة :
ما الذي جعلك لا تطفئين جوالك و لماذا سميت بماما نوال؟.
أجابت نوال :”السبب الذي جعلني لا أطفئ هذا الجوال الصغير و الرخيص كثيرا ،لأن كل عمليات الانقاذ التي قمت بها مرت من هذا الجوال .الشيء الذي جعلني لا أطفئ جوالي لأن أنا اسمي ليس نوال اسمي أنا ياسمين، علاء، براء ،مصطفى، محمد. أنا كل الناس الدين ليس باستطاعتهم أن يصلوا الى شط البحر أحياء .أنا كل الناس الذين ضلوا في أعماق البحر الأبيض المتوسط “. وأضافت “واسم ماما نوال له عدة أسباب ،أحدهم هو الاحساس الموجود في قلبي في اللحظة التي يتصل بي فيها أحد من البحر أحس بجد أنه جزء مني .أحس في اللحظة التي يتصل بي أنها لحظة مخاض .لحظة وجع الولادة والتوجه الى المستشفى من أجل الولادة . و لحظة ظهور البارجة هي لحظة الولادة وعندما يظهر لهم ضوء البارجة ولما المهاجرين ينادونني يا نوال عفوا يا ماما نوال صرنا بأمان شهدنا البارجة هذه اللحظة تساوي الدنيا كلها” . ثم تضيف “والسبب الثاني لاسم ماما نوال أنا بنت عربية شابة ومسلمة كلمة ماما نوال تخلق حافز للحب القوي الموجود بيني و بين الناس الذين أستقبلهم كل يوم”.وفي سؤال لعضو اخر من لجنة التحكيم عن أول مكالمة هاتفية تلقتها من المهاجرين قالت” أول مكالمة وصلتني تشبه كل المكالمات التي أتلقاها يوميا، مضمونها نحن نغرق، معانا أطفال ونساء ،الأمواج مرتفعة جدا يا نوال ،ليس هنا بوارج للإنقاذ ،ألحقينا لا نعرف هل تصلنا بارجة انقاذ قبل أن نموت” . وتضيف “مكالمة كهذه تغير حياة أي انسان .اذ غيرت حياتي أول يوم لما وصلت الى موبايلي .من ذلك اليوم قررت أن يكون هذا الموبايل جزءا من حياتي ،لما أنام ليلا أربطه بيدي أو جنبي، ممكن يزعج أفراد أسرتي كلها و يستفيقون من النوم .وفي احدى المرات استفاق أخي الصغير على رنات هاتفي و قال لي” يا نوال أريد أن أنام ” وبعد أن نظرت اليه اعتذر لي”. وتضيف “هذا الأخ الذي يريد أن ينام هو مثل كل الأطفال الذين كانوا في المركب ،كلهم يريدون أن يناموا ،تركوا بلدهم التي هي في حرب على أمل أن يناموا . هناك ناس تحلم أن تنام دون أن تسمع صوت القذائف”. وتستأنف حديثها “أنا أتعامل مع أناس أموات وليسوا أحياء. فالتعامل مع شخص فاقد لحياته في بلده و فاقد لحياته في البحر، هو كمثل أن تجرب أن تزرع الأمل في عيون شخص مات ،فلما تزرع هذا الأمل ،فانك توصل رسالة قوية جدا، وهذه الرسالة والحمد لله وصلت الى الكثير من الشباب من جيلي ،وهم يواصلون الان على نفس المشوار الذي أمشي عليه كل يوم وهم موجودون بكثرة في اوروبا “.
هذا الكلام ليس لقديس أو حتى لنبي انه لامرأة شابة تشبعت بقيم و بكل ما هو انساني.
حين تكون الكلمة أقوى من الصورة ،بل من المشهد الواقعي نفسه، حين يكون الصدق عنوانا لفعل، يصنع المستحيل وتولد المعجزات ولو بوسائل بسيطة .
عفوا يا نوال او ماما نوال جوالك ليس بالصغير بل كبير كما أنت الكبيرة .عفوا يا نوال جوالك ليس بالرخيص جدا بل ثمين كما أنت الثمينة جدا . نعم جوالك ليس من أحدث الموبايلات ولم يصنع أو يغلف بالذهب أو الماس، لكن جوالك وحيد وواحد ومنفرد، جوالك من مادة منفردة لا وجود لها إلا عند القليلين و القليلات من أمثالك . جوالك صنع من مادة قلما وجدناها في زمننا. جوالك من معدن اسمه الانسان وشحنته اسمها الحب .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.