ملاحظات و تحفظات حول المبادرة اﻷمازيغية لحل البيجيدي

عزم بعض المناضلين الأمازيغيين على إطلاق مبادرة لجمع التوقيعات للمطالبة بحل حزب العدالة و التنمية بدعوى تأسيسه على مرجعية دينية تتنافى مع القانون الخاص بتأسيس الأحزاب السياسية و عدم فصل الحزب بين الدين والسياسة في أدبيات ممارسته السياسية على غرار كل التكتلات و التنظيمات المتأسلمة التي تجعل من الله و النازع الديني مطية لكسب أغراض و مصالح انتخابوية و سياسية ضيقة .
صحيح أن البيجيدي سعى عبر سيرورته السياسية المتناقضة إلى المزج بين الديني و الدنيوي في خطابه الذي انفضحت مراميه بعد مشاركته في قيادة حكومة يناير 2012 في نستختها الاولى و الثانية التي فضحت عقم المشهد السياسي و ابانت عن احادية مطلقة للمؤسسة الملكية و هيهمنتها على القرار السياسي عبر خلق كائنات تلعب دور أرانب سباق تقود المشهد إلى وجهته المحددة مسبقا .
لكن اقران مبادرة جمع التوقيعات بالحركة الامازيغية يستلزم توضيح مجموعة من النقاط و تبيين موقف الخطاب الأمازيغي من التأسلم السياسي أولاً و من الأحزاب أو الدكاكين السياسية ثانياً و يمكن إيجاز الملاحظات فيما يلي :
_أولاً : انبناء الخطاب الأمازيغي على نقد خطاب ماسمي بالحركة الوطنية القائم على التسييد السياسي للعروبة و الإسلام أسس لفكر يدحض مرامي إلحاق المغرب و شمال إفريقيا الامازيغية بالطرح الإيديولوجي الساعي لاقامة وطن عربي من المحيط الى الخليج عبر تذويب مسوغات الهوية للشعب الامازيغي في محدد جديد قائم على اقحام الدين كمحدد هوياتي و إلحاق الشعوب المسلمة بدائرة العروبة التي تحاول اظفاء طابع القومية العربية على الإسلام و انبناء الأنظمة الحاكمة على وهم النسب الشريف لإضفاء القدسية على شرعيتها السياسية لتكون مبررا لها لحكم شعوب غير عربية .
_ثانياً : الاقتصار على توجيه النقد للعدالة و التنمية هو تملص صريح من مقتضيات موقف الخطاب الأمازيغي الواضح و  المطالب بعلمانية الدولة أولا و التنصيص الدستوري على امازيغية المغرب في دستور ديمقراطي شكلاً و مضمونا عبر تأسيس نسق سياسي قائم على الارادة الشعبية و ينبثق من خصوصياتيه و اثنوغرافيته ليقطع مع احتكار السلطة السياسية عبر امارة المؤمنين كشكل من اشكال الوصاية على الدين و احتكارها للشأن الديني كمنزع للشرعية السياسية .
_ثالثا : تركيز المبادرة على حزب سياسي هو تنكر للموقف الأمازيغي البين الذي ينص على كون الأحزاب السياسية هي بيادق مصطنعة في المطبخ السياسي هدفها الحفاظ على ثباتية نسق النظام المتحكم في السلطات الثلاث دون إشراك الشعب في اللعبة السياسية ، و المؤكد أن البيجيدي نفسه جاء للقيام بدور مجابهة التيار اليساري بعد تمهيد الجماعة الإسلامية لظهوره و لعل رسالة بنكيران لادريس البصري التي تطالبه برفع الحظر عن الجماعة لمجابهة اليسار خير دليل على تمخزن هذا الحزب و رغبته في تحصين تمازج الديني بالدنيوي في شكل إمارة المؤمنين و التي تتنافى قطعا مع بديل الدولة العلمانية المطالب به من طرف الحركة الأمازيغية .
_رابعاً : إن الانشغال الاوحد للحركة الأمازيغية و خطابها العلماني يتجاوز نقد الأحزاب المفعول بها و يتعداها إلى الإدلاء ببديل اقتراحي لهرم النسق السياسي إذ أن الطرح الديمقراطي لا يمكن تقييده في التنظير لتغيير الفروع بقدر ما يستوجب إيجاد بدائل اقتراحية تقطع مع اقحام الديني في الشأن السياسي من أعلى مراتب النظام الى ادنى دائرة في مؤسسة الدولة .
_خامسا :إن المطالبة بحل البيجيدي وحده هو تبرئة للاحزاب الاخرى جميعها القائمة على العروبة و الإسلام و التي تتنافى قوانينها الاساسية مع خصوصيات الشعب الامازيغي و تتنكر لهويته ، فلا فرق بين البيجيدي و الاستقلال و الحزب الليبيرالي و باقي الدكاكين فكلها ترى هوية الأرض عربية و تنظر للشعب الامازيغي كعنصر دخيل .
_ سادساً :  التركيز مرحليا على البيجيدي بهذه المبادرة هو خدمة غير مباشرة لباقي الأطياف السياسية المعارضة له آنيا ، و باستحضار مبدأ الربح و الخسارة نتسائل مع المشرفين على المبادرة عما ستكسبه للقضية الامازيغية ان تم بالفعل حل البيجيدي و بقي الاستقلال و البام و باقي الامازيغوفوبيون السياسيون ؟و ألا تخدم التيار الشباطي-العماري أكثر مما تخدم الامازيغية ؟
_سابعاً : إن اشكالية تداخل الديني فيما هو سياسي هي اشكالية بنيوية مرتبطة بالنسق العام للنظام ، و لن يتغير شيء مادامت الامازيغوفوبيا جلية في الخطاب الرسمي لمنابر المساجد عبر تكوين أئمة يحصنون الفكر العروبي من اعلى المنابر كافراز لاعادة هيكلة الحقل الديني الرامي لشخصنة دين الشعب في المؤسسة الملكية وحدها و ابقاء منظومات تربوية تكرس النظرة الرسمية الدونية تجاه الأمازيغية و كذا تسخير المؤسسة الاعلامية الساهرة على تمييع الامازيغية و فلكلرتها و النيل من خصوصيات الشعب و تاريخه
إننا هنا لا ندافع عن حزب ثبتت عروبته و تمخزنه و انبطاحه بقدر ما نسعى لتوضيح الصورة و رفع اللبس عن مبادرة تنسب لحركة اشتهد لمبادئها الشهداء و اعتقل من أجلها المعتقلين السياسيين ، و ناضلنا من اجل تحقيق مطالبها بما أوتينا من جهد و لو كان متواضعاً ، فالخطاب التحرري للحركة الامازيغية أسمى من تقزيمه في فتح جبهة على دكان سياسي مكبل العزيمة و القرار و ان علمانية الدولة التي نطمح لها لن تكون أبداً افرازا لمعارك على فلول المشهد السياسي المؤقتين و الغير الثابتين دون اطالة الرؤية لتشمل المتناقضات بل و الاساطير التي انبنى عليها النظام السياسي المؤسس على صفقة ايكس ليبان .
و على سبيل الختم إن علمانية الدولة لن تتأتى الا من خلال تخليص الدين من نص سياسي يراد به الاخضاغ و لن تستقيم إلا بضرورة الفصل بين العمل السياسي كنتاج للتشارك بين الاطياف الشعبية التي تحتمل الخطأ دون التستر عن الاخطاء و الاخفاقات بالصاقها بالدين و جعل الخطأ السياسي و التدبيري مقدسا مرتبطا بقدرية السماء يخفي الاخفاق الحقيقي للسلطة السياسية كي لا يطالها النقد .
و إن الأحزاب السياسية جميعها جزء من الأزمة و لا مناص من تحميلها مسؤولية التكالب لتقييد حرية الشعب و تأخير موعده مع التحرر من كافة الانماط الاخضاعية المكرسة في تركيبة نظام سياسي اوليغارشي يغير كل شيء كي لا تتغير احاديته التحكمية و الاحادية في القرار السياسي .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.