ملاحظات على هامش تعديلات الفصل 267 من القانون الجنائي

وفاء اليابوري

إذا كان الدستور المغربي لسنة 2011  من خلال ديباجته أو بعض فصوله قد وسع من مجال الحريات العامة لدرجة أن سماه البعض دستور الحقوق، فإننا نجد على مستوى القانون الجنائي أن هناك سعي للتضييق على هذه الحريات، يظهر مثلا من خلال التوسع في تعريف الفضاء العام وتشديد العقوبات الزجرية المرتبطة بالإخلال بما يعتبر حسب منطق المشرع من النظام العام.

هذه الملاحظة تبدو بجلاء من خلال الفصل 267 من القانون الجنائي الحالي، في المقارنة بين هذا القانون و بين “مجموعة القانون الجنائي” و ضمنه مسودة القانون الجنائي قيد التعديل، حيث أضيفت لهذا الفصل تعديلات في القانون 73-15  المنشور حديثا في الجريدة الرسمية عدد 6491 بتاريخ 16 غشت الحالي، لتضاف  ثوابت المملكة إلى الرموز الواجب احترامها، وتجريم المس بها، و كذلك بتوسيع مجال الزجر بإضافة الآليات الالكترونية إلى ما عبر عنه كمجال للجهر بالإخلال بالرموز و الثوابت،  و هو ما يمكن عده توسيعا لنطاق الفضاء العام بإضافة المجال الافتراضي على الشبكات الاجتماعية خصوصا.

 فيضاف بهذا الفضاء الالكتروني الى “المجال العام التقليدي” المتعارف عليه حسب أطروحة هابرماس، كبنية تتدخل فيها السلطة عبر قواعد و آليات تضبطها و توجه الرأي العام بها، كما تعرف وجود رأي مناهض للسلطة يعبر من داخل هذه البنية عن نقده لها.

توسيع الفضاء العام في علاقة مع القانون الجنائي يذهب هنا  في اتجاه التضييق على حرية التعبير، خصوصا في سياق تلعب فيه فضاءات التواصل الاجتماعي الالكترونية ميدانا خصبا للتعبير و النقد السياسيين من طرف مرتاديها، و الأهمية التي صارت تلعبها في إذكاء النقاش العمومي حول قضايا سياسية اجتماعية، أي بصيغة ما يُعتبر هذا الفضاء حاملا و معبرا للحركات الاجتماعية الجديدة (بفهم ألان تورين). والأمثلة هنا كثيرة حول النقاشات العمومية التي أُذكيت في هذا الفضاء (تشغيل القاصرات, فيضانات الجنوب، تعويضات البرلمانيين …) أو التعبير عن الاحتجاج وتنظيم الحملات (حملة ضد العفو عن البيدوفيل الاسباني، حملة المدونة الرقمية لن تمر، حملة القانون الجنائي لن يمر…)

إلى جانب المس بحرية التعبير و الخصوصية الرقمية للأشخاص ارتباطا بهذا الفصل، يمكن أن نطرح إشكالية القابلية للتطبيق، فعمليا، هل سيصير من الممكن متابعة كل ما ينشر على الانترنت؟ ومراقبة كل منشورات نشطاء مواقع التواصل؟ إمكانية حدوث أمر مماثل يشبه إلى حد ما تجسيدا كاريكاتوريا لمقطع من رواية أورويل 1984، حيث تظهر شكلا من الأنظمة الشمولية التي تراقب كل حركات وسكنات المواطنين. بذرة الشمولية تبدأ من الرقابة المفرطة على حياة الأفراد.

في عودة إلى سؤال التشريع :

 هل بالإمكان حقا  أن يلبس المشرع “حجاب الجهل” لضمان قوانين عادلة تضمن المساواة للجميع بغض النظر عن المصالح المرتبطة بالموقع الاجتماعي كما تقول نظرية العدالة لرولز؟ وتحديدا بالسلطة؟

 على الأرجح أن مقولات بورديو في السوسيولوجيا القانونية والمشيرة إلى عدم استقلالية الحقل القانوني ودوره الأساسي في الضبط و التحكم في آليات إعادة إنتاج النظام الاجتماعي تجد تأكيدا لها في هذا السياق المرتبط بالمجال العام كما يمكن أن تجده في المجال الخاص و في تداخلهما.

13920862_607834656044623_4435704385285256458_n

 

 صورة الصدارة للفنان البولندي باول كوزنسكي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.